القانون الجنائي الجزء الثاني : البراءة

القانون الجنائي الجزء الثاني : البراءة

(السموات وما في الأرض جميعا
ً لمصــلحة

( الــلام ) فــي ( لكــم )، للانتفــاع والفائــدة والمصــلحة، وهــي تفيــد أن كــون الشــيء مخلوقــا

2 مـا لـم يـرد نـص علـى خـلاف ذلـكTP8F
ً

P2T .إذ لا يتصـور أن تكـون هـذه (2 (الإنسان ونفعه، لابد أن يكون مباحا
الأشياء والنعم مخلوقة لنا، بـل ومسـخرة لنـا، وهـي محرمـة علينـا، إذ لـو كانـت محظـورة لمـا كـان هنـاك
2 معنى للامتنان علينا بخلقها وتسخيرها لناTP89F
(3) .P2T

TP90F(( 2
ً

P2T ،وقولـه (4 (كما يفهم ذلك أيضا مـن قولـه سـبحانه وتعـالى (( ومـا كنـا معـذبين حتـى نبعـث رسـولا
ً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على االله حجة بعد الرسل ))TP91F2

P2T ،وفي قوله عـز وجـل (5 (تعالى (( رسلا

2 يتلو عليهم آياتنا ))TP92F
ً

P2T ،وقوله تعالى (( وأوحي (6 )) (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا
2 إلي هذا القرآن لأنـذركم بـه ومـن بلـغ ))TP93F

P2T ،وايضـا قولـه سـبحانه وتعـالى (( ولقـد أرسـلنا فـيهم منـذرين (7(

TP94F((2
P2T للشـك بـأن اسـتحقاق العقـاب فـي الشـريعة الإسـلامية (8(

ً
. هذه الآيات الكريمة تفيد بما لا يـدع مجـالا

ً آخر، لا يعاقب على هذا الفعل

ً، أو يترك عملا
ً معينا
متوقف على سبق الإنذار به، وأن من يرتكب فعلا
P2T) .9 (أو الترك، إلا إذا كان قد سبقه نص تشريعي يحرمه ويوجب عليه العقابTP95F2
من هنا يتضـح أن مبـدأ الشـرعية فـي القـانون الجنـائي المعاصـر مـا هـو إلا وليـد القاعـدة الشـرعية
ً الأصل في الأ من المبادئ القانونية الأخرى قد ترتبـت هـي الأخـرى علـى هـذه

شياء الإباحة، بل أن كثيرا

القاعدة، أبرزها مبدأ البراءة الأصلية، وما ينبني عليها مـن أن المـتهم بـريء حتـى تثبـت إدانتـه، ومبـدأ
عدم رجعية النص الجنائي، يعزز ذلك قوله سبحانه وتعالى (( عفا االله عما سلف ومن عـاد فينـتقم االله
TP96F(( منه 2
P2T 2 ، وقوله تعالى (( قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر االله لهم ما قد سلف ))TP97F) 10(

P2T ،وقوله عز وجل (11(

P2T) .12 )) (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ))TP98F2
(1 (سورة الجاثية، من الآية رقم ( 13.(
(2 (مصطفى الزلمي، “المسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية”، المرجع السابق، ص125 .
(3 (يوسف قاسم، “البراءة الأصلية”، المرجع السابق، ص18.
(4 (سورة الإسراء، من الآية رقم ( 15.(
(5 (سورة النساء، من الآية رقم ( 165 .(
(6 (سورة القصص، من الآية رقم ( 59 .(
(7 (سورة الأنعام ، من الآية رقم ( 19 .(
(8 (سور ة الصافات، من الآية رقم ( 72 .(
(9 (محمـد سـليم العـوا، “مبـدأ الشـرعية فـي القـانون الجنـائي المقـارن”، المجلـة العربيـة للـدفاع الاجتمـاعي، ع7 ،مـارس
1978 ،القاهرة، ص38 .
(10 (سورة المائدة، من الآية رقم ( 95 .(
(11 (سورة الأنفال، من الآية رقم ( 38 .(
(12 (سورة النساء، من الآية رقم ( 22 .(

( 32 )

ً / الاستدلال من السنة النبوية
ثانيا

ً فـلا تعتـدوها،

قـال رسـول االله (  )) ( إن االله عـز وجـل فـرض فـرائض فـلا تضـيعوها، وحـد حـدودا
P2T ،كمـا قـال (1 (وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمة لكم غير نسـيان، فـ 2TP لا تبحثـوا عنهـا )) 9F
رسول االله ( )) 🙁 ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم،
P2T) .2 (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وا 2TP 10Fٕ ذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم ))
وعليـه يمكـن القـول أن الشـريعة الإسـلامية أباحـت كـل صـور السـلوك الإنسـاني التـي لـم يـرد نـص
بتجريمها، وقصر العقاب على بعض السلوك الوارد بالنص الشـرعي الصـريح، فمـا أحلـه االله تعـالى فهـو
حلال، وما حـرم فهـو حـرام، ومـا سـكت عنـه فهـو منـه سـبحانه وتعـالى، فـلا يؤاخـذ النـاس بـه، وهـو مـا
يتوافق مع مبدأ الأصل في الإنسان البراءة.
مما تقدم أتضح لنا ان قرينة البراءة في الشريعة الإسلامية وجدت سندها فـي عـدة قواعـد أصـولية،
استنبطها الفقهاء من بعض آيات القرآن الكريم، ومن بعض الأحاديث الشريفة التي وردت عن الرسـول
(  ،( كان أبرزها القاعدة الأصولية استصحاب الحال، ومن ثم قاعدة الإباحة الأصلية، فرتبت عليهمـا
نتيجة هامة هي البراءة الأصلية أو الأصل في الإنسان البراءة.

(1 (علي بن عمر ابو الحسن الدار قطني، “سنن الدار قطني”، ج4 ،دار المعرفة، بيروت، 1386هـ، ص184.
(2 (مشار اليه في بحث البراءة الأصلية ودائرة الحلال والحرام، من كتاب نحو فقه جديد، المنشور فـي الموقـع الإسـلامي
على الانترنت ( اسلامك كول )، المرجع السابق.

( 33 )
البـــــــاب الأول

ماهيـة البراءة

الفصل الأول

مفهوم البراءة

( 34 )

البـــــاب الأول
ماهيـــة البـــــراءة

– تمهيد وتقسيم:

ً أن مبـدأ
تعد البراءة حجر الزاوية للعدالة الجنائية فـي العصـر الحـديث، ذلـك انـه إذا كـان صـحيحا
شرعية الجرائم والعقوبات هو دستور قانون العقوبات، فإنه من الصحيح أيضـا أن قرينـة البـراءة هـي
دستور قانون الإجراءات الجنائية، وتتفرع عنها سائر القواعد التـي يقـوم عليهـا هـذا القـانون، بعبـارة
ً يحـول دون الحيـف بحقـوق

ً أساسيا من أركان الشرعية الإجرائية، وتمثل درعـا

أخرى، تعد البراءة ركنا
الإنسان وضماناته أثناء نظر الدعوى.

ً حتـى
والبراءة تعني ان المتهم بجريمة – مهما بلغت جسامتها ومهما كانت خطورته – يعد بريئـا
ً وان يعامـل علـى هـذا الأسـاس طيلـة المـدة التـي يسـتغرقها نظـر الـدعوى الجنائيـة

تثبت إدانتـه قانونـا
والفصل فيها.

