القانون الجنائي : البراءة

القانون الجنائي : البراءة

أولا: موضوع البحث وأهميته
2 إذا وقعت الجريمة نشـأ عنهـا حـق عـام للدولـة فـي توقيـع العقـاب علـى مرتكبهـاTP0F
2TP العقوبة هو الإيلام والإكراه 1F P2T ،ولأن مـا يميـز (1(
P2T) .3 (لتوقيعها، والتي تتمثل بالشرعية الموضوعية والشرعية الإجرائية2TP 2F P2T ،فإن هذا الحق للدولة لا يكون إلا بعد أن تجتاز العقوبة الشرعية اللازمة (2(
فإذا كـان مبـدأ لا جريمـة ولا عقوبـة إلا بنـاء علـى نـص قـانوني يضـفي الشـرعية الموضـوعية لحـق
P2T) .4 (الدولة في العقاب، فإن مبدأ “البراءة” يكمل تلك الشرعية بشقها الإجرائيTP3F2

ً
ومقتضى هذا المبـدأ، أن المـتهم بجريمـة، مهمـا بلغـت جسـامتها ومهمـا كانـت خطورتـه، يعـد بريئـا
حتى تثبت ادانته بحكم قضائي بات. مما يترتب عليه التزام السلطات المعنية بالدعوى الجنائية – سواء
أكانت سلطة التحري وجمع الأدلة أم سلطة التحقيق أم سلطة الحكم – بنتائج تطبيق ذلك المبدأ، أبرزها
معاملة المتهم طيلة المدة التي يستغرقها نظر الدعوى الجنائيـة والفصـل فيهـا، علـى أسـاس أنـه انسـان
برئ، هذا من ناحيـة، وأن يقـع عـبء الإثبـات علـى عـاتق سـلطة الاتهـام، حيـث لا يلتـزم المـتهم بإثبـات
براءته، من ناحية أخرى. كما تلتزم سلطة الحكم أن تثبت الإدانة عن جـزم ويقـين ومـن ثـم فـإن أي شـك
حولها يجب تفسيره لصالح المتهم، من ناحية ثالثة.

(1 (عبدالفتاح الصيفي، “حق الدولة في العقاب”، مطبعة جامعة بيروت، لبنان، 1971 ،ص37.
(2 (يعـرف الـبعض العقوبـة بأنهـا (( إيـلام مقصـود مـن أجـل الجريمـة ويتناسـب معهـا )) أو هـي (( تأديـب يتكبـده فاعـل
الجريمة )) وأثرها المباشر هو تحقيق الإيلام، إذ أن الإيلام هو ما يميز العقوبة عن غيرها من النظم التأديبية.
انظر في هذا المعنى: محمود نجيب حسني، “علم العقاب”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967 ،ص25-26.
إلا أنه يجب التنويه – في هذا الصدد – أن للجزاء الجنائي صورتان أساسيتان هما العقوبة والتدابير الاحتراز ية،
مع الإقرار بأن العقوبة تعد الصورة الأساسية للجزاء الجنائي، بعد أن كانت فيما مضى الصورة الوحيدة لهذا الجزاء.
انظر في ذلك: سليمان عبدالمنعم، “مبادئ علم الجزاء الجنائي”، بدون دار نشر، 2002 ،ص38-40.
(3 (ينبغي التذكير في هذا الصدد بوجود شرعية ثالثة تلتزم بها السلطة التنفيذية هي شرعية ” التنفيذ العقابي” وهي
ترتبط بحقوق المحكوم عليه، وذلك بعد دحض “قرينة البراءة” – التي كان يتمتع بها المتهم – بصدور حكم الإدانة
البات بحقه. بينما الشرعية الموضوعية والشرعية الإجرائية ترتبطان بحقوق وحريات المتهم.
أنظر في هذا المعنى: محمد محمد مصباح القاضي،”حق الإنسان في محاكمة عادلة”، دار النهضة العربية، القاهرة،
.25-22ص، 1996
(4 (انظر في هذا المعنى: مصطفى فهمي الجوهري، “الوجه الثاني للشرعية الجنائية “قرينة البراءة”، دار الثقافة
الجامعية، القاهرة، 1986 ،ص9.

( 2 )
“و للبراءة” – على وفق المعنى السابق – أهمية بالغة من عـدة جوانـب، ولعـل مكمـن هـذه الاهميـة
يعود إلى أن “البراءة” لا تعدو أن تكون كلمة مرادفة للحرية، وتأكيد لأصل عام هو حرية المتهم، وبأنهـا
تكون مع تلك الحرية وحدة متكاملة هي كرامة الإنسان.
نتيجة لذلك تعد “البراءة” من المبادئ الأساسية في القـانون الـدولي، فقـد تـم تبنـي هـذا المبـدأ علـى
المستوى العالمي، وفي الكثير من المواثيق الدولية، أبرزها: نص المادة (9 (من اعلان حقوق الإنسان
والمواطن الفرنسي لسنة 1879 ،والاعلان العالمي لحقوق الإنسـان لعـام 1948 ،الصـادر عـن الجمعيـة
العامـة للامـم المتحـدة فـي نـص المـادة (11/1 (وكـذلك المـادة (14/2 (مـن الاتفاقيـة الدوليـة للحقـوق
المدنية والسياسة لعام 1966 الصـادر عـن الأمـم المتحـدة، والاتفاقيـة الاوربيـة لحمايـة حقـوق الإنسـان
وحرياتـه الأساسـية لسـنة 1950 فـي المـادة (6 ،(كمـا نصـت علـى ذات المبـدأ المـادة (7 (مـن الميثـاق
الافريقي لحقوق الإنسـان لسـنة 1986 ،والمـادة (9 (مـن الاتفاقيـة الأمريكيـة لحقـوق الإنسـان، والمـادة
(21 (من وثيقة “حقوق الإنسان في الإسلام” الصادرة عـن منظمـة المـؤتمر الإسـلامي فـي عـام 1982 ،
والمـادة (5/2 (مـن مشـروع “حقـوق الإنسـان والشـعب فـي الـوطن العربـي” الصـادر عـن مـؤتمر الخبـراء
P2T) .1 (العرب في عام TP4F19852
بيـد أن تلـك الاتفاقيـات والاعلانـات لا تلـزم الـدول علـى تطبيـق مبـدأ “البـراءة”، لـذلك درجـت معظـم
الـدول التـي تعتقـد بحريـات وحقـوق الإنسـان علـى الـنص عليـه فـي تشـريعاتها الأساسـية ولاسـيما فـي
P2T ،ومن ضمنها الدساتير العراقية المتلاحقة، إذ نصت المادة (20/أ ) من دستور عـام 1970) 2 (دساتيرهاTP5F2
P2T) .3 (أن “المتهم برئ حتى تثبت ادانته في محاكمة قانوني 2ة”TP6F

(1 (انظر في ذلك:
– غازي حسن صباريني،”الوجيز في حقوق الإنسان وحرياته الأساسية”،دار الثقافة،الاردن،1997 ،ص124-126.
– علـي سـليمان فضـل االله، “الميثـاق الافريقـي لحقـوق الإنسـان والشـعوب”، مـن بحـوث كتـاب “حقـوق الإنسـان”، م2 ،
دراسـات حـول الوثـائق العالميـة والاقليميـة، محمـود شـريف بسـيوني وآخـرين، دار العلـم للملايـين، بيـروت، 1989 ،
ص387.
– الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من منشورات ادارة شؤون الاعلام في الأمم المتحدة، 1993.
(2 (انظر على سـبيل المثـال: مقدمـة الدسـتور الفرنسـي لعـام 1958 ،والمـادة (27 (مـن الدسـتور الايطـالي لعـام 1947 ،
ومن الدساتير العربية النافذة، أنظـر المـادة (20/ج) مـن الدسـتور البحرينـي لعـام 2001 ،الفصـل (12 (مـن الدسـتور
التونسـي لعـام 1999 ،المـادة (45 (مـن الدسـتور الجزائـري لعـام 1996 ،المـادة (32 (مـن الدسـتور السـوداني لعـام
1998 ،المـادة (28 (مـن الدسـتور السـوري لعـام 1973 ،المـادة (67 (مـن الدسـتور المصـري لعـام 1971 ،والمـادة
(28 (من الدستور الاماراتي لعام 1971 والمادة (34 (من الدستور الكويتي لعام 1962.
انظر في نصوص تلك المواد وغيرها، موقع الشبكة القانونية العربية على الانترنت:

www. [email protected] Law subject

وموقع “المكتبة” على شبكة الانترنت: com.ALmatabah.www
(3 (ومثله نصت المادة (39 (من مشروع دستور العراق لعام 1990 ،وكذلك دستور عام 1964 في المادة (23 ،(
ودستور عام 1968 في المادة (25 .(انظر في تفصيل ذلك:
– رعد الجدة، “التشريعات الدستورية في العراق”، بيت الحكمة، بغداد، 1998.
ً
ً نصت م(19/5 (من دستور 2005 على ذات النص تقريبا
– ومؤخرا

( 3 )
كما حرصت بعض الدول على تدوين هذا المبدأ فـي قـانون الإجـراءات الجنائيـة، كالقـانون الروسـي
P2T ،كما (1 (الصادر عام 1960 في المادة (20 ،(والقانون السوداني الصادر سنة 1973 في المادة (69 2TP (7F
مؤخرا – في مقدمة قانون الإجراءات المادة الأولى التمهيديـة التـي افترضـت ً اضاف المشرع الفرنسي –
P2T ،ومثل ذلك فعل المشرع المغربي في نـص المـادة (2 (براءة كل مشتبه فيه أو 2 متهم طالما لم تثبت ادانتهTP8F
TP9Fالجديد الجنائية المسطرة قانون من ) 2 8/365) (3) .P2T
وتقديرا مختصـة علـى ً لدور قرينة البـراءة فـي الـدعوى الجنائيـة، حرصـت بعـض المحـاكم الجنائيـة ال
تسـجيلها فـي صـلب قوانينهـا، مــن ذلـك نـص المـادة (20/2 (مــن قـانون المحكمـة العراقيـة المختصــة
2 بالجرائم ضد الإنسانية، الصادر في ديسمبر من عام TP10F2003
(4) .P2T

إلا أن الشريعة الإسلامية قد سبقت كافة التشريعات الوضعية فـي إقرارهـا لمبـدأ البـراءة، والأخـذ بـه
وتنظيمه ووضع ضوابطه وقيوده، والأخذ بنتائجـه وتطبيقاتـه المختلفـة، ممـا يمكـن معـه القـول أن نظـام
ً ً العدالـة الجنائيـة فـي الإسـلام، متوافـق ومتنـاغم مـع مـا بـات يعـده المجتمـع الـدولي –
مـؤخرا – حقوقـا

أساسية للإنسان تضمنتها المواثيق الدولية والقوانين الوطنية.

ً أو
ِّ من ذلك يتضح لنـا أن “البـراءة” موضـوع علـى جانـب كبيـر مـن الأهميـة، سـواء بعـده مبـدأً دوليـا

2 أو قرينـة جنائيـةTP1F
ً
ً مـدنيا

P2T ،ومـن مختلـف جوانبـه الشـرعية والتشـريعية والفقهيـة (5 (قاعدة دستورية أو حقـا
والقضائية. إلا أن الجانب الأبرز في هذا البحث يتمثل في دراسة القانون الجنـائي فـي شـقه الإجرائـي –
ً إلـى ان
ً في العديد من مباحث هذه الاطروحة – اسـتنادا

دون تجاوز شقه الموضوعي، الذي يظهر جليا

(1 (مشار اليه لدى:
– عبدالمجيد محمود مطلوب، “الأصل براءة المـتهم”، مـن بحـوث النـدوة العلميـة الأولـى “المـتهم وحقوقـه فـي الشـريعة
الإسلامية”، ج1 ،المركز العربي للدراسات الامنية، الرياض، 1986 ،ص221.
(2 (إذ تمت تلك الاضافة بواسطة القانون رقم 516 لسنة 2000 ،في شأن تدعيم قرينة البراءة في القانون الفرنسي.
انظر في تفصيل ذلك: مدحت رمضان، “تدعيم قرينة البراءة في مرحلة جمع الاسـتدلالات – فـي ضـوء تعـديلات قـانون
الإجراءات الجنائية الفرنسي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001 ،ص6 .
(3 (وقد تم تطبيق هذا القانون في شهر اكتوبر من عام 2003.
مشار اليه في موقع جريدة “العلم” على شبكة الانترنت الصادرة في 26/6/2004 :

www. Alalam.ma.com
(4 (مشار اليه على موقع ( مراقبة حقوق الإنسان – watch Rights Human 🙁 org.hrw.www
وانظر أيضا المادة (66 (من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، على موقع جامعة “منيسوتا الأمريكية –
مكتبة حقوق الإنسان”:

www.umn,edu/humanrts/arab

ً في “طبيعة البراءة”.