ً في الإنسان وذلك

إلا انه لا يمكن التوصل إلى هذا المعنى الا من خلال بحث البراءة بعدها أصلا
بتناول ماهية البراءة في مفهومها الشامل ومن ثم تقييم هذا المفهوم حسبما تناوله الفقه الجنائي.
وعليه أتناول ماهية البراءة في فصلين:
الفصل الأول: مفهوم البراءة
الفصل الثاني: تقييم البراءة

( 35 )

الفصل الأول
مفهــوم البـــــراءة

– تمهيد وتقسيم:

البـراءة مصـطلح واضـح، سـواء للباحـث القـانوني أو غيـره، ودليـل ذلـك تشـابه معانيـه بـين اللغـة
والشريعة الإسلامية، وان كان لاصطلاح البراءة معنى أوسع فـي الفقـه الجنـائي، يـدل عليـه مضـمونه
القانوني ودور البـراءة فـي العدالـة الجنائيـة، وعلـى هـدى هـذا المعنـى يتجـاوز تطبيـق قرينـة البـراءة،
القانون الجنائي، ليشمل قوانين أخرى، كما لا يقتصر تطبيقها فـي الـدعوى الجنائيـة علـى مـتهم دون
ً وفـي مختلـف مراحـل الـدعوى الجنائيـة،

آخر، أو على مرحلة دون أخرى، بل يشمل المتهمـين جميعـا


ً عن ذلك فإن تطبيقها يفرض على سلطة الاتهام تحمل عبء الإثبات الجنائي كاملا
فضلا
هذا المعنى المختلف لقرينة البـراءة، نجـد أساسـه فـي الأصـول العامـة الثابتـة لكـل إنسـان أبرزهـا
الأصل في الأفعال الإباحة “والأصل في الإنسان البراءة”، كمـا يتمثـل هـذا الأسـاس فـي حمايـة الحريـة
الشخصية وحق المتهم في الدفاع، وفي الوقاية من الأخطاء القضائية.
الا ان ذلك الوضوح السابق في مصطلح البراءة، يتبدد عندما نتناول البـراءة مـن حيـث طبيعتهـا،
اذ يعدها البعض “حيلة قانو نية”، ويراها البعض الآخر “افتراض قانوني”، ويذهب آخـرون لعـدها “مبـدأً

ً”، ويقرر غيرهم بأنها “حق شخصي”، بينما يؤكد الكثير بأنها “قرينة قانونية”.
ً عاما
قانونيا
بناء على ما تقدم، نتناول هذا الفصل في أربعة مباحث:
المبحث الأول/ التعريف بالبراءة
المبحث الثاني/ نطاق البراءة
المبحث الثالث/ أساس البراءة
المبحث الرابع/ طبيعة البراءة

المبحث الأول

( 36 )

التعريف بالبـــــراءة

– تمهيد وتقسيم:

ً لنطاقهـا وأساسـها، كـان لابـد مـن

مـن اجـل الوقـوف علـى أوليـات قرينـة البـراءة، بعـدها مـدخلا
توضيح معنى البراءة في اللغة والشريعة الإسلامية، ثم نبين معناها الاصـطلاحي فـي الفقـه الجنـائي.
ً لبيــان أهميــة قرينــة البــراءة فــي العدالــة الجنائيــة، الا مــن خــلال

الا ان هــذا المعنــى لا يكــون كافيــا

ٕبراز دورها في الشرعية الجنائية.

توضيح مضمونها، وا

وبناء على ذلك نتناول هذا المبحث في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول/ معنى البراءة
المطلب الثاني/ مضمون البراءة
المطلب الثالث/ البراءة في الشرعية الإجرائية

المطلب الأول
معنـــى البـــــراءة

نبحث معنى البراءة فـي ثلاثـة فـروع، نخصـص الأول لمعنـى البـراءة فـي اللغـة (المعنـى اللغـوي )
وفـي الفـرع الثـاني نبـين معنـى البـراءة فـي الشـريعة الإسـلامية (المعنـى الشـرعي) وننتهـي (بـالمعنى
الاصطلاحي ) للبراءة من خلال الفرع الثالث بعنوان البراءة في الفقه الجنائي.

الفرع الأول / البراءة في اللغة

( 37 )
المعنى اللغوي لكلمة البراءة يدور حول خلو الإنسان مـن المسـؤولية سـواء مسـؤولية التهمـة أو
مسؤولية الدين، كما يندرج في هذا المعنى البراءة من المرض أو نحو ذلك.

ً
َـراء
ُـراء أو ب
TP10F2 ، وبرئـت مـن المـرض ب
ً

P2T .وبـرأ مـن (1 (فيقـال: برئـت منـك ومـن الـديون والعيـوب بـراءة
P2T .وفعـل الكلمـة أبـرأ، فيقـال: أبـرأه االله مـن (2 (التهمـة: أي رفعهـا عنـه، وتبـرأ مـن الـذنب: تخلـص منـهTP102F2
ً. وأبـرأه مـن العيـب أو الـذنب أو التهمـة، أي قضـي ببراءتـه منـه. وجمـع الكلمـة بـراءات،
مرضه إبـراء
P2T) .3 (والمؤ 2 نث بريئة وبريئتان وبريئاتTP103F
2 واستبرأ مـن الـدين أو الـذنب: طلـب البـراءة منـه، والبـريء: خـلاف المـذنبTP104F

P2T .وهـو المتنجـي عـن (4(
P2T .فيقـال: بـرؤ (5 (الباطل والكذب، البعيـد عـن الـتهم، النقـي القلـب مـن الشـرك، الصـحيح الجسـم والعقـلTP105F2
فلان، كان سليم الصدر خالص النية فهو بـريء، وعملـه بـريء: أي خـلا مـن الـدغل والغـش، وبـريء
2 الذمة: خالص من الدينTP106F
(6) .P2T

ً كلمـة تـدل علـى وصـف يلحـق بالشـخص،

من المعـاني السـابقة، يمكننـا القـول ان “البـراءة” لغويـا

ً، وسـواء ارتـبط
ً أو تفكيـرا
يفيد خلو مسؤوليته أو نيته من امر معين سواء كان – هذا الامر – سلوكا

TP107F
ً
P2T) .7 (به أو لم يرتبط به اساسا2
الفرع الثاني / البراءة في الشريعة الإسلامية
نـديم مرعشـلي، أسـامة مرعشـلي، الصـحاح فـي اللغـة والعلـوم، المجلـد الأول، دار الحضـارة العربيـة، بيـروت، 1974) ،1 (
ص79.
ابراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الجزء الأول ، مطبعة مصر، 1960 ،ص45) .2 (
53) .3 (احمد محمد الفيومي، المصباح المنير، الجزء الأول، مطبعة مصطفى البابلي، القاهرة، بدون تاريخ، ص
وفي نفس المعنى، محمد ابو بكر الرازي، “مختار الصحاح”، المطبعة الاميرية، القاهرة، 1920 ،ص45.
مجدالدين محمد آباري، “القاموس المحيط”، الجزء الأول، ط2 ،مطبعة مصطفى البابلي، القاهرة، 1952 ،ص9.
المنجد في اللغة والأدب والعلوم، المطبعة الكاثوليكية، ط18 ،بيروت، 1965 ،ص31) .4 (
ابـي الفضــل جمــال الـدين (ابــن منظـور الأفريقــي المصـري )، لســان العــرب، المجلــد الأول، دار صـادر، دار بيــروت، (5 (
بيروت، 1955 ،ص33.
46) .6 (ابراهيم انيس وآخرين، “المعجم الوسيط”، المجلد الأول، دار الفكر، بيروت، ص
(7 (ذكرت بعض المعاجم أن كلمة البـراءة تعنـي الأعـذار والإنـذار، كمـا تسـتخدم فـي معـاني أخـرى فيقـال “بـراءة الاعتمـاد”
وهو الامر الصادر مـن الدولـة المعتمـد لـديها القنصـل بـالاذن لـه فـي مباشـرة عملـه القنصـلي فـي دائـرة اختصاصـه. و
“بـراءة الاختـراع” وهـي شـهادة تثبـت حـق المختـرع علـى اختراعـه، وتمـنح بـراءة الاختـراع عـن كـل ابتكـار جديـد قابـل
َ” بـالفتح: أول
َـراء
للاسـتغلال الصـناعي. ويقـال ” تبـارأ ” الشـريكان أي افترقـا، و “بـارأ ” الرجـل امرأتـه أي فارقهـا، و “ألب
ليلة من الشهر، سميت بذلك لتبرؤ القمر من الشمس. انظر في ذلك:
– نديم مرعشلي، أسامة مرعشلي، “الصحاح في اللغة والعلوم”، المرجع السابق، ص79.
– ابراهيم مصطفى وآخرون، “المعجم الوسيط”، المرجع السابق، ص46.

( 38 )
بــالمعنى اللغــوي نفســه جــاء المعنــى الشــرعي لكلمــة البــراءة فــي القــرآن الكــريم والســنة النبويــة
الشريفة.
فقد وردت في القرآن الكريم مرتين بالحروف ذاتها ولكن من غير الألف واللام، الأولى فـي سـورة
2 “TP109F P2T بقوله سبحانه وتعالى ” من االله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1″ (براءة”TP108F2

ٌ
P2T والثانية (2 (براءة

ٌ في سورة القمر حيث يقول االله جل شأنه ” ِ في الزبر
P) .3 (أ كفاركم خير “P10F ٌ من أولئكم أم لكم براءة
ً، بريئون، فتبرأ، تبرأنا، تبرؤا، برأه، أبرئ، فبرأهـا

أما مشتقات كلمة براءة مثل ( بريء، براء، بريئا
P2T) .4 ( (فقد وردت في مواض 2 ع كثيرة من القرآن الكريم جاءت في خمس وعشرين آيةTP1F
اذ يتضح وبصورة جلية معنـى البـراءة عنـد ذكـر تلـك الآيـات الكريمـة لـذا نبـين نصـوص بعضـها،
حيث يقول سبحانه وتعالى:
(5″ (فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون 2″TP12F
ٕ ” نني بريء مما تشركون

ٌ وا

(6 (قل إنما هو إله 2″TP13F ٌ واحد
ٌ ” مما تعبدون
(7 (وا 2″TP14Fٕ ذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء
(8 ” (َّإنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون االله 2″TP15F
(9 (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر 2″TP16F ” َ قال إني بريء منك
كما ورد في حديث للرسول عليه السلام، بالمعنى ذاته لمصطلح البراءة، بقوله “أنا أخو كـل تقـي

“ً
ً قرشـيا
ً، وبـريء مـن كـل شـقي ولـو كـان شـريفا

P2T .كمـا ورد فـي حـديث لأبـن (1 (ولـو كـان عبـدا TP17F2 ً حبشـيا

(1 (وهي سورة التوبة
(2 (سورة التوبة الآية (1(
(3 (سورة القمر الآية (43.(
(4 (محمــد فــؤاد عبــدالباقي،”المعجم المفهــرس لألفــاظ القــرآن الكــريم”،دار إحيــاء التــراث العربــي، بيــروت، بــدون تــاريخ،
ص30.
(5 (سورة يونس من الآية (41.(
(6 (سورة الانعام من الآية (19.(
(7 (سورة الز خرف من الآية (26.(
(8 (سورة الممتحنة من الآية (4.(
(9 (سورة الحشر من الآية (16.(
وفي شرح لفظ البراءة الواردة في الآيات. أنظر تفصيل ذلك معجم الفاظ القرآن الكريم، المجلد الأول، ط2 ،الهيئة
المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970 ،ص90.

( 39 )
ً يريـد بـه الغـلاء، فقـد بـريء

ً أربعـين يومـا

عمر( -(قال: قال رسول االله ( ) :(من أحتكر طعاما
2 من االله، وبريء االله منه )TP18F
(2) .P2T

تدل معاني تلك الآيات والأحاديث في مجملها – فيما يتعلق بمعنى البراءة – على خلو العباد من
P2T .وعلى هـذا (3 (أية مسؤولية توجه اليهم ومن أي تكليف الا بما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلامTP19F2
المعنــى وجــد مــا يعــرف فــي الشــريعة الإســلامية “بمبــدأ البــراءة الأصــلية” والــذي يقــوم أساســا علــى
مصدرين متفق عليهما في علم أصول الفقه هما “الاستصحاب” و “الإباحة الأصلية”

الفرع الثالث / البراءة في الفقه الجنائي
ترتبط البراءة في الفقه الجنائي – اكثر ما ترتبط – بالدعوى الجنائية، سـواء بعـدها قاعـدة ينبنـي
ٕجـراءات العدالـة، أو بعـدها مـن الأحكـام التـي يقضـي بهـا

على أساسها الكثير مـن ضـمانات المـتهم وا
القضاء الجنائي.

ً، حتـى صـدور

فالبراءة في الم َّ عنى الاصطلاحي، وصف لصـيق بالإنسـان، منـذ لحظـة عـده متهمـا

ً بالأصـل، أو تنتفـي فتثبـت

حكـم بـات فـي الواقعـة محـل الاتهـام، إذ تتأكـد البـراءة وهـو مـا يعـد تمسـكا

ً مـن الأصـل، وذلـك مـا يمثـل القاعـدة القانونيـة العامـة، والتـي تفيـد بـأن

الإدانة وهو مـا يعـد اسـتثناءا
P2T) .4″ (المتهم 2 بريء حتى تثبت إدانته بحكم بات”TP120F

إلا ان الفقـه الجنـائي اختلـف فـي وضـع مصـطلح يحتـوي تلـك القاعـدة، ومـع ذلـك بقيـت “البـراءة”
القاسم المشترك في ظل ذلك الاختلاف. إذ يعـرف الـبعض هـذه القاعـدة “بأصـل البـراءة”، بينمـا يـذهب
الــبعض الآخــر إلــى اصــطلاح “مبــدأ البــراءة”، وآخــرون يعرفونهــا “بــافتراض البــراءة”، وغيــرهم “بحــق
مشار اليه لدى/ (1 (
– محمود شريف بسيوني وآخرون، (مصادر الشريعة الإسلامية وحماية حقوق الإنسان فـي اطـار العدالـة الجنائيـة
في الإسلام )، حقوق الإنسان، المجلد الثالث، دار العلم للملايين، بيروت، 1989 ،ص98.
مشار اليه لدى/ (2 (
احمد عبيد الكبيسي/ دور الشـريعة الإسـلامية فـي الوقايـة مـن الجـرائم الاقتصـادية، مجلـة القـانون المقـارن، ع18 ،
س12 ،1986 ،بغداد، ص23 .
يوسـف محمـود قاسـم، البـراءة الأصـلية (أساسـها الشـرعي و تطبيقاتهـا العمليـة )، مجلـة الأمـن والقـانون، كليـة شـرطة (3 (
دبي، السنة 7 ،العدد2 ،يوليو 1999 ،ص15.

ً، دراسـة تطبيقيـة واسـعة فـي الـدعوى الجنائيـة، تخـرج عـن إطـار هـذه الدراسـة، ولـذلك لـن
ً جنائيـا
(4 (البراءة بعدها حكمـا
نتناولها إلا فيما يرتبط بالموضوع.

( 40 )

2 البراءة”، ولكن يبدو أن مصطلح “قرينة البراءة” قد نال الأغلبيةTP12F

P2T ،فقد وضع بعض الفقه البراءة، في (1(
صيغة تعريف، بينما فضل البعض الآخر بيان هذا الأصل فـي مفهـوم عـام. الا ان كـلا الفـريقين جـاء
بمعنــى متشــابه ان لــم نقــل متماثــل لقرينــة البــراءة. اذ قــرر الــبعض ان اصــل البــراءة هــو “معاملــة
ً في مراحل الإجراءات جميعها ومهما كانت جسامة الجريمـة التـي

ً فيه كان ام متهما

الشخص مشتبها
(2 (نسبت اليه، على انه بريء حتى تثبت ادانته بحكم قضائي بات”.TP12F2

ً ذكـر معظـم الفقـه الجنـائي ان كـل مـتهم بجريمـة مهمـا بلغـت جسـامتها

وفي المعنى نفسه تقريبـا

ً حتى تثبت إدانته بحكم بات، أي ان الأصل في المتهم براءته مما
ً بريئا
يجب معاملته بوصفه شخصا
اسـند اليـه ويبقـى هـذا الأصـل حتـى تثبـت إدانتـه بصـورة قاطعـة وجازمـة، وهـذا مـا يقتضـي ان يحـدد
2 وضعه القانوني خلال المدة السابقة على ثبوت الإدانة على انه شخص بريء.TP123F
(3)

ومن ثم يمكن القول ان الإطـار العـام لمبـدأ البـراءة يقصـد بـه ان كـل شـخص تقـام ضـده الـدعوى
ً حتى تثبت إدانتـه بحكـم بـات، يصـدر علـى

ً فيها، يعد بريئا

ً للجريمة أو شريكا

الجنائية، بصفته فاعلا
وفـق محاكمـة قانونيـة منصـفة، تتـوافر لـه فيهـا ضـمانات الـدفاع عـن نفسـه، وان تـتم معاملتـه أثنـاء
P2T) .4 (الإجراءات الجنائية على أساس انه بريءTP124F2
وبناء على ذلك فإن لهذه القرينة ثلاثة جوانب:-
الأول منهـا يتعلـق بحمايـة الحريـة الشخصـية للمـتهم فـي مواجهـة الإجـراءات التـي تتخـذها قبلـه
السلطات المختلفة في الدعوى الجنائية، والثاني يتعلق بعبء إثبـات الجريمـة، والثالـث يتعلـق بتقـدير
الأدلة من قبل المحكمة. وهذا ما سوف نتناوله في مضمون قرينة البراءة.