(5 (سيأتي شرح ذلك تفصيلا

( 4 )
ً لكافـة الضـمانات الإجرائيـة التـي أحاطـت بهـا التشـريعات الوضـعية لكـل مـن يوضـع

“البـراءة” تعـد مصـدرا
P2T ،حتى قيل بحق أن المحاكمة المنصـفة (1 (موضع الاتهام. بل هي الأساس في عناصر المحاكمة العادلةTP12F2
P2T) .2 (هي نتيجة طبيعة لتطبيق قرينة البراءة في الدعوى الجنائيةTP13F2
ومـع ذلـك يمكـن القـول أن أهميـة “البـراءة” تبـدو فـي جـانبين: جانـب نظـري أو فلسـفي، يتمثـل فـي
البحث عن الأصول الثابتة في الإنسـان، عـن نـوازع الخيـر والشـر الكامنـة فيـه، عـن ثباتـه وتغيـره طيلـة
مراحـل حياتـه، عـن انسـانية الإنسـان والسـلوك الـذي ينبغـي أن يكـون عليـه، بحسـبانه يعـيش فـي ظـل
مجتمـع تتعـدد فيـه المصـالح والحاجـات، وجانـب عملـي أو تطبيقـي، يبحـث فـي احتـرام حقـوق وحريـات
الإنسـان فـي مواجهـة السـلطات المختلفـة للدولـة متمثلـة فـي قوانينهـا واجراءاتهـا، بهـدف الوصـول إلـى
نقطــة تــوازن حقيقيــة بــين المركــز القــانوني للمــتهم، والمركــز القــانوني لســلطة الاتهــام فــي الخصــومة
الجنائية، أو بعبارة أخرى يبحث في مشكلة التوافق بين المتهم والادعاء أو بين الحرية والاتهام. ولعلها
هي مشكلة هذا البحث.

ثانيا: مشكلة البحث

ان النظام العام يقتضي تقييد حرية الفرد من خلال التجريم والعقاب، فالتجريم يمس حرية الفرد في
ً عـن العقـاب، فإنـه يمـس

مباشرة أنواع معينة من السلوك، لأنه يخضع لضوابط اجتماعية معينة، فضـلا
الحرية الشخصية للفرد. غير أن المساس بحرية الفرد لا يقتصـر علـى مخـاطر التجـريم والعقـاب، ولكنـه
يمتـد أيضـا إلـى النظـام الإجرائـي الجنـائي، وذلـك مـن خـلال إجـراءات الخصـومة الجنائيـة التـي تباشـرها
ٕجـراءات التنفيـذ العقـابي بعـد إقـرار حـق الدولـة فـي

الدولة بعد وقوع الجريمـة مـن أجـل كشـف الحقيقـة وا
العقاب.
من ذلك يتضح أن النظـام الجنـائي بأسـره ( العقـابي والاجرائـي ) يعـرض بطبيعتـه الحريـات للخطـر،
سواء عندما تباشر الدولـة سـلطتها فـي التجـريم والعقـاب أو عنـد مباشـر تها الخصـومة الجنائيـة والتنفيـذ
العقابي. وخشية التحكم في مباشرة هذه السلطات وتجاوزها القدر الضروري للدفاع عن المجتمـع، تحـتم
توفير الضمانات للفرد، لحماية حريته من خطر التحكم وتجاوز السـلطات علـى حقوقـه، ولا يكـون الأمـر

(1 (حاتم بكار، “حماية حق المتهم في محاكمة عادلة”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997 ،ص60.
(2 (أحمـد حامـد البـدري، “الضـمانات الدسـتورية للمـتهم فـي مرحلـة المحاكمـة الجنائيـة – دراسـة مقارنـة بـين الشــريعة
الإسلامية والقوانين الوضعية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002 ،ص448 .

( 5 )
ِّ كــذلك إلا مــن خــلال مبــدأي “شــرعية الجــرائم والعقوبــات”، و “أصــل البــراءة” بعــدهما ركنــي الشــرعية
TP14Fالجنائية 2
(1) .P2T
فالأصـل أن الإنسـان يتمتـع بجميـع حقوقـه وحرياتـه بمـا لا يتعـارض مـع تمتـع الآخـرين بحقـوقهم
وحرياتهم، فـي ظـل مجتمـع يحكمـه القـانون، ذلـك أن حقـوق الإنسـان وحرياتـه مقيـدة بحقـوق الجماعـة
ً إلـى أن الحريـة بـلا قيـود تعنـي الفوضـى، كمـا أن السـلطة بـلا قيـود

وحريـاتهم وأمـن المجتمـع، اسـتنادا

ً
ً واحـدا
معناها الطغيان، وبعبارة أخرى إطلاق الحرية أو السلطة – على حـد سـواء – لا تعنـي سـوى أمـرا
ً، يثيـر فـي إطـار القـانون الجنـائي، مشـكلة التوفيـق

ً أو تعارضـا

هو الفساد المطلق. وهو مـا يعـد تضـاربا
بين مصلحة المجتمع في ملاحقة الجاني، لاقتضاء حق المجتمع في العقاب، ومصلحة المتهم في عـدم
الاعتداء على حقه في الحرية.
فمنذ بداية اتخاذ الإجراءات الجنائيـة فـي مواجهـة المـتهم، تثـور مصـلحة المجتمـع فـي العقـاب مـن
ناحيـة، كمـا تثـور مصـلحة المـتهم فـي صـيانة حريتـه الشخصـية مـن ناحيـة ثانيـة، إذ ينشـأ نـزاع بـين
قرينتين: قرينة قانونية على براءة المتهم، وقرينة موضوعية على ارتكابه للجريمـة، وكـل مـن القـرينتين
تحمي مصلحة أساسية في المجتمع، فالأولى تحمي الحرية الشخصية للمتهم والثانيـة تحمـي المصـلحة
TP15F2العامة) 2) .P2T
الأمـر الـذي يسـتدعي التوفيـق بـين هـاتين المصـلحتين، وتحقيـق التـوازن بـين الحقـوق والحريـات
الفردية من جهة، وأمن المجتمع ومصلحته العامة من جهة أخرى.
بيـد أنـه يبـدو مـن الصـعوبة والخطـورة التوفيـق بينهمـا، فمراعـاة أحـدهما قـد تـؤدي إلـى التفـريط
بـالأخرى. حيـث هنـاك قـدر مـن التعـارض بـين مـا تفرضـه بـراءة الإنسـان، وحقيقـة مـا يتخـذ حيالـه مـن
إجــراءات مسيســة بحريتــه الشخصــية خــلال الــدعوى الجنائيــة – مثــل القــبض، التفتــيش، الاســتجواب،
التوقيـف وغيرهـا مـن الإجـراءات – ومـا يسـتتبعه ذلـك مـن التطـاول علـى بعـض حرماتـه الخاصـة، ممـا
ً مـن
يستحيل معه تصور تحقيق مبدأ البراءة في مفهومه المجرد دون محاولة النيل منه. فلا مناص اذا
الاعتراف بتلك الإجراءات رغم خطورتها، إلا أنه في الوقت ذاته لابد من حماية المتهم بما يحفـظ حريتـه

(1 (انظر:
– احمد فتحي سرور، “الحماية الدستورية للحقوق والحريات”، دار الشروق، القاهرة، 2000 ،ص359 ،366.
– اسامة عبداالله قايد، “حقوق وضمانات المشتبه فيـه فـي مرحلـة الاسـتدلال”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة، 1989 ،
ص140.
(2 (احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977ن ص126.
– نائل عبدالرحمن صالح، “محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية”، دار الفكر، الاردن، 1997 ،ص26.

( 6 )
الشخصية وكرامته الإنسانية. ولا يكون الأمر كذلك إلا من خـلال ضـمانات تكفـل حمايـة المـتهم فـي ظـل
2 الإطار القانوني الذي أرتضاه المجتمعTP16F
(1) .P2T

ومن ثـم التسـاؤل الـذي تطرحـه هـذه الدراسـة هـو: هـل يحقـق مبـدأ البـراءة ونتائجـه العمليـة، كفالـة
ً يتمتع بكل معاني البراءة والكرامة الإنسانية وفي الوقت

حماية المتهم وحرياته الأساسية باعتباره انسانا
ذاتـه يكفـل تحقيـق مصـلحة المجتمـع التـي تقتضـي الوصـول إلـى الحقيقـة بشـأن الجريمـة التـي ارتكبـت
فأخلت بأمن الجماعة ونظامها، وبعبارة أخرى إلى أي مدى تستطيع الدولة عند مباشرتها لسـلطاتها فـي
التحـري والتحقيـق والمحاكمـة فـي حالـة تطبيـق قرينـة البـراءة، الالتـزام بـألا تتجـاوز علـى حريـة وكرامـة
المتهم الإنسانية؟ ذلك ما نحاول دراسته في هذه الاطروحة.

ثالثا: خطة البحث

ً على ما تقدم، تناولت “البراءة في القانون الجنائي” في بابين. يتضمن كل منهما فصلين:
تأسيسا
إذ يتركـز البـاب الأول لبحـث الجانـب النظـري أو المبـدأي للبـراءة، أبـين فيـه “مفهـوم البـراءة” مـن
مختلف جوانبها سواء من حيث التعريف أو النطاق أو الأساس أو الطبيعة، ثم نبحث في “تقييم البراءة”
ومدى قبولها ٕوامكانية تطبيقها في الـدعوى الجنائيـة، ونقـدها مـن قبـل الـبعض فـي الفقـه الجنـائي؛ ذلـك
كله تحت عنوان “ماهية البراءة”.
بينما يتركز الباب الثاني لبحث الجانب التطبيقي “للبراءة” من خلال أبـرز النتـائج التـي تترتـب علـى
تطبيقها في مرحلتي التحقيق والمحاكمة في الدعوى الجنائية؛ وذلك تحت عنوان عام هو “آثار البراءة”.
َ للبـراءة
يسبق البابين فصل تمهيدي يكرس لبحث الابعاد التاريخية والشرعية للبـراءة، َّ بعـدهما سـندا
ً ننتهـي بخاتمـة مـوجزة نحـاول أن نضـع

ً يمهد للدراسة، وذلك تحت عنـوان “سـند البـراءة”. وأخيـرا
ومدخلا
ً لمشكلة البحث من خلال ما تم التوصل اليه من مجمل الدراسة وذلك على النحو الآتي:
فيها حلا

الباب الأول / ” ماهية البراءة “

(1 (انظر في ذلك:
– محمد صبحي نجم، “قانون أصول المحاكمات الجزائية”، دار الثقافة، الاردن، 2000 ،ص4.
– احمد ضياء الدين خليل، “قواعد الإجراءات الجنائية”، ج2 ،مطابع الطوبجي، القاهرة، 1999 ،ص251.

( 7 )

الفصل الأول / مفهوم البراءة
الفصل الثاني / تقييم البراءة
الباب الثاني / ” آثار البراءة “
الفصل الأول / آثار البراءة في التحقيق الابتدائي
الفصل الثاني / آثار البراءة في الإثبات الجنائي.

ً لابد أن أنوه بأن موضوع “البراءة” لم يكن بالبحـث اليسـير، فقـد واجهتنـي منـذ البدايـة العديـد
وأخيرا
مـن الصـعوبات البحثيـة، لعـل أبرزهـا نـدرة مصـادر الموضـوع، بـل وضـعف وعـدم كفايـة المعلومـة فيمـا
ً في الوصول إلى تقسيمات واضحة للأطروحة – فـي الابـواب

توصلنا إليه من مصادر، مما انعكس سلبا
ً الجـانبين أو الفصول أو المباحـث والفـروع علـى حـد سـواء – عـن تشـابك الموضـوع وتشـعبه بـين

فضـلا

النظري والتطبيقي، وفي آثار البراءة بين القانونين العقوبات والإجراءات.

ً يعود إلى التأخير في انجـاز هـذه الدراسـة، ً لم

ومع ذلك فإني لا التمس بذلك عذرا ا قد يكون تقصيرا
ً إنما حسبي في ذلك إني بذلت الدقـة والعمـق

غايـة الجهـد مـا اسـتطعت، بـدافع الحـرص العلمـي، طامحـا

مـن جهـة، وكثافـة المعلومـة والشـمولية مـن جهـة ثانيـة، فـإن أخطـأت، فعسـى أن يشـفع لـي إننـي قـد
ً وخطيــرا ابكها وســعة ً، ولعــل مــن يتأمــل تفصــيل مادتــه وتشــ
ً صــعبا
اســتفتحت علــى نفســي موضــوعا
تخصصها، يجد لـي بعـض العـذر فيمـا وقعـت فيـه مـن تقصـير. ومـا الكمـال إلا الله وحـده، وهـو ولـي كـل
توفيق…

( 8 )

فصل تمهيدي

سنـــد البراءة

( 9 )

فصل تمهيدي
ســــند البـــــراءة

– تمهيد وتقسيم:
“البراءة” في الإنسـان، صـفة وسـلوك، وجـدت مـع وجـود الإنسـان، فهـي مـن الأصـول المسـتقرة فـي
النفس الإنسانية، رغم ذلك تستند في ظهورها واحترامها وتطبيقها لدى الجماعة على الإنسان ذاتـه مـن
جهة، وما يسود في المجتمع من نظم وأعراف وشرائع من جهة أخرى. ولا شك أن ذلك يختلف من زمن
لآخر ومن مكان لآخر، فإذا كانت التشريعات القديمة قد عرفت بعض نتائج مبدأ “البراءة” فـي المحاكمـة
الجنائية؛ فإن الشريعة الإسلامية قد أقرت هذا المبدأ في سنده، ونظمته فـي آثـاره، فطبقتـه فـي قضـائها
الجنائي.
للوقوف على ذلك، نتناول “سند البراءة” في مبحثين وعلى الوجه الآتي:
المبحث الأول / سند البراءة في التاريخ
المبحث الثاني / سند البراءة في الشريعة الإسلامية

المبحث الأول
سند البراءة في التاريخ

إذا ألقينا نظرة على تاريخ التجـريم والعقـاب، نجـد أن الأعمـال التـي وصـفت بالإجراميـة وعقوبتهـا
والوســائل والإجــراءات للوصــول إلــى تلــك العقوبــة، قــد اختلفــت مــع تطــور الفكــر البشــري، والعــادات
الاجتماعية والتقدم العلمي ورقي الإنسان، فلا ريب بأنها مفاهيم متحولة من زمن لآخر ومن مجتمع
لآخر.
ً بــذلك كانــت للبــراءة – بعــدها مــن الأصــول المســتقرة فــي نفــس الإنســان ومــن الأصــول
اتصــالا
ٕ الإجرائية في المحاكمة الجنائية – ن تباينـت قـوة ذلـك السـند مـن

ً علـى مـر التـاريخ القـانوني، وا
سندا

مر حلة إلى أخرى.
لبيان ذلك، نبحث سند البراءة في التاريخ من خلال مطالب خمسة:
المطلب الأول / البراءة في المجتمعات البدائية
المطلب الثاني / البراءة في القانون العراقي القديم
المطلب الثالث / البراءة في القانون المصري القديم
المطلب الرابع / البراءة في القانون اليو ناني القديم

( 10 )

المطلب الخامس/ البراءة في القانون الروماني القديم
المطلب الأول
2 البراءة في اتمعات البدائيةTP17F
(1) P2T

في عهود البشرية الأولى وقبل نشوء الدولة، كانت الحيـاة الاجتماعيـة تقـوم علـى أسـاس الأسـرة
أو العشـيرة، حيـث عاشـت حيـاة بدائيـة بسـيطة أطلـق عليهـا علمـاء الاجتمـاع أسـم المجتمـع البـدائي
ً لحيـاة أفضـل مـن خـلال “قـوة خارقـة”

القديم، في ظل ذلك المجتمع عاش الإنسـان فـي عزلتـه متلمسـا

ً إياهـا آلهـة ذات قـوة خفيـة تمـده العـون

تعلو فوق القوة البدنية وتسمو على القوة الطبيعية، متصورا
P2T) .2 (وتحجب عنه الشرTP18F2
حيث كانت الجريمـة تعنـي مخالفـة أمـر أملتـه إعتقـادات مقدسـة، وكـان ذلـك يسـتغرق المحرمـات
ً، فكانـت كـل عشـيرة تلتـف
ً دينيـا
جميعها في المجتمعـات البدائيـة البسـيطة التـي تأخـذ بالتوتميـة طـرازا

ً أو إنسانا يطلق عليه وصف التوتم
ً أو بنيانا
ً أو مكانا
ً أو نباتا
ً ما يكون حيوانا

حول رمز “مؤله” غالبا
(Totem ،(وتعتقـد العشـيرة بأنهـا مرتبطـة بـه علـى وجـه دينـي معـين، وانهـا تنحـدر مـن سـلالته،
2 ويتعين على أفرادها أداء بعض الطقوس الدينية للتـوتم والامتنـاع عـن الـبعض الآخـر مـن الأفعـالTP19F
(3) .P2T
وانبنى على ذلك أن وراء كل فعل ضار قوة شريرة تدفع الإنسان أو الحيـوان أو الجمـاد للتسـبب فيـه،
2 وأنه من الضروري طردها بالإيذاء أو القتل أو التهشيم حسب الأحوالTP20F
(4) .P2T

وفي مرحلة متطورة – مـن هـذا المجتمـع – كـان رب الأسـرة أو رئـيس العشـيرة يمثـل القـانون بـل
ً
والقضاء، وكان يعتمد في إثبات الجريمة على اليمين سواء من قبل المـدعى أو المـدعى عليـه، نظـرا

يقصـد بالمجتمعات البدائية، تلك المجتمعات التي تعتمد حياتها على جمع قوتها، عن طريـق التقـاط الثمـار والأعشـاب (1(
وقنص الحيوانات أو اصطياد الأسماك، ومرحلة الجمع والقـنص هـي أقـدم مراحـل التطـور البشـري المعروفــة لنـا، ثـم
تحولت إلى المرحلة القبلية بعد ممارسة تلك المجتمعات الزراعة البسيطة أو تربية الحيوانات.
انظــر: محمــود ســلام زنــاتي، “تــاريخ الــنظم الاجتماعيــة والقــانوني”، ج1 ،دار النهضــة العربيــة، القــاهرة، 1967 ،
.13،75ص
محمود السقا، “فلسفة وتاريخ النظم الاجتماعية والقانونية”، دار الفكر العربي، القاهرة، 1975 ،ص12) .2 (
انظر في هذا المعنى: (3 (
احمد محمد خليفة، “مقدمة في دراسة السلوك الإجرامي”، الجزء الأول، دار المعارف، القاهرة، 1962 ،ص12.
إذ كانت فكرة الشيطان أو الروح الشريرة هي اول نظرية تفسيرية للجريمة. (4 (
انظر فـي هـذا المعنـى: عـدنان الـدوري، “أصـول علـم الاجـرام”، الجـزء الأول، منشـورات دار ذات السلاسـل، الكويـت،
.77ص، 1976

( 11 )
لشـدة عقوبـة اليمـين الكاذبـة، أو مـن خـلال التحكـيم الإلهـي المتمثـل بـإجراءات ماسـة بالحريـة مثـل
2 التعذيب والتقاتلTP21F

P2T .إذ كان يسود الاعتقاد بقدرة تلك القوى الغيبية على تحديد المجـرم الحقيقـي، مـن (1(
ذلك على سبيل المثال: تعرض المـتهم لاختبـار الحديـد السـاخن أو المـاء المغلـي بمـا يعـرف بامتحـان
النار. أو معرفة الجاني من خلال اتجاه الدخان المنبعث من المحرقة، أو هو أول من يقترب من قبر
P2T) .2 (المجني ع 2 ليه أو من تطرأ عليه تغيرات عند رؤية جثة القتيلTP2F
كان ذلك داخل العشيرة اما خارجها، كان الفرد يقيم العدالة بنفسه، إذ كانـت الأفعـال الضـارة التـي
ً مـن البطولـة والفخـر، لأنـه عـدوان يخـرج مـن دائـرة التجـريم، وان كـان
ّ نوعـا
تقترف على الغريـب تعـد
يتسبب في ردة فعل مضادة من الجماعة التي بوشر العدوان ضدها، قد تتطور إلى إشعال حـر ب بـين
2 العشيرتين، واما تقوم عشيرة الجاني بتسليمه لهم أو بتقديم عوض ماديTP23F
(3) .P2T

ً فــي علاقاتهــا

عليــه يمكــن القــول ان المجتمعــات البدائيــة التــي لــم تعــرف مــن النظــام شــيئا
الاجتماعية، كان القضاء فيها للأقوى، بحيث إذا تعارضت المصـالح كـان الأقـوى فـي كـل واقعـة علـى
ً
حدة يبيح أو يجرم، فيأمر ويتهم ويحكم وينفذ، من باب القـوي يغلـب الضـعيف والأقـوى يحكـم، فضـلا
عما سادها من معتقدات خرافية ساعدت على إخفاء أية صورة من صور العدالة الإنسانية، ذلك كله
يشير وبدون ادنى شك إلى غياب أي دور لمبدأ البـراءة الأصـلية فـي الإنسـان، بـل علـى العكـس مـن
ً مـن المعوقـات التـي تسـد أمامـه كـل طريـق

ً مـن الظلـم والعـذاب، وكثيـرا

ذلك كان المتهم يعاني صـنوفا
يؤدي إلى براءته.

انظـر فـي هـذا المعنـى: محمـد محمـد مصـباح القاضـي، “حـق الإنسـان فـي محاكمـة عادلـة”، دار النهضـة العربيـة، (1 (
القاهرة، 1996 ،ص41 .
(2) M. J. Essaid, La Presumption dinnocunce, These Dactyl, Paris, 1969, P.9.
مشار اليه لدى: أحمد ادريس احمد، “إفتراض براءة المتهم”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القـاهرة، 1984 ،
ص90.
انظر في هذا المعنى: (3 (
حاتم بكار، “حماية حق المتهم في محاكمة عادلة” منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997 ،ص11 ،12.

( 12 )

المطلب الثاني
البراءة في القانون العراقي القديم

– تمهيد:

ً من خـلال اسـتعراض

يعد القانون العراقي القديم اول سند للبراءة في التاريخ، حيث يظهر ذلك جليا
مظاهر الاهتمام بقرينـة البـراءة فـي العـراق القـديم، والـذي كـان نتيجـة لاهتمـام الدولـة بـالتنظيم القـانوني
والقضائي وبمبادئ العدالة والحرية.
لبيـان ذلـك نتنـاول البـراءة فـي القـانون العراقـي القـديم بشـيء مـن التفصـيل فنظهـر بعـض ملامـح
القضاء الجنائي في العراق القديم في الفـرع الأول، ثـم نبـين مظـاهر الاهتمـام بقرينـة البـراءة فـي العـراق
القديم في الفرع الثاني.

الفرع الأول / ملامح القضاء الجنائي في العراق القديم
تعـد القـوانين العر اقيـة القديمـة مـن أهـم مـا يميـز حضـارة العـراق فيضـعها فـي مقدمـة الحضـارات
الإنسانية الأصيلة، وان تلك القوانين ما هي إلا انعكاس لدرجة الرقي الذي وصـلت اليـه بـلاد مـا بـين
2 النهرين، حيث لم تصل اليه أية أمة من الأمم القديمةTP24F
(1) .P2T

فالقوانين المكتشفة في العراق هي بحق أقدم القوانين المكتشفة في العالم حتى الآن، إضافة إلى
ذلـك فهـي علـى درجـة كبيـرة مـن النضـج والتنظـيم، إذ يؤكـد البـاحثون ان القـانون والعدالـة والحريـة،
ً. حيـث كـان ملـوك العـراق القـديم يتبـاهون
ً وعمليـا
كانت من الأفكار الأساسية في بلاد الرافـدين نظريـا
كـونهم حـراس العـدل والحـق، وان الضـعيف لـم يكـن ينـال الضـيم فـي عهـدهم، وأنهـم لـم يتركـوا للقـوى
P2T) .2 (فرصة الاعتداء على الضعيف واستلاب حقهTP25F2

عامر سليمان، ” جوانب من حضارة العراق القديم – بحث من كتاب “العراق في التاريخ”، دار الحرية للطباعـة، بغـداد، (1 (
.202ص، 1983
فتحـي عبدالرضـا الجـواري، “تطـور القضـاء الجنـائي العراقـي”، منشـورات مركـز البحـوث القانونيـة، وزارة العـدل، بغـداد، (2 (
.20ص، 1986

( 13 )
فقـد ظهـرت عـدة شـرائع فـي العـراق القـديم، يـأتي فـي طليعتهـا “قـانون أورنمـو” و “قـانون لبـت
عشـتار”، و “قـانون أشـنونا”، إلا أن أبرزهـا كـان “قـانون حمـورابي” فهـو القـانون الوحيـد الـذي وصـل
TP26F2الأصلية بصيغته) 1) .P2T
ومــن مجمــل النصــوص التــي تضــمنتها هــذه التشــريعات، يمكــن القــول بأنهــا اهتمــت بــالتنظيم
القضائي، وقد عرفت الدعوى وسيلة لاقتضاء الحق، حيث كان رجال الدين فـي “سـومر” هـم القضـاة،
وكان أي نزاع قبل عرضه عليهم يعـرض علـى محكـم عـام، واجبـه تسـويته بطريقـة وديـة قبـل عرضـه
P2T) .2 (على القضاء، وهذه هي اصل فكرة قاضي الصلحTP27F2
اما في عهد حمورابي فقـد تـم انتـزاع وظيفـة القضـاء مـن الكهنـة وحصـرها فـي القضـاة الـذي يـتم
ً عما كان يتمتع بـه قضـاء الحكـم