المطلب الثاني
مضمـــون البـــــراءة

ً في الفصل الخاص بالطبيعة القانونية لقرينـة البـراءة، نصـل مـن خلالهـا صـلاحية (1 (
نتناول دراسة هذا الموضوع تفصيلا

ً لـدى الفقـه الجنـائي

تلك المصطلحات جميعها للدلالة على معنى البراءة، الا ان مصـطلح “قرينـة البـراءة” أكثـر قبـولا
ً عن هذا المعنى في مرحلة المحاكمة الجنائية.
وأكثر تعبيرا
محمد محدة، “ضمانات المتهم اثناء التحقيق”، ج3 ،ط1 ،دار الهدى، الجزائر، 1992 ،ص225) .2(
انظر، محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988 ،ص422) .3 (
445) .4 (انظر، السيد محمد حسن شريف، النظرية العامة للإثبات الجنائي، المرجع السابق، ص

( 41 )
يتضمن المفهوم السابق لقرينـة البـراءة، جوانـب مختلفـة منهـا مـا يتعلـق بـالمتهم نعرفـه بالجانـب
الشخصي ومنها ما يتعلق بالادعاء العام وكذلك بقضاء الحكم نعرفه بالجانـب الموضـوعي، نتناولهمـا
ً آخـر يتعلـق بـالمنظور

من خلال المضمون القانوني لقرينة البراءة في الفرع الأول. الا أن ثمة جانبا
الاجتماعي للمتهم ومصداقية قرينة البراءة بالنسبة للعامة، نتناولـه مـن خـلال المضـمون الاجتمـاعي
لقرينة البراءة في الفرع الثاني.
الفرع الأول / المضمون القانوني للبراءة
عنـد وقـوع الجريمــة يبـيح القــانون للسـلطات المختصـة اتخــاذ بعـض الإجــراءات الجبريـة تتميــز
بالخطورة، كالقبض والتفتيش أو التوقيف، وحرمان المتهم من حريته. إلا أن مضـمون قرينـة البـراءة
يتطلب في الوقت ذاته، ضرورة ان ينظم المشرع تلك الإجراءات بما يتفق مع افتراض براءة المتهم.
اذ ان قرينة البراءة تهدف بصفة أساسـية إلـى حمايـة الحريـة الشخصـية للمـتهم، وذلـك بـافتراض
ً على السلطات التي تمارس الإجـراءات الجنائيـة

براءته مما نسب اليه من اتهام، ومن ثم يكون واجبا
باسم المجتمع، ان تعامله على هذا الأساس، بحيـث لا يخضـع لمعاملـة مهينـة أو حاطـة مـن الكرامـة
اثناء التحقيق معه، ومحاكمته. أي انه يتعين الا يتعرض لإجـراءات جنائيـة، تماثـل تلـك التـي يخضـع
ً بضـرورة عـد

لهـا المحكـوم عليـه. وعلـى ذلـك فـإن قرينـة البـراءة تفـرض علـى هـذه السـلطات التزامـا

ً، ومعاملته في مراحل الدعوى الجنائية جميعها على هذا الأساس حتى تثبت إدانته بحكم
المتهم بريئا
قضائي بات. هذا الالتزام بحماية حرية المتهم يمثل الجانب الشخصي لقرينة البراءة في ظل الـدعوى
TP125Fالجنائية 2
(1) .P2T
ومن جانب آخر يترتب على افتـراض بـراءة المـتهم، عـدم تجشـمه عـبء إثبـات براءتـه. فـإذا كـان
مضمون قرينة البـراءة هـو افتـراض البـراءة فـي المـتهم، مهمـا كانـت قـوة الشـكوك التـي تحـوم حولـه،
ومهما كان وزن الأدلة التي تحيط به، فإن ذلك معناه، ان هذه القرينة هي التي تحكم توزيع الإثبات
ً◌َ بإثبات براءته، لأن ذلك اصل ثابت فيه، ومـن

في المواد الجنائية، فالمتهم بفعل ذلك لا يكون ملزما
يدعي غير هذا الأصل، يقع عليه عبء إثباته.

ً لسـلطة الاتهـام – تقـديم الأدلـة علـى تـوافر

ومن ثم يقع على عاتق الادعـاء العـام – بعـده ممـثلا
أركـان الجريمـة جميعهـا ونسـبتها إلـى فاعلهـا، أي إثبـات المسـؤولية الجنائيـة للمـتهم فـي عناصـرها
ً، وعدم مطالبة المتهم بإثبات براءته. فإذا لم تتمكن سـلطة الاتهـام مـن إثبـات الإدانـة، أو سـاد
جميعا

انظر فـي معنـى ذلـك، محمـد محـي الـدين عـوض، الاثبـات بـين الازدواج والوحـدة، مطبوعـات جامعـة القـاهرة، 1974) ،1 (
هامش رقم (1 ،(ص26.

( 42 )
الشك والغموض على صحة الأدلة أو ثبوتها، كان تأويل ذلك وتفسيره لصالح المـتهم، وهـذا إبقـاء لـه

ً
P2T) .1 (على أصله الذي كان عليه قبل الاتهام، بعده أمرا TP126F2 ً يقينيا
ومن جانب ثالث تكفل قرينة البـراءة للمـتهم كـذلك، الا يحكـم بإدانتـه الا إذا كـان اقتنـاع المحكمـة
بهــذه الإدانــة قــد وصــل إلــى درجــة الجــزم واليقــين. وعلــى ذلــك لا يكفــي مجــرد رجحــان أو تفــوق
ً الا ، فـإن اليقـين لا يرتفـع الا
حتمالات، كما هو الشأن في المواد المدنية. فمادامت البـراءة ثابتـة يقينـا
بيقين مثله، وعلى ذلك إذا لم يكن من شأن الأدلة المتوافرة ان تفضي إلى إقناع المحكمـة علـى وجـه
يقيني بالإدانة، فحينئذ يتعين على هذه الأخيرة ان تقضي ببراءة المتهم، وأي شك يثـور لـديها يتعـين
ً يحمـي المـتهم مـن خطـر الاقتنـاع الضـعيف أو

تفسـيره لصـالحه ومـن ثـم تعـد قرينـة البـراءة سـياجا
2 الانفعالي أو المبتسرTP127F
(2) .P2T

الفرع الثاني / المضمون الاجتماعي للبراءة
ويقصد به ذلك التصور المتداول لدى المجتمع، والذي يستقر في وجدان الرأي العام، فعلـى وفـق
هذا التصور، البراءة ليست هـي حالـة الشـخص الـذي لـم يصـدر ضـده حكـم بالإدانـة – فحسـب – بـل
ً أو تصـرفات تتنـافى مـع القـيم والأخـلاق

هـي ايضـا حالـة الشـخص الشـريف الـذي لـم يرتكـب أعمـالا
السائدة في المجتمع، وان لم تقع تحت أي نص تجريمي، فيقال – مثلا – “فلان يتسـم بـالبراءة ومـن
غيــر المتصــور ان يرتكــب مثــل هــذه الأفعــال”، هــذا المضــمون يمكــن تســميته بالجانــب الشــعبي أو
الاجتماعي لأصل البراءة.