تعينهم من قبل حمورابي، لضمان تطبيق قوانينه بشكل فعال، فضلا

ً للمادة الخامسة من شريعة حمورابي – ان يصـدر

من استقلال، فقد كان يتعين على القاضي – طبقا

ٕ لا تعـرض لعقوبـة القضـية التـي ينظرهـا، والطـرد إذا تغيـر حكمـه أو

حكمه بلا خوف وان يصر عليه وا
تلاعب فيه، على ان يتحمل تعـويض المتضـرر مـن انحرافـه بـالحكم. و لا ريـب ان هـذه القاعـدة كـان
P2T) .3 (من شأنها ضمان نزاهة القاضي وحياده TP28F2 ،ِ مما انعكس حتما على عدالة أحكامه
وقد أعار القانون البابلي أهمية كبرى لمبدأ استقرار الأحكام القضائية، فقرر أحكاما صـارمة ضـد
ً آخـر
ً في قضية ويأمر بكتابته في لوح، ثم يصدر في القضـية نفسـها حكمـا

القاضي الذي يصدر قرارا
2 للحكم الأولTP29F
ً
مخالفا) 4) .P2T

دون قانون حمورابي بالخط المسماري وباللغة الأكدية على مسلة مـن حجـر الـدايوريت الاسـود، وضـم مـا يقـرب 282) 1 (
مادة قانونية – وهي محفوظة الآن في متحف اللوفر في باريس. وقد نحت علـى الجـزء العلـوي منهـا، نحـت يمثـل ألـه
الشـمس ( ألـه الحـق والعدالـة ) وهـو يسـلم حمـورابي – الواقـف أمامـه بخشـوع – عصـا الراعـي وخـيط القيـاس ، ممـا
يشير إلى قدسية القوانين ووجوب طاعتها باعتبارها صادرة من أله الحق والعدالة.
انظر في ذلك: عامر سليمان، المرجع السابق، ص204.
انظر في هذا المعنى: (2 (
– فوزي رشيد، “الشرائع العر اقية القديمة”، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1973 ،ص8.
– وكذلك فتحي عبدالرضا الجواري، المرجع السابق، ص23.
انظر في ذلك: (3 (
– محمود السقا، “فلسفة وتاريخ النظم الاجتماعية والقانونية”، دار الفكر العربي، القاهرة، 1975 ،ص114.
انظر في ذلك: (4 (
– هاشم الحافظ، “تاريخ القانون”، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1980 ،ص144.

( 14 )

الفرع الثاني / مظاهر الاهتمام بقرينة البراءة في العراق القديم
كـان لاهتمـام الشـرائع العراقيـة القديمـة بالقضـاء العـادل أثـره البـارز فـي حمايـة حقـوق وحريـات
ً من جوانب عـدة سـواء مـا تعلـق منهـا بالحريـة الشخصـية للمـتهم ام بقواعـد

الأفراد، ويظهر ذلك جليا

ً إلـ بالاعتـداء علـى الحريـة الشخصـية،

ً الإثبات والحكم. فطبقا
ى قـانون لبـت عشـتار لـم يكـن مسـموحا
ً لـذلك كـان يتعـين معاملـة المـتهم علـى هـذا الأسـاس حتـى تثبـت

أيمانا بمبدأ براءة الإنسان، واسـتنادا

ً إلى اعتراف المتهم، كما
ً، وصولا
ً، ومع ذلك فقد كان التعذيب من الوسائط المعتمدة عمليا
إدانته يقينا

ً لمبـدأ البـراءة،

ً كـان ي بحـق مناقضـا

ً مـن الضـغط المعنـوي عليـه، ممـا عـد

جـري تحليفـه اليمـين، نوعـا

ً لشرائع ذلك العصر
P2T) .1 (ومضادا TP30F2 ً للمبادئ المعلنة طبقا
ومع ذلـك فقـد كـان المـتهم يتمتـع بالعديـد مـن الضـمانات منهـا مـا يعـد مـن نتـائج قرينـة البـراءة،
ومنها ما يتفق مع تلك القرينة في حماية حقوق وحريات المتهم. نوجز أبرزها بالآتي:
أ- كانـت المحاكمـات تجـري بصـورة علنيـة، لاسـيما فـي عهـد حمـورابي، إذ كانـت هيئـة القضـاة،
P2T) .2 (حين تنظر دعوى معينة تعقـد جلسـاتها علانيـة أمـام البوابـة العظمـى وفـي سـوق المدينـةTP31F2

ً بالعدالة لدى المتهم والعامة.

ولاشك ان العلانية تولد شعورا
ب- تشير م (17 (من شريعة “لبت عشتار” على عدم جواز إلقاء القبض على أي شخص بسبب
فعـل جرمـي لـم تثبـت علاقتـه بـه بشـكل قطعـي، غيـر إنهـا أجـازت القـبض فـي حالـة التلـبس،
ويرى البعض من خلال هذه المادة إنها تتسق مع القوانين الجنائية الحديثـة، وبـأن واضـعيها
P2T) .3 (قد عرفوا قاعدة “أن المتهم بريء حتى تثبت أدانته”، ومعاملته على هذا الأساسTP32F2
جـ- تبين النصوص التي وردت في هذه الشرائع بأن النظام الاتهامي الفردي، هو المعتمد فيهـا،
حيث يبـاح لكـل فـرد بـأن يتقـدم بشـكواه ضـد الآخـر، والمشـتكي هـو الـذي يتـولى مهمـة جمـع
ٕ الأد قامـة الحجـة علـى صـدق دعـواه، وقـد ثبـت ذلـك بصـورة واضـحة فـي أحـدى الألـواح
لـة وا
المسمارية المكتشفة، حيث نصت إحدى المواد القانونية فيه بـأن عـبء إثبـات الجريمـة يقـع

محمود سلام زناتي، “تاريخ النظم الاجتماعية والقانونية”، مكتبة السيد عبداالله وهبة، القاهرة، 1972 ،ص83) .1 (
(2 (انظر: حسن بشيت خوين، “ضمانات المتهم في الدعوى الجزائية”، الجزء الثاني، مكتبة دار الثقافـة للنشـر والتوزيـع،
ط1 ،الاردن، 1998 ،ص12.
(3 (انظر: فوزي رشيد، المرجع السابق، ص50.

( 15 )

2 على عاتق المشتكي، وأن المتهم تفترض فيه البراءةTP3F

P2T .ومثل ذلك نصـت المـادة الأولـى مـن (4(
ً آخـر وادعـى عليـه بالقتـل، ولـم يقـم البينـة

شريعة حمورابي بأنه “إذا كان رجل قـد أتهـم رجـلا
P2T) .1 (عليه، فسوف يقتل من اتهمه”TP34F2
د- يشير علماء الآثار اهتمام شريعة حمورابي بحق المتهم في محاكمة عادلة، وآية ذلك ما
كشفت عنه الوثائق السومرية التي عثر عليها في العراق، والتي ظهر منها بجـلاء مـدى
ً الاحتـرام التـي كفلتـه تلـك القـوانين لحـق الـدفاع، حيـث احتـوت تلـ لأحـدى
ك الوثـائق قـرارا
المحاكم السومرية حول قضية ( الزوجة المتسترة عن الإخبار عن جريمة قتل زوجها )،
P2T) .2 (إذ تم تبرئة الزوجة بعد ان قام رجلان بالدفاع عنهاTP35F2
هــ- مـن القواعـد العامـة فـي المحاكمـة الجنائيـة فـي القـوانين الحديثـة، تـدوين مـا جـرى فـي
المحاكمة من تحقيق وما صدر مـن أحكـام وقـرارات، لمـا يعكسـه مـن صـورة صـادقة عمـا
دار فـي المحاكمـة، ومـا إذا كانـت الضـمانات المقـررة للمـتهم قـد روعيـت أثناءهـا، لـذلك
ً لمـا تضـمنته قرينـة

تعتبـر تلـك القاعـدة مـن الضـمانات المقـررة لصـالح المـتهم وتأكيـدا
البراءة من ضمانات. وقـد أصـابت الشـرائع العراقيـة القديمـة تلـك القاعـدة أيضـا، إذ جـرت
العادة ان تدون القضايا التي تنظرها المحاكم على ألـواح طينيـة، تحفـظ لـدى موظـف فـي
ً – وكانــت تلــك المحكمــة –

لعلــه يقــوم مقــام كاتــب الضــبط أو المعــاون القضــائي حاليــا

الألــواح، تتضــمن حيثيــات القضــية وشــهادات الشــهود وتــاريخ إصــدار الحكــم، وأســماء
ً عن القرار الذي أصدرته المحكمة بشأن القضية موضوع البحثTP36F2
P2T) .3 (القضاة، فضلا
و- تضـمن قـانون حمـورابي كفالـة حـق الطعـن فـي أحكـام محـاكم الموضـوع مـن خـلال تعـدد
درجات التقاضي، إذ كانـت هنـاك “محـاكم الدرجـة الأولـى”، حيـث يجلـس قضـاتها للقضـاء
منفردين أو مجتمعين، ويصل عددهم في بعض الجلسات إلى أربعة أو ستة قضاة، وفـي
الدرجــة الثانيــة “محــاكم حكــام المقاطعــات”، حيــث كــان يــأمر بانعقادهــا ويترأســها حكــام
المقاطعات وقد شبهها البعض بمحاكم الاستئناف الحالية. وفي الدرجة الثالثـة ” المحـاكم
الملكيـة” وهـي أعلـى درجـات المحـاكم، حيـث كـان الملـك يـدعو قضـاة “بابـل” لتشـكيلها،

(4 (انظر في ذلك: فتحي عبدالرضا الجواري، المرجع السابق، ص25.
انظر: حسن بشيت خوين، “ضمانات المتهم فـي الـدعوى الجزائيـة”، الجـزء الأول، مكتبـة دار الثقافـة للنشـر والتوزيـع، (1(
ط1 ،الاردن، 1998 ،ص14 في الهامش.
9) .2 (انظر: فوزي رشيد، المرجع السابق، ص
26) .3 (فتحي عبدالرضا الجواري، المرجع السابق، ص

( 16 )
وكانت تعقد للنظر في دعاوى إنكار العدالة – أي ما ورد من أخطاء في الأحكام السابقة
ً فقــد كانــت الأحكــام القضــائية عرضــة للإبطــال، إذا ثبــت تحيــز القاضــي أو
– وعمومــا
TP37F2ه جور) 1) .P2T
ً عما ما سبق عرفت الشرائع العراقيـة القديمـة بعـض المبـادئ القانونيـة والتـي يمكـن

ز- فضلا
ان نجـد صـداها فـي القـوانين المعاصـرة، باعتبارهـا تهـدف إلـى حمايـة المـتهم مـن قهـر
صاحب السلطة أو صاحب المال، فقد عرف قانون حمورابي مبدأ عدم جواز التعسف في
استعمال الحق، وفـي وثيقـة أخـرى نجـد ان المحـاكم كانـت ممنوعـة مـن محاكمـة شـخص
دون تبليغه بيـوم المحاكمـة، كمـا تشـير المـواد القانونيـة جميعهـا إلـى ان العقوبـة لا تقـع
علــى الجــاني الا إذا ثبــت بأنــه ارتكــب الجريمــة بتــوافر القصــد الجنــائي، امــا إذا كانــت
P2T) .2 (الجريمة ارتكبت عن غير قصد، فعقوبتها مخففة ان وجدتTP38F2

نخلص من ذلك في شأن الشرائع العراقية القديمة، بأن قرينة البـراءة أو نتائجهـا كانـت حاضـرة فـي
تلك الشرائع، وذلك لحضور الاهتمام بالتنظيم القضائي وبالحق والعدالة، مما انعكس على قواعد حماية
حرية المتهم، وعليه يمكننا القول بأن الشرائع العراقية القديمة تعد أول سند للبراءة في التاريخ.