ً مـــن المعنـــى الاصـــطلاحي المقصـــود بجانبيـــه الشخصـــي

هـــذا التصـــور للبـــراءة أوســـع نطاقـــا

ً في المفهوم القانوني يعد كذلك في المفهوم الاجتماعي، أي في

والموضوعي، فليس كل شخص بريئا
P2T .غيـر (1 (نظر غالبية أفراد المجتمع، اذ يسود لديهم الاعتقـاد الشـائع بأنـه “لا يوجـد دخـان بـدون نـار”TP128F2

انظر في هذا المعنى/ محمد محدة، ضمانات المتهم اثناء التحقيق، ج3 ،المرجع السابق، ص240) .1(
457) .2 (السيد محمد حسن شريف، النظرية العامة للاثبات الجنائي، المرجع السابق، ص
(1) Essad (M. j ): “La Piesomption D’innocence”, Rabat, 1971, No.133, P.91.
مشار اليه لدى/ السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص446.

( 43 )
ً للبراءة، وذلك لأنه مفهوم غـامض،

انه بطبيعة الحال، لا يمكن الاستناد إلى هذا المفهوم العام معيارا
ويصعب وضع ضوابط له.
إلا أن أهميــة هــذا الجانــب تبــرز فــي خطــورة نشــر وســائل الإعــلام الأخبــار المتعلقــة بالاتهــام
2 والتحقيق، إذ يبدو المتهم كما لـو كـان هـو الفاعـل الحقيقـي للجريمـة المـتهم بهـاTP129F

P2T .ممـا يـدفعنا إلـى (2(
ً آخـر بـالغ الأثـر فـي حمايـة المـتهم، وهـو ذو طبيعـة نفسـية، اذ

القول بأن هذا المضمون يثير جانبـا
بمقتضى البراءة الأصلية للمته ً م، يجب ان يتمتـع بحقوقـه وحرياتـه كاملـة غيـر منقـوص منهـا بسـبب
اتجاه الشبهات حوله، والتي يجب ألا تقل بحال مـن الأحـوال عـن حالتـه قبـل الاتهـام، ممـا يسـمح بـه
بأن يكون في حالته النفسية الطبيعية.
ولا يكــون الأمــر كــذلك الا إذا التزمــت الدولــة بالجانــب الشخصــي مــن هــذا المضــمون المتعلــق
بمعاملـة المـتهم علـى أسـاس البـراءة، وانصـرف الأفـراد عـن الجانـب الاجتمـاعي مـن هـذا المضـمون،
والعمل بغير ذلك. قد يفضي بالمتهم إلى أقوال أو تصرفات تنافي الحقيقة أو في الأقل ضـد مصـلحته
P2T) .3 (لأنه قد يكون في حينها تحت وطأة الإكراه المادي أو المعنوي سواء من قبل الدولة أو الأفرادTP130F2
مما تقدم أتضح لنا مضمون قرينة البراءة في إطار المحاكمة الجنائية بشكل خاص، ودورهـا فـي
ً إطار الدعوى الجن ، فهل لقرينة البراءة أي دور يذكر في إطار الشرعية الجنائية؟

ائية عموما

المطلب الثالث
البـراءة في الشرعية الجنائية

446) .2 (المرجع السابق، ص
ً الإكراه المادي: هو الذي ، كما لـو امسـك المحقـق بيـد المـتهم وأرغمـه علـى ان يبصـم أو يوقـع علـى (3(

يعدم الإرادة تماما

ً محضر التحقيق. والإكراه المعنوي: هو الإكراه الذي يفسد الإرادة رهبة، مع بقاء أصلها، كالتهديـد بالقتـل أو الإيـذاء

ً في أنواع الإكراه وأثره.

ً من قبل بعض الأفراد. انظر تفصيلا

لمجرد كونه متهما
محمـد سـعود المعينـي، الإكـراه وأثـره فـي التصـرفات الشـرعية، ط1 ،مطبعـة الزهـراء، الموصـل، 1985 ،ص166 ومـا
بعدها.

( 44 )
للوقوف على دور قرينة البراءة في إطار الشرعية الجنائية، نتناول هذا المطلب في أربعـة فـروع،
ً ونشير فيـه إلـى مبـدأ سـيادة القـانون، ونتنـاول فـي

نخصص الأول منها لبيان معنى الشرعية عموما
الثـاني “الشـرعية الجنائيـة”، ونبـين بإيجـاز فـي الفـرع الثالـث المعنـى المقصـود بمبـدأ شـرعية الجـرائم
ً لبيان دور قرينة البراءة في الشرعية الجنائية. وعلى

والعقوبات، على ان يكون الفرع الرابع مخصصا
الوجه الآتي:-
الفرع الأول/ مبدأ الشرعية
الفرع الثاني/ الشرعية الجنائية
الفرع الثالث/ شرعية الجرائم والعقوبات
الفرع الرابع/ دور البراءة في الشرعية الجنائية.
الفرع الأول/ مبدأ الشرعية
يســود المجتمــع الــدولي المعاصــر مبــدأ ســيادة القــانون، رغــم اخــتلاف بعــض الــدول فــي تحديــد
مضمونه، ومقتضى هذا المبدأ التزام أعضاء المجتمع وأجهزة الدولة جميعهـا بـالقوانين التـي تصـدرها
السلطة المختصة كأساس لمشروعية هذه السلطة إذ تتحقق سيادة القانون من خلال عنصرين:
اولهما ( شكلي ) وينبـع مـن السـلطة المختصـة بإصـداره، ويتمثـل فـي التـزام المخـاطبين بأحكامـه
سواء كانوا من سلطات الدولة أو أفرادها، وثانيهما ( موضوعي ) وهو ان يكفل القانون في مضمونه
P2T) .1 (احترام الحقوق والحريات للأفراد، وهو ما يعرف بالشرعيةTP13F2
فمبدأ الشرعية هو الذي يعبر عن القواعد والنظم والإجراءات الأساسية لحماية الفرد فـي مواجهـة
السلطة، ولتمكينه من التمتع بكرامته الإنسانية، إذ يهـدف هـذا المبـدأ مـن خـلال القـانون إلـى حمايـة
الفرد ضد تحكم السلطة، الا ان مضمونه يختلف من دولة إلى أخرى، بقدر اختلاف نظامها السياسي
والاقتصادي، كما يختلف مدى احترامه، بقدر سلامة التطبيق واحترام الدولة للقانون.
كما تختلف الشرعية باختلاف مصدرها، فاذا كـان مصـدرها الدسـتور كنـا حيـال شـرعية دسـتورية،
واذا كان مصدرها القانون كنا حيال شرعية قانونية، وعليه إذا كان مصدر الشرعية القانون الجنـائي،
2 فنكون بصدد “الشرعية الجنائية”TP132F
(2) .P2T

الفرع الثاني / الشرعية الجنائية
الشـرعية الجنائيـة تقـوم علـى ركنـين، شـرعية موضـوعية تتجسـد مـن خـلال مبـدأ “لا جريمـة ولا
P2T إذ يمثل ذينك المبدآن (1 (عقوبة الا بناء على قانون”. وشرعية إجرائية تتمثل في مبدأ “قرينة البراءة”.TP13F2

21 ،22) .1 (احمد فتحي سرور، الحماية الدستورية للحقوق والحريات، المرجع السابق، ص
انظر في ذلك/ محمد محمد مصباح القاضي، حق الإنسان في محاكمة عادلة، دار النهضة العربية، القـاهرة، 1996) ،2(
.19 ،18ص

( 45 )
حجر الزاوية في القانون الجنائي، فمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات تؤسـس عليـه القواعـد الموضـوعية
في القانون الجنائي من خلال تحديد الوقائع أو التصرفات المجرمـة، وكـذلك بيـان الجـزاء الـذي يوقـع
علـى مرتكبيهـا أمـا مبـدأ “قرينـة البـراءة” فتسـتند إليـه قواعـد وتنظيمـات وأحكـام الإجـراءات الجنائيـة
2 جميعها، والتي تمثل القواعد الإجرائية في القانون الجنائيTP134F
(2) .P2T

الفرع الثالث / شرعية الجرائم والعقوبات
مـؤدى مبـدأ شـرعية الجـرائم والعقوبـات ان يكـون مصـدر تحديـد الجـرائم وعقوباتهـا هـو القـانون
المكتوب وحـده، ولـيس مـن شـأن القاضـي ان ينشـيء الجـرائم أو ان يوقـع ايـة عقوبـة، غيـر العقوبـة
ً والقـــول بغيـــر ذلـــك يعنـــي الافتئـــات علـــى اختصـــاص الســـلطة التشـــريعية، صـــاحبة