المطلب الثالث
البـراءة في القانون المصري القديم

أول مـا ينبغـي إقـراره عنـد الكـلام فـي تـاريخ القـانون المصـري القـديم علـى وجـه العمـوم وتـاريخ
الإجراءات الجنائية فيه على وجه الخصوص، هو ان ما وصلت اليه يد الكشـف منهـا قاصـرة عـن ان
تنقل إلينا صورة كاملة لتشريع المصريين في هذا العصر، فالأ وضاع التي وصل اليها العلـم القـانوني
عن هذه الفترة، هي أوضاع استنتاجية يعوزها الكثير مـن الماديـات القاطعـة، ومـع هـذا فـيمكن الجـزم
ً على ما يرتكبه الأفراد

ُ◌ً في بداية عهد قدماء المصريين نظام الانتقام الشخصي جزاء

بأنه كان سائدا

انظر في هذا المعنى: (1 (
– صوفي حسن ابو طالب، “تاريخ النظم القانونية والاجتماعية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988 ،ص239.
– فتحي عبدالرضا الجواري، المرجع السابق، ص24.
207) .2 (عمار سليمان، المرجع السابق، ص

( 17 )

ً للمجني ع
ّ مشروعا
ً له عما أصـابه مـن ضـرر فـي جسـمه ّه حقا

من جرائم، وبعد ليه يلجأ إليه تعويضا

2 لدى المصريينTP39F
ً

P2T) .1 (أو ماله أو اعتباره، وفي هذه المرحلة يمكن القول ان مبدأ البراءة لم يكن معروفا
كما ان بعض الأبحاث الأثرية تؤكد بأن الدعوى الجنائية كانـت تبـدأ بالإخبـار، فيـتم علـى أساسـه
ٕحالته بعد ذلك للمحاكمة، حيث يتم استجوابه امـام

القبض على المتهم بعد التأكد من جدية البلاغ، وا
P2T ،والـذي كـان يعـد بمثابـة الخصـم والحكـم، أي لا (2 (القضـاء لنـزع اعترافـه ولـو بالتعـذيب أمـام القاضـيTP40F2
ّ يوجد فصل بين سلطة الاتهام وسلطة القضاء، و ه
لا يسمح للمـتهم بالـدفاع عنـه بوسـاطة محـام، بعـد

ً يبعد الأذهان عن الحقيقةTP41F2
مخادعا) 3) .P2T

ً قوامه الأخلاق، له سمة دينية زادت من احترام الناس

ومع ذلك فقد كان القانون الفرعوني قانونا
له، والتزام الحكام بمقتضـاه. وقـد كانـت المسـاواة مـن أظهـر الوصـايا الملكيـة إلـى القضـاة. وآيـة ذلـك
وصية “تحتمس الثالث” إلى قضاته حين قـال ( إفعـل كـل شـيء بالمطابقـة للقـانون والحـق، فإنـه ممـا
يغضب الآلهة أن تنحاز لأحد الأطراف، زن تصرفاتك تجاه الجميع بميزان المساواة، عامل مـن تعرفـه
2 كمن لا تعرفه، ومن هو قريب منك كمن هو بعيد عنك…..)TP42F
(4) .P2T

كما كان من وسائل التحقيق المعروفة في ذلك العهد سماع الشهود والمعاينة والخبـرة واسـتجواب
المـتهم بعـد تحليفـه اليمـين، والتو قيـف الـذي قـد يمتـد إلـى حـين إصـدار الحكـم فـي الـدعوى، إلا أن
ً
المحاكمة كانت حضورية، إذ لم يكن من المسموح به، إجـراء المحاكمـة بغيـر حضـور المـتهم، فضـلا
عـن إن جلسـاتها كانـت علنيـة، ويقـوم بتحريـر المحاضـر كتبـة يـدخلون فـي تشـكيل المحكمـة، حيـث
تدون البيانات باختصار شديد، إذا كانت المحكمة غير عاديـة، امـا إذا كانـت المحكمـة عاديـة، تكتـب

انظر في ذلك: (1 (
– احمد سعيد محمد صوان، “قرينة البراءة وأهم نتائجها فـي المجـال الجنـائي دراسـة مقارنـة”، رسـالة دكتـوراه، كليـة
الشريعة والقانون، جامعة الازهر، 1980 ،ص99.
كانت العدالة في مصر الفرعونية، موكولة لقضاة من الكهنة، وقد كان هؤلاء الكهنـة يقومـون باسـتفتاء الإلـه “آمـون” (2(
فـي المسـائل الجنائيـة. فكـان يـؤتى بـالمتهم أمـام تمثالـه، ويسـرد رئـيس الكهنـة الوقـائع أمامـه، ويسـأله عمـا إذا كـان
ً، فيهـز الإلـه رأسـه بـالنفي أو الايجـاب أو يحـرك يـده، ويمسـك بأحـد كتـابين مقـدمين لـه، أولهمـا
ً ام بريئـا
المتهم مـذنبا

ً، إلا
ٕذا أمسـك بالثـاني اعتبـر بريئـا
ً وا
يمثل صحة الاتهام، وثانيهما يمثل الدفاع. فإذا أمسك الأول اعتبـر المـتهم مـذنبا
أن هذه الإجراءات تعد من قبيل السحر والخداع، فقد كان احد الكهنة يختبيء خلف التمثال، ويأتي بهذه الحركات.
انظر في تفصيل ذلك: هلالـي عبـداللاه احمـد، “النظريـة العامـة للاثبـات الجنـائي”، م1 ،دار النهضـة العربيـة، القـاهرة،
بدون تاريخ، ص39.
انظر في ذلك: (3(
عبدالرحيم صدقي، “القانون الجنائي عند الفراعنة”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1986 ،ص88.
15) .4 (انظر: حاتم بكار، المرجع السابق، ص

( 18 )
البيانات بالتفصيل، وتدون الإجراءات جميعها وأقوال الشهود والمتهمين، بل والعبارات التـي تـرد علـى
2 ألسنة أعضاء المحكمةTP43F
(1) .P2T

إلا أن أبرز ما يعد من مظاهر قرينة البراءة فـي هـذا الشـأن، مـا يـراه الـبعض مـن الفقـه الجنـائي
ً للأفراد العاديين – ن كـانوا
ٕ بأن قدماء المصريين، قد عرفوا النظام الاتهامي، إذ كان الاتهام متروكا
وا
قد عرفوا أيضا نظام المدعي العام الذي يباشـر الا تهـام امـام القاضـي كممثـل لـولي الامـر – فقـد ذكـر
ً ولا يثبت ما اتهمه بـه، بالعقـاب نفسـه

المؤرخون ان قدماء المصريين كانوا يعاقبون من يتهم إنسانا
الذي كان سـيوقع علـى المـتهم فيهـا لـو ثبتـت عليـه التهمـة، إذ كـان علـى المـدعى ان يقـدم عريضـة
الاتهام، يوضح فيها الوقائع المسندة إلـى المـتهم وأدلتـه، وهـذا دليـل أكيـد علـى ان الإثبـات كـان يقـع
P2T ،وهو ما يعد من أبرز نتائج تطبيق قرينة البراءة في مجال الإثبات. (2 (على عاتق المدعيTP4F2
ً عن ذلك فقد كان يباح للمتهم الحق في الدفاع، من خلال المذكرات المكتوبة دون المرافعة
فضلا
الشفوية، لأنها – حسب اعتقادهم – تظلـل العدالـة إذا كـان المـتكلم حسـن الصـوت وبـارع فـي طريقـة
TP45F2إلقائه) 3) .P2T
جـدير بالـذكر، أن الو ثـائق التاريخيـة المصـرية أثبتـت وجـود محكمـة عليـا للتعقيـب علـى أحكـام
المحاكم الدنيا التي انتشرت بـالقرى والمـدن، ممـا يـدل علـى ان قـدماء المصـريين عرفـوا نظـام الطعـن
بالأحكام، علاوة على ذلك فقد كان يتعـين علـى القضـاة تسـبيب أحكـامهم كـي يتسـنى للمحكمـة العليـا
P2T) .4 (مراقبتها وتصحيحها إذا اقتضى الأمرTP46F2
ً إلـى مـا تقـدم يمكـن القـول أن الشـرائع المصـرية القديمـة عرفـت قرينـة البـراءة مـن خـلال
اسـتنادا

ً للإجـراءات الجنا
ً مسـيرا

بعض نتائجها دون النتائج الأخرى، إذ تبنت النظام ألاتهامي بعد ئيـة، ّه نظامـا

ً للمتهم.
فقد كان عبء الإثبات يقع على عاتق المدعى، وكان حق الدفاع مكفولا

انظر في ذلك: (1 (المطلب الرابع
– رؤوف عبيد، “القضاء الجنائي عند الفراعنة”، المجلة الجنائية القومية، ع3 ،القاهرة، 1958 ،ص79.
انظر في ذلك: (2(
– احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص101.
سعد حماد القبائلي، “ضمانات حق المـتهم فـي الـدفاع امـام القضـاء الجنـائي”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة، 1998) ،3(
ص46.
202) .4 (انظر في ذلك: صوفي حسن ابو طالب، المرجع السابق، ص

( 19 )

البـراءة في القانون اليوناني القديم

قبل ظهور المدونات القانونية الإصلاحية، كان ينظر إلى الجرائم على انها أفعال تثير حنـق الآلهـة
وغضبهم، فألقى هذا التفكير بظلاله علـى طبيعـة المعاملـة التـي كـان يلقاهـا المـتهم، فكـان القاتـل يقتـل
2 سواء ارتكب الجريمة بصورة عمدية أو عن طريق الخطأTP47F
(1) .P2T

إنما كان بعد ذلك لليونان نصيب وافر في مجال إرساء فلسفة القـانون والفكـر القـانوني، حيـث أدى
ً في الحكم عند “اليونان”، إلى ظهور فلاسـفة تنـادي بمفـاهيم العدالـة

نظام دولة المدينة الذي كان متبعا
والحريـة والحكومـة الدسـتورية والقـوانين، مـن ذلـك مـا قالـه “هيراقليثـوس”: ( إذا كانـت الأسـوار المنيعـة
المرتفعة تحمي المدينة من هجمات الأعداء الخارجية، فإن القانون يرعى النظام الداخلي، وينبغي على
الشعب أن يكافح من أجل الدفاع عن كل منهما)، وقال “أرسـطو”: ( أن مضـمون القـانون ومحتـواه هـو
2 العدالة، وأساس العدل المساواة)TP48F
(2) .P2T

على أثر ذلـك ظهـرت القـوانين التـي تنـادي بتلـك الأفكـار مثـل ( قـانون دراكـون، وقـانون صـولون )
ً عرفت اليونان ديمقراطية حقيقية، حيث كانت السيادة فيها للشعب، وأن الالتزام بالقانون ناتج
وتدريجيا
عـن قبـول المجتمـع لـه – حسـب ارسـطو – ولـيس لأنـه مفـروض مـن سـلطة عليـا، وهـذه هـي فكـرة
P2T) .3 (ديمقراطية القانون كما انها تأكيد لمبدأ سيادة القانونTP49F2
وقد انعكست روح الديمقراطية والرغبة فـي المسـاواة والعدالـة التـي كانـت سـائدة آنـذاك علـى النظـام
ً الإجرائي للمحا للأفـراد كافـة، فكـان

ً مقـررا
كمة الجنائية، حيث اعتبر القانون الإغريقي حـق الاتهـام حقـا

مـن حـق أي فـرد إقامـة الـدعوى العامـة فـي الجـرائم التـي تمـس أمـن المجتمـع وسـلامته، أي انـه أخـذ
بالنظام ألاتهامي.
إلا أن إجراءات المحاكمة كانت تختلف بحسب طبيعة الدعوى، فـإذا كـان موضـوع الـدعوى الجنائيـة
جريمة عامة كان لكل مواطن الحق في مباشرة الاتهام نيابة عن الجماعـة، أمـا إذا كانـت الجريمـة أقـل

139) .1 (صوفي حسن ابو طالب، المرجع السابق، ص
انظر في ذلك: (2(
– حسن علي الذنون، “فلسفة القانون”، مطبعة العاني، بغداد، 1975 ،ص33.
انظر في هذا المعنى: (3(
– عبدالمجيد الحفناوي، “تاريخ النظم الاجتماعية والقانونية”، مؤسسة الثقافة الجامعية، القاهرة، 1972 ،ص359.