المحـــددة ســـلفا
ً الاختصاص الوحيـ بـين اختصـاص

ً فاصـلا
د فـي سـن القـوانين، ولـذلك قيـل بـأن هـذا المبـدأ يضـع حـدا

2 السلطة القضائية، واختصاص السلطة التشريعيةTP135F
(3) .P2T

ويقــوم مبــدأ شــرعية الجــرائم والعقوبــات بصــفة أساســية علــى عنصــرين همــا: حمايــة الحريــة
الشخصية، وحماية المصلحة العامة. إذ يضع هذا المبدأ للأفراد الحدود الواضحة لتجريم الأفعـال قبـل
ارتكابها، فيبصرهم من خلال نصوص محددة جليـة لكـل مـا هـو مشـروع أو غيـر مشـروع قبـل الإقـدام
على مباشرتها، كما يضمن لهم الأمن والطمأنينة في حياتهم، ويحول بـذلك دون تحكـم القاضـي، فـلا
يملك إدانة أحد الا إذا كانت الجريمة المنسوبة إلى المتهم والعقاب الذي يتعرض له، قد سـبق الـنص
عليـه مـن قبـل فـي القـانون، وبـذلك تتحقـق الحمايـة الشخصـية للأفـراد. امـا حمايـة المصـلحة العامـة
ً لمبدأ
فتتحقق من خلال إسناد وظيفة التجريم والعقاب والإجراءات الجنائية إلى المشرع وحده، تطبيقا
ِّ انفراد المشرع بالاختصاص في مسـائل الحقـوق والحريـات، بعـد القـيم والمصـالح التـي يحميهـا قـانون
P2T) .1 (العقوبات، لا يمكن تحديدها الا بوساطة ممثلي الشعبTP136F2

ً في بناء الشـرعية الجنائيـة، هـي شـرعية التنفيـذ العقـابي، وهـي (1 (

ً ثالثا
جدير بالذكر ان بعض الفقه الجنائي يضيف ركنا
تخـرج عـن نطـاق هـذا البحـث، ويكفـي ان اشـير هنـا إلـى انهـا تحمـي حريـة المـتهم بعـد ادانتـه فـي مرحلـة التنفيـذ
العقابي. انظر في ذلك، المرجع السابق، ص25.
192) .2 (مصطفى فهمي الجوهري، الوجه الثاني للشرعية الجنائية ( قرينة البراءة )، المرجع السابق، ص
محمد سليم العوا، مبدأ الشرعية في القانون الجنائي المقارن، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي، القاهرة، ع7 ،مارس (3(
.14 ،13ص، 1978
انظر في ذلك/ احمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، المرجع السابق، ص26 ،27) .1(

( 46 )

الفرع الرابع / دور البراءة في الشرعية الجنائية
ان مبدأ شـرعية الجـرائم والعقوبـات – والـذي هـو أسـاس قـانون العقوبـات – لـيس سـوى الدعامـة
الأولى في بناء الشرعية الجنائية، لا يكفل الا حماية ناقصة لحرية الإنسـان، وذلـك إذا أمكـن القـبض
على هذا الإنسان أو توقيفه أو تفتيشه، أو اتخاذ اية إجراءات جنائيـة ضـده، مـع افتـراض الجـرم فـي
حقـه، ومـا ينـتج عنـه مـن تكليفـه بإثبـات براءتـه ممـا نسـب إليـه مـن اتهامـات، فـإذا فشـل فـي نفـي

ً عن جريمة لم يرتكبها.

الاتهام، صار مسؤولا
لذلك كان لابد من دعامة ثانية، حتى يتم بناء الشرعية الجنائية على نحو يكفل الحمايـة الكاملـة
لحرية الإنسـان. وهـذه الدعامـة هـي الشـرعية الإجرائيـة، التـي تتمثـل فـي “قرينـة البـراءة” أو “افتـراض
براءة المـتهم”. ومعناهـا ان الإجـراءات الجنائيـة تحمـي حريـة الإنسـان، بـافتراض براءتـه طيلـة الأدوار
التي تمر بها الدعوى العمومية، منذ تحريك الاتهام ضده إلى ان يصدر حكم قضائي بإدانته. فإذا ما
صـدر الحكـم بإدانتـه فـإن ذلـك يعنـي ان الإجـراءات الجنائيـة قـد أثبتـت إدانتـه فـي إطـار مـن الشـرعية

ً بمقتضى القانون
P2T) .2 (الإجرائية، وعندئذ يصبح المساس بحريته امرا TP137F2 ً مشروعا
ومن ثم صح القول ان قرينة البراءة تعد حجر الزاوية للعدالة الجنائيـة فـي العصـر الحـديث، ذلـك
ً ان مبــدأ شــرعية الجــرائم والعقوبــات هــو دســتور قــانون العقوبــات، فانــه مــن

انــه إذا كــان صــحيحا
الصحيح كذلك ان قرينة البراءة هي دسـتور قـانون الإجـراءات الجنائيـة، وتتفـرع عنهـا سـائر القواعـد
2 التي يقوم عليها هذا القانونTP138F
(3) .P2T

المبحث الثاني
نطــــاق البـــــراءة

– تمهيد وتقسيم:
انظر / (2 (
– احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977 ،ص106.
– احمد ادريس احمد، “افتراض براءة المتهم (دراسة مقارنة)”، المرجع السابق، ص194 ،195.
جلال ثروت، “أصول المحاكمات الجزائية”، الدار الجامعية، بيروت، 1991 ،ص203) .3(

( 47 )
يقصـد بنطـاق قرينـة البـراءة، المـدى الـذي يصـل اليـه تطبيـق هـذه القرينـة، وبتعبيـر آخـر حـدود
تطبيـق قرينـة البـراءة، سـواء الحـدود المتعلقـة بتطبيقهـا فـي القـوانين، أو تلـك المتعلقـة بالأشـخاص
المسـتفيدين مـن تطبيقهـا، وكـذلك نطـاق البـراءة فـي عمليـة الإثبـات الجنـائي، ومـدى التـزام السـلطات
المعنية بالدعوى الجنائية بتطبيق قرينة البراءة في المراحل المختلفة للدعوى الجنائية.
بناء على ما تقدم نتناول هذا المبحث بأربعة مطالب:-
الأول / نطاق تطبيق البراءة في القوانين
الثاني / نطاق استفادة المتهم من البراءة
الثالث / نطاق تطبيق البراءة في الإثبات الجنائي.
الرابع / نطاق تطبيق البراءة في المراحل الدعوى الجنائية.

المطلب الأول
نطاق تطبيق البراءة في القوانين

هـل يقتصـر تطبيـق قرينـة البـراءة فـي القـانون الجنـائي فحسـب؟ وبمعنـى آخـر هـل هنـاك قـوانين
أخرى تطبق هذه القرينة؟.