( 20 )
خطورة – بأن كان ضررها يصيب في غالبه الفرد أكثـر مـن الجماعـة – أي جريمـة خاصـة، فـإن الحـق
P2T) .1 (في مباشرة الاتهام عنها يصبح مقصورا TP50F2 ً على من أضرت به الجريمة فحسب
رغم ذلك فقد عرفت الدعوى الجنائية في القانون اليوناني الكثير من القواعد والإجـراءات التـي تحـد
مـن سـلطة الاتهـام، فتحمـي مـن خلالهـا حقـوق وحريـات المـتهم. فقـد كانـت الإجـراءات شـفوية وعلنيـة
وحضورية، وحقوق الدفاع مكفولة، حيث يقدم كل طرف أدلته، وله أن يناقش أدلة الطرف الآخـر، كمـا
كان يسمح للمتهم الذي يشعر بالعجز عن إعداد دفاعـه بنفسـه، أن يطلـب الاسـتعانة بأحـد المحتـرفين.
كما عرف القانون اليوناني في أحد عهوده نظام المحلفين، في صـورته البدائيـة، وهـو نظـام يعتبـر فـي
ً لاقتناعــه
نظــر مؤيديــه ضــمانة هامــة للمحاكمــة العادلــة، وكــان القاضــي فــي النهايــة يقضــي وفقــا
P2T .أما المتهم فقد حظي – في ظل هذا القانون – بمعاملـة إنسـانيةTP52F2) 2 (الشخصيTP51F2

P2T ،فلـم يسـمح بالتعـذيب (3(
ً عــن إن المحاكمــة كانــت تجــرى علــى مــرحلتين، حيــث كــان يتحــدد فــي

– إلا بالنســبة للعبيــد – فضــلا
المرحلـة الأولـى، إدانـة المـتهم، بينمـا تخصـص الثانيـة لتقـدير العقوبـة، بحكـم يصـدر بأغلبيـة أعضـاء
ً لهـا، ومـن ثـم يـدور اقتـراع القضـاة
ً معينـا
المحكمة، ولمن باشر الاتهام وكذلك للمـتهم أن يقتـرح تقـديرا
2 حول التقديرين، وليس لهم الحق في اقتراح تقدير وسطTP53F
(4) .P2T

وعلى ذلك يمكن القول أن القانون اليوناني القديم – ونتيجة للديمقراطية التي سادت أثينا آنـذاك –
قـد عـرف قرينـة البـراءة، بـدليل أن عـبء الإثبـات كـان يقـع علـى عـاتق المـدعى، فهـو المكلـف بتقـديم
الأدلـة علـى صـدق اتهامـه، بـل أن القـانون كـان يعاقـب المـدعي فـي حـال فشـله فـي إثبـات دعـواه ضـد
المـتهم، بالإضـافة إلـى شـفوية وعلنيـة الإجـراءات، وطبيعـة معاملـة المـتهم، كلهـا تؤكـد تلـك النتيجـة،
وتتسق مع نتائج تطبيق قرينة البراءة.
انظر في هذا المعنى: (1 (
– غسان جميل الوسواسي، “الادعاء العام”، مركز البحوث القانونية/ وزارة العدل، بغداد، 1988 ،ص11.
انظر في هذا المعنى: (2(
– سعد حماد القبائلي، المرجع السابق، ص47 – 48.
– هلالي عبداللاه أحمد، المرجع السابق، ص42 – 43.

ً عن جريمة الكفر بالإلـه

جدير بالذكر في هذا الخصوص أن “سقراط” فيلسوف اليونان الأول تمت محاكمته جنائيا
ومحاولة افساد الشباب، وذلك من خلال محكمة تشكلت من خمسمائة من المحلفين، اختيروا بالقرعـة معظمهـم جاهـل
غير متعلم، رفض خلالها سقراط أن يدافع عنه المحـامي (لوسـياس) الـذي تقـدم للـدفاع عنـه. فـي النهايـة صـدر حكـم

ً، ورفضه 220 آخرين، كان ذلك في عام 399 ق.م.

بالاعدام بموافقة 280 عضوا
انظر في تفصيل ذلك: فايز فرح، “عباقرة هزموا اليأس”، دار الثقافة، القاهرة، 1988 ،ص15-18.
ً لذلك الزمن، إذ لم يكن للعبيد أي اعتبارات إنسانية. (3(
وفقا
انظر في ذلك: عبدالستار الكبيسي، “ضمانات المتهم قبل واثناء المحاكمة”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة (4(
القاهرة، 1981 ،ص30.

( 21 )

المطلب الخامس
البراءة في القانون الروماني القديم
ً يمتد تاريخه لق مـن تأسـيس رومـا سـنة
ً طويلا
ً قانونيا

رون عدة، بدء 754ق.م، ً خلف الرومان تراثا
P2T .إلا أن قـانون “الألـواح ألاثنـي عشـرة” يعـد نقطـة (1 (وينتهـي بوفـاة الإمبراطـور جوسـتنيان سـنة 565 2مTP54F
– ً
ً البداية نحو المساواة والحرية بين الأشراف والعامـة، حيـث كـان المـتهم أمـام المحكمـة طليقـا
احترامـا
ً لـه فـي الـدفاع عـن

لقرينة البراءة – رغبة في الحفاظ علـى التـوازن بينـه وبـين المجنـي عليـه، وتمكينـا
نفسه، ومن ثم فلم يكن من المسموح به إتمام محاكمته تحت وطأة الحبس الاحتياطي (التوقيـف) مـالم

ً بالجريمة، أو كان قد أعترف بارتكابهاTP5F2
P2T) .2 (يكن قد تم ضبطه متلبسا
ومـن الثابـت أن الرومـان قـد عرفـوا نظـام الاتهـام الفـردي وأقـروه، طيلـة المراحـل المختلفـة للدولـة
P2T وبأن القاعدة الأساسية المتفق عليها في مختلف قوانينهـا، مفادهـا (3 (الر ومانية – بصورة أو بأخرى 2-TP56F
ً بالحريـة
ً يقع عليه عبء إثبات ما يدعيه. إذ كان مجرد توجيه الاتهـام يمثـل مساسـا

أن من يدعي أمرا
ً الفرديـة، ويلـزم ممثـل الا بهـذا النظـام، كانـت ضـمانات

تهـام بتقـديم الـدليل علـى صـحة دعـواه، وارتباطـا

الحرية الفردية هي السمة السائدة في إجراءات المحاكمة الجنائية، بل ان المدعى كـان عرضـة للعقـاب
ً على
بالكي إذا ما تبين للقاضي انه قد قصد بالاتهام الكيد والتشهير بالمتهم، وأن الاتهام لم يكن قائما
أدلة. وعلى ذلك يمكن القول أن الرومان قد عرفوا القاعدة الأساسية التي تفرض على الاتهام أن يثبت

بدأت الدولة الرومانية بالملكية عام 754 ق.م، تلتها الجمهورية عـام 509 ق.م، بعـدها صـارت إمبراطوريـة منـذ عـام (1 (
27 ق.م، وقد انقسمت الإمبراطورية على نفسها منذ عام 395م فسقط الجزء الغربي منها بيـد القبائـل الجرمانيـة عـام
447م، وبقيت الإمبراطوريـة الشـرقية – ويعرفهـا الـبعض بالإمبراطوريـة البيزنطيـة نسـبة إلـى بيزنطـة – والتـي انتهـت
بموت جوستنيان عام 565م. انظر في ذلك:
– عبدالوهاب الكيالي، “موسوعة السياسة”، ط1 ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979 ،ص293.
– عبدالعزيز فهمي، “مدونة جوستنيان في الفقه الروماني”، دار الكاتب المصري، ط1 ،القاهرة، 1946 ،ص11.
انظر في ذلك: (2(
– حسـن صـادق المرصـفاوي، “الحـبس الاحتيـاطي وضـمان حريـة الفـرد فـي التشـريع المصـري”، دار النشـر للجامعـات
المصرية، القاهرة، 1954 ،ص12.
– حاتم بكار، المرجع السابق، ص19.
إذ كان المبدأ الغالب في العصرين الملكي والجمهوري هو الاقتناع الذاتي للقاضي، وفي عصر الإمبراطورية ساد نظام (3(
الأدلة القانونية، حيث فرضت القيود من أجل حماية البراءة ضد تحكم والي المدينة ومسـاعديه الـذين اصـبحوا القضـاة
الرئيسيين للأمو ر الجنائية.
انظر في هذا المعنى: هلالي عبداللاه أحمد، المرجع السابق، ص46-49.

( 22 )
التهمة في مواجهة المتهم، وانه ليس على المتهم اثبات براءته، وهذا جوهر مـا يقتضـيه مبـدأ البـراءة،
2 في الأقل في شقه المتعلق بعبء الإثباتTP57F
(1) .P2T

ً عــن ذلــك، يشــير الفقــه الجنــائي إلــى تــوافر العديــد مــن ضــمانات المــتهم فــي التشــريعات
فضــلا

ً
الرومانية، مما يتفق مع غايـات مبـدأ البـراءة، لعـل أبرزهـا كفالـة حـق الـدفاع بالنسـبة للمتهمـين جميعـا
سواء بأنفسهم أو بوساطة الغير – حتى أن المحامي في عهـد جوسـتنيان كـان لا يمـارس المحامـاة إلا
ً إذا حصل على قسط كبير من الثقافة القانون علـى الإنجيـل بأنـه

يـة، ولا يباشـر عملـه حتـى يقسـم يمينـا

2 يراعى العدالة ويؤدي واجبه بكل أمانةTP58F
(2) .P2T

كما أن المحاكمة كانت تتم باجراءات شفوية علنية، يلتزم فيهـا القاضـي بحـدود الـدعوى، فـلا يحـق
لــه مقاضــاة المــتهم عــن غيــر التهمــة التــي أحيــل بهــا، ولــذلك أعطــى القــانون الرومــاني ( فــي عهــد
جوستنيان ) الحق للمتهم الذي يتضرر من حكم يصدره أحد القضاة – نتيجة المحاباة أو التحيـز – أن
يقدم شكوى ضد القاضي، فإذا ما تبين صحة دعواه يحكم لـه بتعـويض مناسـب يلتـزم بدفعـه القاضـي (
59F 2TP(عليه المدعى) 3) .P2T
ً عن ذلك فقد عـرف القـانون الرومـاني بعـض أوجـه الطعـن فـي الاحكـام، بعـدة طرائـق، أبرزهـا
فضلا
طريق التظلم الذي يقدمـه المـتهم المـدان إلـى مجلـس الشـعب، أو عـن طريـق الطعـن بالاسـتئناف الـذي
P2T) .4 (عرف في العهد الإمبراطوريTP60F2
وفي ظل ما سبق يمكن الإقرار بأن القانون الروماني قد أخذ بالمبدأ الأساسي في الدعوى الجنائية

ً إلى ان تثبت ادانته، ذلك ما يقرره كثير من الفقه الجنائيTP61F2
P2T) ،5 (الذي يعد المتهم بريئا
انظر في هذا معنى: (1 (
– محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية في القانون المقارن”، ج1) ،النظرية العامـة)، مطبعـة جامعـة
القاهرة، القاهرة، 1977 ،ص56.
– غسان جميل الوسواسي، المرجع السابق، ص12.
– عبدالعزيز فهمي، المرجع السابق، ص370.
48) .2 (سعد حماد القبائلي، “ضمانات حق المتهم في الدفاع أمام القضاء الجنائي”، المرجع السابق، ص
12) .3 (انظر في ذلك: عبدالعزيز فهمي،مدونة جوستنيان، المرجع السابق، ص
انظر في تفاصيل ذلك: (4(
– أدوار غالي الذهبي، “إعادة النظر في الاحكام الجنائية”، عالم الكتب، ط1 ،القاهرة، 1970 ،ص9-12.
انظر في هذا الرأي: (5 (
– احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977 ،ص118.
– محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص56.
– محمد محمد مصباح، “حق الإنسان في محاكمة عادلة”، المرجع السابق، ص41.
– سعد حماد القبائلي، “ضمانات حق المتهم في الدفاع أمام القضاء الجنائي”، المرجع السابق، ص48 .

( 23 )
ويعززه ما ورد في مدونة جوستنيان من مبادئ، وفيما يأتي نشير إلى نص بعض منها:
( البينة علـى مـن ادعـى، فـي المـواد الجنائيـة يجـب التأويـل بـالأرحم، المنكـر لا يطلـب منـه الـدليل،
ً، إذا عجـز المـدعى عـن البينـة برئـت سـاحة المـدعى عليـه، الـدفاع عـن

الأصل عدم اعتبار أحـد مسـيئا
المتهم مباح).
لا جـدال فـي أن القاعـدة التـي تقـرر أنـه فـي المـواد الجنائيـة يجـب التأويـل بـالأرحم تعنـي أن الشـك
يفسر لمصلحة المتهم، والقاعـدة التـي تقـرر ان المنكـر لا يطلـب منـه الـدليل تعنـي أن المـتهم لا يطلـب
ً، تعنـي أن عـبء الإثبـات يقـع

منه إثبات براءته، والقاعدة التي تقرر أن الأصل عدم اعتبار أحد مسـيئا
على عاتق الاتهام، ومن ثم لا ريب بأن تلك القواعد تقطع بأن القانون الرومـاني عـرف قرينـة البـراءة،
2 كما طبق نتائجها في المحاكمة الجنائيةTP62F
(1) .P2T

انظر في ذلك: (1 (
– عبدالعزيز فهمي، “مدونة جوستنيان”، المرجع السابق، ص365 – 395.
– احمد ادريس احمد، “افتراض براءة المتهم”، المرجع السابق، ص101-102.