ً بأصل البراءة سوى المتهمين بجريمة جنائية، أي ان تطبيـق

من الناحية العملية لا يتمتع أساسا
المبدأ ينحصر في القانون الجنائي وبصورة خاصة فـي الإجـراءات المتعلقـة بـالتحقيق والمحاكمـة، إلا
ان الأصل في المتهم البراءة – وحسب القضاء الأوربي – يمكن التمسك به في مواجهـة أي شـخص
ً مـن قبـل احـد أجهـزة الدولـة، فـلا ينحصـر اصـل البـراءة فـي إجـراءات الخصـومة

ينسـب اليـه اتهامـا

ٕجراءات المحاكمـة

الجنائية حين تتحرك الدعوى الجنائية، بل ينعكس أيضا على إجراءات الاستدلال وا
2 التأديبية ايضاTP139F
(1) .P2T
فلا جدال ان مبدأ البراءة منذ نشأته يتعلق بافتراض براءة الشخص الذي يتعرض لاتهام بارتكـاب
جريمة، وان تطبيقه واجب ومفروض في الدعوى الجنائيـة سـواء نـص عليهـا القـانون الجنـائي ام لـم
ً يستند في تطبيقه إلى مبدأ البراءة – ان لم يوجد نص جنـائي – إلـى

ينص، فالقضاء الجنائي عموما
احمد فتحي سرور، “الحماية الدستورية للحقوق والحريات”، المرجع السابق، ص601) .1 (

( 48 )
التشريع الدستوري أو التشريعات الدولية، أو في اقل تقدير يقـوم بتطبيقـه بصـورة ضـمنية مـن خـلال
أسس وضمانات المحاكمة العادلة.
ومع ذلك بعض الأفكار الحديثـة حاولـت توسـيع هـذا المفهـوم العملـي – لقرينـة البـراءة – ليشـمل
حالة الشـخص الـذي يواجـه اتهامـات مـن شـأنها ان تفضـي إلـى توقيـع الجـزاء عليـه، لارتكابـه بعـض
الوقـائع التـي قـد لا تبـدو جنائيـة، علـى وفـق المفـاهيم التقليديـة للجـرائم الجنائيـة، والعقوبـات المقـررة
لها، بل هي وقائع اقرب إلى الطبيعة الإدارية أو المدنية.
اذ ان تطبيق مبدأ البراءة يرتكز في المقام الأول علـى مفهـوم الاتهـام فـي معنـاه الموضـوعي فـي
ً المسائل الجنائية، من حيث ان ثبـوت صـحة الاتهـام مـن شـأنه ان يحقـق عقوبـة مؤلمـة –
أو تـدبيرا
ً – ذا معنى رادع ومانع للفرد والمجتمع على حد سواء. ومن ثم أي قانون يحقق هذا المعنـى
احترازيا

ً لعده ذا طابع جنائي، لأغراض تطبيق مبدأ البراءة.

للاتهام يكون كافيا
ً لذلك – ومنذ سنة 1967 – أكدت لجنة حقـوق الإنسـان فـي “استراسـبورج” بأنـه لا يجـوز
تطبيقا

ً للـرأي العـام بـأن

فـي مـؤتمر صـحفي نظمـه وزيـر الداخليـة، أثـر وقـوع جريمـة قتـل أن يصـدر إعلانـا

ً باسـمه، قـد حـرض علـى ارتكـاب الجريمـة، لمـا ينطـوي عليـه هـذا الإعـلان مـن انتهـاك
ً معينـا
شخصـا
P2T) .2 (صريح لأصل البراءة الذي يتمتع به الإنسانTP140F2
كمــا أصــدرت محكمــة اســتئناف بــاريس – وايــدتها فــي ذلــك الــدائرة التجاريــة لمحكمــة الــنقض
ً 7 من مايو (أيار) عام 1997 ألغت فيه قرار صادر من لجنة عمليات البورصة الفرنسية – في

حكما

– وهي لجنـة إداريـة – تجـاه رئـيس مجلـس إدارة شـركة “فيـونكس – Phenix ،”نتيجـة اعتـداء هـذه
اللجنة على تمتع المدعي عليه بأصـله مـن البـراءة، وذلـك قبـل إصـدار قرارهـا بمعاقبـة الشـركة بجـزاء
مــالي. فالصــفة العقابيــة والزاجــرة للجــزاءات الماليــة التــي يجــوز للجنــة البورصــة ان توقعهــا بســبب
مخالفة لوائحها توجب كما في المسائل الجنائية، احترام السلطة – التي تتولى توقيع

P2T) .1 (الجزاء – لقرينة البراءة التي يستفيد منها الشخص الملاحقTP14F2
احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري” دار الشروق، القاهرة، 2001 ،ص 258) .2 (
تـتلخص هـذه القضـية فـي ان ( لجنـة عمليـات البورصـة الفرنسـية – COB (عاقبـت السـيد (اوري – Oury (رئـيس (1(
مجلس شركة فيونكس، بجزاء مالي قدره نصف مليون فرنك، لقيام الشركة بتوزيع نشرة مالية – بشـأن عمليـة خاصـة
عن (اوري) بقرار الإدانة امام محكمـة اسـتئناف بـاريس، فصـدر الحكـم بالغـاء غير دقيقة. فط بأحد فروعها – غير صادقة و
هـذا القـرار بسـبب اعتـداء اللجنـة علـى حـق المـدعي عليـه بقرينـة البـراءة، عنـدما ادانـه رئـيس لجنـة البورصـة بتهمـة
ً ادانـة
مخالفة الالتزام بالادلاء بمعلومات غير صحيحة للجمهور، وذلك عندما تحدث إلى جريدة الحياة الفرنسية مؤكدا

( 49 )
ومن أحدث القوانين التي نصت على مبدأ البراءة، التعديل الذي تم على التقنين المدني الفرنسـي
في يناير (كانون الثاني) 1993 ،بإضافة المادة 9/1 والتي أرسـت الحمايـة المدنيـة للحـق فـي قرينـة
TP142F2البراءة) 2) .P2T
في ظل ما تقدم، يمكن القول ان اصل البراءة لم يعـد مجـرد مبـدأ مـن المبـادئ التـي تهـيمن علـى
ً
ً أكثـر اتسـاعا

سير الدعوى الجنائية وبصفة خاصة بشأن الإثبات الجنائي فحسب، بل انه اتخذ أبعادا
من نطاقه التقليدي، ليشمل الحماية المدنية بل والحماية الإدارية، إذا ما تعرض الشـخص لأي اتهـام
من قبل احد أجهزة الدولة.

المطلب الثاني
نطاق استفادة المتهم من البراءة

هل البراءة الأصلية مفترضة للجميع، ام يتمتع بها المتهم فقـط، وان كانـت كـذلك هـل هـي حصـر
على بعـض المتهمـين ام يسـتفيد منهـا المتهمـون جمـيعهم؟ وبتعبيـر آخـر هـل للخطـورة الإجراميـة أو
للسوابق القضائية تأثير سلبي على تمتع المتهم بالبراءة المفترضة وهل لجسامة الجريمـة أو تعـددها
مثل هذا الأثر؟.
يتميز مبدأ البراءة بعده ضمانة جوهرية يتمتع بها الأفراد كافة منذ ميلادهم، علاوة على ما يتسم
ً عن عموميته مما يجعل نطاقه يمتد ليشمل كافة

به من استمرارية تحول دون امكانية انهياره، فضلا
2 تصرفات الأفراد بصفة عامة، وبصفة خاصة عندما يكون الإنسان في موضع الاتهامTP143F
(1) .P2T

الشركة، قبل صدور حكم نهائي بالقضية. يمكن الرجوع إلى هذا الحكـم وملحقاتـه فـي موقـع محكمـة الـنقض الفرنسـية
على شبكة الانترنت: fr.courdecassation.www.
مشار اليه لدى – اسامة ابو الحسن مجاهد، المرجع السابق، ص78 -80.
انظر في ذلك، مدحت رمضان، “تدعيم قرينـة البـراءة فـي مرحلـة الاسـتدلالات – فـي ضـوء تعـديلات قـانون الإجـراءات (2(
الجنائية الفر نسي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001 ،ص8.
انظــر فــي ذلــك: احمــد ضــياء الــدين خليــل، “قواعــد الإجــراءات الجنائيــة”، ج2 ،مطــابع الطــوبجي، القــاهرة، 1999) ،1(
ص250.

( 50 )
ذلك ان قرينة البراءة ضمانة مطلقة يستفيد منها المتهمـون جمـيعهم، يسـتوي فـي ذلـك مـن كـان
ً، وسـواء أكـان مـن طائفـة المجـرمين
ً أو محترفـا
ً – يرتكب الجريمة لأول مرة – ومن كان عائـدا
مبتدئا
P2T) .2 (بالصدفة ام من طائفة المجرمين بالتكوين أو المرضىTP14F2
كما ليس للإدانة السابقة أو الخطورة الإجرامية لدى المـتهم أو مـدى جسـامة ونـوع الجريمـة، أي
دور في منع تمتع المتهم بالبراءة المفترضة قبـل ثبـوت الإدانـة، ذلـك لا يعنـي إنكـار أثرهـا البـالغ فـي
P2T) .3 (نطاقه العقوبة من حيث قدرها ونوعهاTP145F2

ً
بل ان كل من يتمتع بالأهلية الجنائية، ووضع فـي موضـع الاتهـام الجنـائي، سـواء أكـان شخصـا
ً، وسـواء
ً تبعيـا
ً فـي الجريمـة ام مسـاهما
ً اصـليا
ً، وسـواء اتهـم بعـده مسـاهما
ً معنويـا
ً أم شخصـا
طبيعيا

ً عن فعله الشخصي عن فعل الغير، له الحق في التمتع بأصل البراءة.