( 24 )

المبحث الثاني
سند البـراءة في الشريعة الإسلامية

– تمهيد وتقسيم:
ان دراسة “البراءة” في الشريعة الإسـلامية، تظهـر مـدى النضـج القـانوني الـذي وصـل اليـه الفقهـاء
المسـلمون فـي عصـور متقدمـة، كانـت المجتمعـات الأخـرى تتخـبط فـي تجـارب مريـرة، دفـع افرادهـا مـن


ً غاليا
حياتهم وحرياتهم وكرامتهم ثمنا
غير أنه يثور التساؤل حول سند البراءة في الشريعة الإسلامية، وما هو الأساس الذي استند اليه
الفقه الإسلامي في تطبيق البراءة في المجال الجنائي؟ إذ تجد “البراءة” سندها في عدة قواعـد شـرعية،
إلا أن معظم فقهاء الشريعة الإسلامية أقروا بأن البراءة تستند فـي تطبيقهـا إلـى قاعـدتي “الاستصـحاب
والإباحة الأصلية”.
بنـاء علـى مـا تقـدم نتنـاول قاعـدة الاستصـحاب فـي المطلـب الثـاني وقاعـدة الإباحـة فـي المطلـب
ً لسند البراءة.

الثالث، ويسبقهما أساس البراءة في الشريعة الإسلامية في المطلب الأول بعده تمهيدا

المطلب الأول

أساس البراءة في الشريعة الإسلامية

أرســت الشــريعة الإســلامية الغــراء مبــادئ العدالــة الحقــة، فتشــددت فــي احتــرام حقــوق الإنســان
الأساسية والحفـاظ عليهـا، كمـا تشـددت فـي إثبـات الجـرائم قبـل كـل مـن يوضـع موضـع الاتهـام، حتـى لا
يدان برئ أو ينكل بمظلوم.
لذلك فقـد أحاطـت المـتهم بالعديـد مـن الضـمانات الأساسـية الجنائيـة، فكانـت “البـراءة” مـن المبـادئ
ٕحدى أبرز الوسائل الكثيرة المتظـافرة فـي سـبيل تحقيـق العدالـة للمـتهم.

الهامة في الشريعة الإسلامية وا

ً إلى ان الحالـة

إذ يؤسس مبدأ “الأصل في المتهم البراءة” على الفطرة التي جبل الإنسان عليها، استنادا
الطبيعية التي وجد عليها الإنسان أنه لا يجرم، وأن الجريمة امر شاذ وطارئ في حياتـه، ومـن هنـا فـإن
منطـق الأمـور يقودنـا إلـى القـول بـأن الأصـل فـي الإنسـان الخيـر والفضـيلة، امـا الشـر والرذيلـة فهمـا

( 25 )

2 استثناء من هذا الأصلTP63F
(1) .P2T

ً
ومن ثم فإن الفقه الإسلامي يعزو تأسـيس “البـراءة” إلـى الفطـرة الإنسـانية، وبـأن المـرء يولـد خاليـا
من كل خطيئة ومسؤولية، استنادا – عز وجل – (( فطرة االله التـي فطـر النـاس عليهـا، ً إلى قوله تعالى
2TP لا تبديل لخلق االله )) 64F

P2T نـه تعـالى فطـرهم علـى الإيمـان بـه، ومـا يتعلـق بـه بعـد (1(

ٕ
، والفطرة هي الخلقـه، وا

ذلك إنما يطرأ لأسباب عارضة على تلك الفطـرة، وفـي ذلـك قـال رسـول االله (  )) 🙁 مـا مـن مولـود إلا
يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصر انه، كمـا تنـتج البهيمـة بهيمـة جمعـاء، هـل تحسـون فيهـا مـن
P2T ،أي أن االله سـبحانه وتعـالى خلـق قلـوب بنـي آدم مؤهلـة لقبـول الحـق، كمـا خلـق أعيـنهم (2 (جدعاء ))2TP 65F
وأسـماعهم قابلـة للمرئيـات والمسـموعات، فمـا دامـت باقيـة علـى ذلـك القبـول وعلـى تلـك الأهليـة أدركـت
الحق والمسار الصحيح، ودل على ذلك قـول الرسـول فـي الحـديث الأخيـر، حيـث قصـد بـأن البهيمـة تلـد
ً مـن العيـوب،
ً بريئـا
ً من الآفات، فلـو تـرك علـى اصـل تلـك الخلقـة لبقـى كـاملا

ولدها كامل الخلقة، سليما
P2T) .3 (وكذلك الإنسان وهو تشبيه واقع ووجهه صحيحTP6F2
ولذلك قيل إذا مات الأطفال فهم فـي الجنـة، وفـي ذلـك حـديث للرسـول عليـه السـلام، فبعـدما عاتـب
بعـض المسـلمين لقـتلهم أبنـاء المشـركين فـي احـدى الغـزوات ( فقـالوا لـه: يـا رسـول االله أمـا هـم أبنـاء
المشركين؟ فقال: لا إنما خياركم ابناء المشركين، ثم قال: لا تقتلـوا ذريـة، لا تقتلـوا ذريـة، إن كـل نسـمة
2 تولد على الفطرة حتـى يعـرب عنهـا لسـانها، فأبواهـا يهودانهـا أو ينصـرانها )TP67F

P2T ،وفـي حـديث آخـر سـئل (4(
الرسول (  ( عن أولاد المشركين فقال: (( لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا مـن ملـوك الجنـة،
P2T) .5 (ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها، فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة )TP68F2
يدل ذلك كله بـأن الإنسـان مخلـوق علـى الفطـرة، وفطـرة الإنسـان هـي البـراءة فـي السـلوك والالتـزام
بالنظام، هـذه البـراءة تبقـى مـا بقـي الإنسـان علـى فطـرة االله التـي خلقهـا بـه، وان كـان الواقـع يؤكـد بـأن
ٕن
الإنسان لا بد وان يتعرض لعوامل داخلية أو خارجية قد تغير من مساره البريء، وقد لا يحدث ذلك، وا
نــايف بــن محمــد الســلطان، “حقــوق المــتهم فــي نظــام الإجــراءات الجزائيــة الســعودي”، دار الثقافــة، الاردن، 2005) ،1 (
ص33.
(1 (سورة الروم، الآية ( 30.(

ً عن، الحافظ عماد الدين بن كثير، مختصر تفسير ابـن كثيـر،

(2 (أخرجه البخاري عن أبي هريرة ورواه أيضا مسلم، نقلا
م3 ،دار القرآن الكريم، بيروت، 1399هـ، ص54.
(3 (يوسف قاسم، “البراءة الأصلية – اساسها الشرعي وتطبيقاتها العملية في الدراسات الشرعية والقانونية”، مجلة الامن
والقانون، دبي س7 ،ع2 ،يوليو 1999 ،ص14.
(4 (أخرجه الإمام أحمد في مسنده والنسائي في كتاب السير، مشار اليه في مختصر تفسير ابن كثيـر، المرجـع السـابق،
ص54.
(5 (مشار اليه لدى: يوسف قاسم، البراءة الأصلية، المرجع السابق، ص14.

( 26 )
كنا لا نجز م بحدوث هذا أو ذاك، فإننا نجزم بأن البـراءة أصـل غالـب وراجـح فـي الإنسـان، ونتيجـة لـذلك
الأصـل وهـذا الأسـاس فـإن فقهـاء الشـريعة الإسـلامية يطلقـون علـى طـرف الخصـومة الجنائيـة المقابلـة
للمدعي والذي ترفع عليه الدعوى، لفظ “المدعى عليه”، وهو من يدفع إدعاء المدعى عن نفسه أو مـن
P2T) .1 (يخبر عما في يد نفسه لنفسه2TP 69F
2 فالفقه الجنائي الإسلامي يعد “البراءة الأصلية”TP70F

P2T من الأصول الثابتة في الإنسان، وقد انعكس ذلك (2(
على مختلف النظام الإجرائي في الشريعة الإسـلامية، لـذلك يعـرف بعـض الفقـه “المـدعي” بأنـه مـن كـان
قوله على خلاف أصل أو عرف، اما المدعى عليه ( المتهم ) فهو من كـان قولـه وفـق أصـل أو عـرف.
أي أن الأصل وهو استصحاب الحال والعرف وهو العادة يقضيان ببراءة ذمة الأشـخاص وخلوهـا مـن أي
ً علـى آخـر فهـو مـدع،

التزامات تجاه الآخرين، فإذا أتى شخص بما يخالف الأصل أو العادة وادعى حقـا
P2T) .3 (ومن توجهت عليه الدعوى فهو مدعى عليه، لأن براءة ذمته موافقة للأصل والعرفTP71F2
ورأي آخـر يتفـق أيضـا مـع البـراءة الأصـلية، إذ يعـرف المـدعى بأنـه هـو مـن يخـالف قولـه الظـاهر
والمـدعى عليـه هـو مـن يوافـق قولـه الظـاهر، بمعنـى أن المـدعي يخـالف قولـه الظـاهر مـن بـراءة ذمـة
ً، والمـدعى عليـه يوافـق قولـه الظـاهر مـن

المدعى عليـه، لأن الظـاهر هنـا هـو بـراءة ذمـة النـاس جميعـا

ً فـي
ً أو مـالا
ً سـواء كـان دمـا

براءة ذمته، كما هي القاعدة العامـة للنـاس كافـة، فـإذا ادعـى المـدعي حقـا

ً خـلاف الظـاهر 2 مـن البـراءة الأصـلية للمـدعى عليـهTP72F
ً باطنـا
ً خفيـا

P2T) .4 (ذمة المدعى عليه، فانه يـدعي شـيئا
2 لذلك عرف البعض المدعى بأنه من يريد إثبات أمر خفي يريد به إزالة أمر جليTP73F
(5) .P2T

(1 (عــلاء الــدين مســعود الكاســاني، “بــدائع الصــنائع فــي ترتيــب الشــرائع”، ج6 ،دار الكتــاب العربــي، بيــروت، 1982 ،
ص224.
(2 (يعبر فقهاء الشريعة الإسلامية عن مبدأ “الأصل في الإنسان البراءة” بمصطلح “البراءة الأصلية”.
(3 (انظر في ذلك:
– منصور بن يـونس بـن ادريـس البهـوتي، “كشـاف القنـاع عـن مـتن الاقنـاع”، ج6 ،دار الفكـر، بيـروت، 1402هــ،
ص384.
(4 (انظر في هذا المعنى:
احمد بن حجر العسقلاني، “فتح الباري بشرح صحيح البخاري”، ج5 ،دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، ص209.
(5 (احمد سعيد صوان، افتراض براءة المتهم، المرجع السابق، ص548.

( 27 )

المطلب الثاني
قاعدة ” استصحاب الحال “

ً فقـد
الاستصحاب كلمة ترجع في اصل معناها اللغوي إلى الصحبة والملازمة، وكل شيء لازم شـيئا
ً لـي، ومـن هنـا قيـل: استصـحاب

استصـحبه، فيقـال استصـحبت الكتـاب فـي سـفري، أي جعلتـه مصـاحبا
TP74F الحال أي
ً
P2T) .1 (التمسك بما كان ثابتا2
والاستصـحاب فـي اصـطلاح العلمـاء لا يخـرج فـي الجملـة عـن هـذا المعنـى، فهـو عبـارة عـن إبقـاء
الحال على ما كـان عليـه حتـى يقـوم الـدليل علـى خلافـه، ويعرفـه ابـن قـيم بأنـه اسـتدامة إثبـات مـا كـان
ً – حتـى يقـوم دليـل علـى تغييـر
ً أو إثباتـا
ً، أي بقـاء الحكـم القـائم – نفيـا

ً، أو نفـي مـا كـان منفيـا
ثابتـا
TP75Fالحالة 2
(2) .P2T
ومعناه ان ما ثبت في الزمن الماضي، فالأصـل بقـاؤه فـي الـزمن المسـتقبل، مـا لـم يوجـد مـا يغيـره،
فيقال الحكم الفلاني قد كـان فيمـا مضـى، وكلمـا كـان فيمـا مضـى ولـم يظـن عدمـه فهـو مظنـون البقـاء،
فهو – أي الاستصحاب – بقاء كل شيء علـى مـا كـان حتـى يثبـت خلافـه، ولـذلك نقـول لمـن ادعـى ان
ً من كل ذلك، فهو على السلامة حتى يصح الدليل علـى مـا

ً قد حل دمه بردة أو زنى: عهدناه بريئا
فلانا

ً الحـي
ً الفاسـق قـد تعـدل، أو ان فلانـا

ً العدل قد فسـق،وان فلانـا

تدعيه. وكذلك نقول لمن ادعى أن فلانا
قد مات، وهكذا كل شيء، إننا على ما كنا عليه حتى يثبت خلافـه، ومثـل ذلـك المشـروبات المسـكره، إذ
قرر الشارع الحكيم انها محرمة الا إذا تبدلت صـفتها بـزوال صـفة الاسـكار، كـأن يتحـول الخمـر – وهـي
P2T) .3 (حرام – إلى خل، أو يتحول عصير العنب – وهو حلال – إلى خمرTP76F2

ً
ومن ناحية أخرى، فإن كل ما علم عدمه، وحصل الشك في وجوده؛ فإنـه يحكـم بعدمـه؛ استصـحابا
ً علـى إنـه سـليم مـن

لـذلك العـدم السـابق، حتـى يقـوم الـدليل علـى وجـوده، ومثـال ذلـك مـن اشـترى شـيئا
العيوب، ثم ادعى وجود عيب في المبيع، واراد رده بهذا العيب، واختلف مع البائع في وجود العيب عنـد

(1 (محمد ابي بكر عبدالقادر الرازي، “مختار الصحاح”، المركز العربي للثقافة والعلوم، بيروت، بدون تاريخ، ص226.
(2 (شمس الدين محمد بـن ابـي بكـر ( ابـن قـيم الجوزيـة )، “أعـلام المـوقعين عـن رب العـالمين”، ج1 ،مطبعـة السـعادة،
القاهرة، 1389هـ، ص339.
(3 (الحافظ ابو محمد علـي بـن حـزم الاندلسـي الظـاهري، “الأحكـام فـي أصـول الإحكـام”، ج5 ،مطبعـة الخـانجي، القـاهرة،
1347هـ، ص3.

( 28 )
البـائع أو حدوثـه عنـد المشـتري، فـالعبرة بمـا يقـول بـه البـائع النـافي للعيـب، لأن الأصـل سـلامة العـين
2 المبيعة من العيوب، حتى يثبت المشتري دعواه بالبينةTP7F
(1) .P2T

والاستصـحاب هـو احـد الأدلـة التـي يلجـأ اليهـا المجتهـد لبيـان حكـم الشـرع فـي مسـألة لـم يـرد فـي
شـأنها نـص يـدل علـى الإباحـة أو التحـريم، إذ ان مصـادر الأحكـام الشـرعية – كمـا هـو معلـوم – هـي
الكتــاب والســنة ثــم الإجمــاع والقيــاس، هــذه المصــادر الأربعــة الأساســية المتفــق عليهــا عنــد جمهــور
الفقهـاء. وهـي التـي نصـت عليهـا الآيـة الكريمـة، بقولـه عـز وجـل: (( يـا أيهـا الـذي آمنـوا أطيعـوا االله
وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى االله والرسول إن كنـتم تؤمنـون بـاالله
P2T .فإن سئل الفقيه عن حادثة فإنه يطلب حكمها في الكتـاب، (2 (واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا ))2TP 78F
ثم في السـنة، ثـم فـي الإجمـاع، ثـم فـي القيـاس. فـإن لـم يجـده، أخـذ حكمهـا مـن استصـحاب الحـال فـي
ً بدليلـه، ثـم طـرأ التـردد فـي زوالـه، فـإن المجتهـد يستصـحب

النفي والإثبات، فإن كان الحكم السابق ثابتا
ً الأصل، للحـال، وان كـان العكـس، أي ان الحكـم لـم يكـن
وهو بقاء الحكم السابق، فيعمـل بـه استصـحابا
ً. ثـم طـرأ التـردد فـي ثبوتـه، فيعمـل بالأصـل وهـو استصـحاب عـدم الثبـوت، ذلـك ان الاستصـحاب لا
ثابتـا

ً جديدا TP79F2 ً كغيره من الأدلة، ولكنه يفيد استدامة الحكم السابق الثابت بدليله
P2T) .3 (ينشيء حكما
ولاستصحاب الحال أنواع مختلفة، وينبني على اساسها كثير من العبادات والمعاملات فـي المسـائل
المدنية والتجارية والجنائية، إلا أن ما يعنينـا هـو تطبيقـه فـي مجـال الإجـراءات الجنائيـة، إذ يؤكـد الفقـه
الإسلامي ان استصـحاب “البـراءة الأصـلية” يقـوم مـن خـلال الاستصـحاب بحكـم العقـل ( وهـو أحـد أنـواع
80F 2TP( الاستصحاب) 4) .P2T

(1 (يوسف قاسم، “البراءة الاصلية”، المرجع السابق، ص16.
(2 (سورة النساء، الآية رقم (59(
(3 (انظـر فـي ذلـك: البـراءة الأصـلية ودائـرة الحـلال والحـرام، كتـاب نحـو فقـه جديـد، والمنشـور علـى الموقـع الإسـلامي
((اسلامك كول)) على الانترنت: org.islamiccall.www//: http
– وكذلك بنفس المعنى: يوسف قاسم، البراءة الأصلية، المرجع السابق، ص20-21.
(4 (إذ اختلف الفقهاء في أنواع الاستصحاب والعمل بها، منها ( استصـحاب العمـوم حتـى يـرد مـا يـدل علـى الخصـوص،
واستصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، واستصحاب الاجماع في محل الخـلاف، استصـحاب الإباحـة الأصـلية،
واستصحاب البراءة الأصلية). إلا أن استصـحاب البـراءة الأصـلية متفـق علـى العمـل بـه بـين الفقهـاء ولا يوجـد بشـأنه
ً انه لا يوجد دليل يناقض هذه البراءة أو يدل على ما يخالفها.

خلاف وبرهانه: العلم بعدم الدليل، إذ علمنا يقينا
انظـر فــي أنـواع الاستصــحاب: ابـو حامـد محمــد الغزالـي، “المستصـفي مـن علــم الأصـول”، ج1 ،المطبعـة الاميريــة،
القاهرة، 1322هـ، ص218.
وكذلك: يوسف قاسم، البراءة الأصلية، المرجع السابق، ص16-19.

( 29 )
حيث خلق االله سبحانه وتعالى عباده على هذه البراءة الأصلية، وان ذمة العبد بريئـة عـن التكليـف
بالواجب، أو الانتهاء عـن المحرمـات قبـل بعثـة الرسـل ببيـان تلـك التكـاليف، لـذا نستصـحب تلـك البـراءة
حتـى يـرد التكليـف الشـرعي، ومـن ثـم فالإنسـان حـر فـي أفعالـه وتصـرفاته حيـث لا يوجـد فـي الشـرع مـا
يعـارض أو ينـاقض هـذا السـلوك، فالإنسـان المـؤمن غيـر مقيـد إلا بمـا أنـزل االله سـبحانه مـن تكـاليف
شـرعية، وكـل مـا هـو خـارج إطـار هـذه التكـاليف يصـح القـول بـأن الإنسـان فـي دائـرة البـراءة الأصـلية،
وبعبارة أخرى فإن كل إيجاب أو تحريم مجهول لم يقم عليه دليل فلا أثر له على سلوك الإنسان، وليس
ً بالاحتياط من ناحيته والتقيد به، اسـتنادا إلـى أصـالة البـراءة فـي الإنسـان والتـي تعـد مـن

الإنسان ملزما
2 الأصول العملية في الفقه الإسلاميTP81F
(1) .P2T

ومـن امثلـة البـراءة الأصـلية التـي تقـوم علـى الاستصـحاب بحكـم العقـل، الحكـم ببـراءة الذمـة مـن
التكاليف والحقوق حتى يقوم الـدليل علـى شـغل الذمـة بهـا، فـإذا أوجـب الـنص الشـرعي خمـس صـلوات،
فالسادسة – وان لم يرد النص بنفيها – غير واجبة وذلك بمقتضى البراءة الأصلية، ومثـل ذلـك الصـغير
الذي لم يبلغ تكون ذمته بريئة حتى يثبت البلوغ، وكذلك براءة ذمة الإنسان من الحقوق، وبراءة جسـده
P2T) .2 (من القصاص والحدود والتعزيراتTP82F2
وعند تطبيق استصحاب البراءة الأصلية في مجـال الإجـراءات الجنائيـة، يقودنـا إلـى النتيجـة ذاتهـا،
وهـي انـه مـا دامـت البـراءة ثابتـة، فإنهـا تظـل كـذلك إلـى ان يثبـت مـا ينفيهـا، وهـي لا تنتفـي إلا بـالحكم
ً القضائي البات، وعلى ذلك فهو اصل مستصحب ومسـتمر، فـإذا مـا ادعـى شـ قتـل أخـاه،

خص بـأن زيـدا
ً للحكم الأصلي وهو براءة

ولم يكن عنده أي دليل يثبت صحة دعواه، حكم القاضي ببراءة زيد استصحابا
الإنسان عن كل ما ينسب اليه حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك.

(1 (انظر في تفصيل ذلك:
الأصول العملية، بحوث علم الأصول، والمنشورة على الموقع الإسلامي ( أنباء ) على الانترنت:

http//: annba.net/data/books

(2 (انظر بهذا المعنى:
محمد سليم العوا، “أصول النظام الجنائي الإسلامي”، دار المعارف، القاهرة، 1979 ،ص191.

( 30 )

المطلب الثالث
قاعدة ” الإباحة الأصلية “

يعيش الأفراد في كل مجتمع على وفق قواعـد ومبـادئ سـلوكية محـددة، فكـان مـن الطبيعـي أن يعلـم
ً ما هو محظور عليه من الأعمال والتصرفات، حتى يكون على بينة من ان ما عداه مباح

كل فرد مقدما
له على أساس قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”.
وا ان أنهـا سـبقت ٕذا كانت التشريعات الوضعية تزخر بمجموعة مـن القواعـد والأسـس الجنائيـة بحسـب
ً عـرف هـذه المبـادئ فـي أوضـاعها المثلـى، ومـن هـذه المبـادئ

اليها، فإن الإسلام منذ أربعـة عشـر قرنـا
مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص مقرر في الشريعة الإسلامية، والذي يسـتند إلـى مـا يعـرف فـي الفقـه
الإسلامي “بالإباحة الأصلية”.

ً، ما لم يرد بتجريمـه نـص صـريح، ولـذا فـلا

ويقصد بالإباحة الأصلية أن كل فعل أو ترك مباح أصلا
مسؤولية على فاعله أو تاركه، وبعبارة أخرى لا يسأل الإنسان عن فعل أقدم عليه وهو لم يحرم بعد، أو
P2T) .1 (عن ترك عمل، وهو لم يوجب بعد. وقد أجمع على هذا المبدأ فقهاء الشريعة وعلماء الأصولTP83F2
ويؤكد الفقه الإسلامي ان البراءة الأصلية هي نتيجة ملازمة للإباحة الأصـلية، فمـا ان نسـتدل علـى
P2T ،وقد استدل الفقهاء على الإباحة الأصلية مـن نصـوص كثيـرة وردت فـي القـرآن (2 (هذه نستدل على تلكTP84F2
الكريم، ومن عدة أحاديث وردت عن رسول االله (  .(

أولا / الاستدلال من القرآن الكريم
ان االله سبحانه وتعالى خلق بني آدم وفضلهم وكـرمهم، وهيـأ لهـم أسـباب الحيـاة فـي هـذه الأرض،
2 وسخر لهم كل ما فيها من خيرات وبركات. قال تعالى ((هـو الـذي خلـق لكـم مـا فـي الأرض جميعـا))TP85F
(3) P2T
بل على التحقيق سخر لهم ما في السموات وما في الأر ض، فيقول جل شأنه (( ألم تـروا أن االله سـخر
P2T )) ،وسـخر لكـم مـا فـي (4 (لكم مـا فـي السـموات ومـا فـي الأرض وأسـبغ علـيكم نعمـه ظـاهره وباطنـه ))2TP 86F
مصـطفى ابـراهيم الزلمـي، “المسـؤولية الجنائيـة فـي الشـريعة الإسـلامية – دراسـة مقارنـة بالقـانون-“، مطبعـة اسـعد، (1 (
بغداد، 1982 ،ص130.
انظر في هذا المعنى:أحمد سعيد صوان، “قرينة البراءة وأهم نتائجها في المجال الجنائي”،المرجع السابق، ص173) .2(
(3 (سورة البقرة، من الآية ( 29.(
(4 (سورة لقمان، من الآية رقم ( 20.(

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous post قانون الأسرة : التلقٌٌيح الصناعي وحكمه
Next post القانون الجنائي الجزء الثاني : البراءة