ً اتهم بعده مسؤولا
، ام مسؤولا

امــا فيمــا يتعلــق بالحريــة الفرديــة للمــتهم، فــإن الحاجــة تبــدو مسيســة إلــى حمايتهــا منــذ بدايــة
ً – الإجراءات الجنائية، ففي هذه المدة قد يقتضي البحث عن الأدلة وجمعهـا –
وهـو مـا يحـدث غالبـا
اتخاذ بعض الإجراءات الجبر ية المسيسة بحرية المتهم، كالقبض أو التفتيش، أو التوقيف، هنا تبـدو
أهمية قرينة البراءة بالنسبة للمتهم، غير ان ذلك لا يعنـي انـه فـي مرحلـة المحاكمـة لا تثـور مشـكلة
الحرية الفردية، إذ أباح القانون للمحكمة استكمال التحقيق الذي بدأته سلطات التحقيق، الأمر الـذي
يعني إباحة اتخاذ إجراءات جبرية مشابهة لتلك التي تتخذ أثنـاء التحقيـق الابتـدائي، ولكـن لمـا كانـت
المرحلـة الأولـى مقـررة بصـفة أساسـية للبحـث عـن الأدلـة وجميعهـا، فـإن مخـاطر المسـاس بالحريـة
ً. اما مرحلة المحاكمة فهي مخصصة أساسا لفحص وتقدير عناصر

الفردية خلالها تبدو اكثر احتمالا
الإثبات، ومن هنا قـد لا تكـون ثمـة حاجـة لاتخـاذ الإجـراءات الجبريـة إزاء المـتهم، إذا كانـت عناصـر
P2T ،عليه فإن أصل البراءة التي يتمتع بها المتهم، يجب أن تفضي إلى معاملة ثابتـة (1 (التحقيق مكتملةTP146F2
ً فــي الإجــراءات كافــة التــي تتخــذها الســلطات المعنيــة بالــدعوى
ً بريئــا
لــه، تســتند إلــى عــده شخصــا
الجنائية.

ً لعلم العقـاب، علـى أسـاس خطـورتهم الإجراميـة، إلـى مجـرم عرضـي، مجـرم بـالتكوين، مجـرم (2 (
اذ يتصف المجرمين وفقا
مرضي، وعليه تختلف باختلافهم معاملة كل منهم والجزاء أو التدبير المناسب له.
انظر في تفصيل ذلك: علي عبدالقادر القهوجي، “أصول علمي الإجرام والعقاب”، منشورات الحلبي الحقوقيـة، بيـروت،
2002 ،ص310 وما بعدها.
انظر في ذلك: محمد محمد مصباح القاضي، المرجع السابق، ص50) .3(
468) .1 (انظر في ذلك: السيد محمد حسن شريف، “النظرية العامة للإثبات الجنائي”، المرجع السابق، ص

( 51 )

المطلب الثالث

نطاق تطبيق البراءة في الإثبات الجنائي

إذا كـان تمتـع المـتهم بـالبراءة المفترضـة لا يتوقـف علـى جسـامة الجريمـة المرتكبـة أو خطورتهـا
ً بالجريمـة أو انـه قـد

الإجرامية، فهو لا يتوقف كذلك على مدى قوة الأدلة المتوافرة ضده، فكونه متلبسا

ً عـن الحكـم البـات الصـادر بالإدانـة

صدر من المـتهم اعتـراف مفصـل أو غيـره مـن الأدلـة، لا يغنـي أبـدا
لـدحض تلـك البـراءة، اذ ان تطبيـق اصـل البـراءة – ونحـن فـي صـدد المحاكمـة الجنائيـة – يعـد قرينـة
قانونية بسيطة، أي ليست قطعية، ومن ثم يمكن إثبات عكسها، حيـث يترتـب علـى هـذه القرينـة، لـيس
ٕنما يلتزم الادعـاء

فقط عدم التزام المتهم (المدعى عليه ) بإثبات براءته، لأن ذلك اصل مفترض فيه، وا

ً بحقـوق مدن

ً العـام والمتضـرر مـن الجريمـة ( إذا أقـام نفسـه مـدعيا
يـة )، بإثبـات وقـوع الجريمـة قانونـا

P2T) .2 (ومسؤولية المتهم عنهاTP147F2
اذ ان هذه القرينة لا يكفي لدحضـها وأبعادهـا، الأدلـة أو الوقـائع المقدمـة أو مجـرد الادعـاءات مـن
اية جهة كانت، بل تستمر قائمة ومرافقة للمتهم، إلى ان تثبت إدانته بحكم قضائي بات، ذلك انه مهما
توافرت الأدلة أو قويت ضد المتهم أو المشتبه به، فإن القانون يعد الحكم القضـائي البـات، وحـده فقـط
ً بمـا كـان عليـه مـن

عنوان الحقيقة التي لا تقبل المجادلة. ومادام الأمر كذلك فـان المـتهم يبقـى متمتعـا
P2T) .3 (اصل البراءة، حتى حصول ما يغير ذلك الوصف أو ينفيه بأمر يقينيTP148F2
فــإذا كــان الــدليل قاصــرا – علــى وفــق المــادة ً ٍ أو غيــر كــاف، وجــب القضــاء بــالافراج عــن المــتهم
(182/ب) اصـولية – َّ ، لأن الشـك ينبغـي ان يفسـر لمصـلحته بعـد هـذه القاعـدة مـن ابـرز نتـائج قرينـة
البراءة، فيما يتعلق بتقدير أدلة الإثبات، وعليه يجب الإقرار ان الأصل فـي المـتهم البـراءة يفـرض علـى
سلطة الاتهام عبء الإثبات منذ بدء الإجراءات الجنائية حتى نهايتها.

ً علـى عـاتق الادعـاء العـام، فيكـون

إذ من مقتضى تطبيق قرينة البـراءة القـاء عـبء الإثبـات كـاملا

ً، ومن ثم اثبات أركـان
ً ومعنويا
على سلطة الاتهام ان ٕ تثبت صحة وقوع الفعل واسناده إلى المتهم ماديا
انظر: محمد زكي ابو عامر: “الإثبات في المواد الجنائية”، الفنية للطباعة والنشر، الإسكندرية، 1985 ،ص45) .2 (
انظر في هذا المعنى كل من: (3 (
– احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977 ،ص124.
– حسين جميل، “حقوق الإنسان والقانون الجنائي”، معهد البحوث والدراسات العربية، 1972 ،ص207.
– محمد محدة، المرجع السابق، ص226.

( 52 )
الجريمـة، والعناصـر المكونـة لهـا كافـة، والشـرط المفتـرض فـي بعـض الجـرائم، بـل والظـروف المشـددة

2 في الجريمةTP149F
ً
ً ام شريكا

P2T) .1 (الشخصية والمادية وتحديد صفة المتهم ما إذا كان فاعلا
ولا يتوقف اثر قرينة البراءة في عملية الإثبات الجنائي علـى أدلـة الإدانـة، بـل يلتـزم الادعـاء العـام
باثبات الأسباب التي تصب في صالح المتهم، في حالة دفـع المـتهم بأحـد تلـك الأسـباب، سـواء أكانـت
ً للإباحــة أو موانــع مســؤولية أو موانــع عقــاب وغيرهــا مــن الأســباب التــي تحــول دون عقــاب
أســبابا
TP150F2المتهم) 2) .P2T

المطلب الرابع

نطاق تطبيق البراءة في مراحل الدعوى الجنائية

ان غاية المبدأ الأساسية تكمن في حماية الحرية الفردية، والتي تستلزم بالضـرورة عـدم فـرض ايـة
ً
ً بريئـا
قيود على تطبيقه، وألا أدى ذلك إلى ضياع تلك الغاية وتعذر تحقيقهـا. فـالمتهم يجـب عـده دائمـا
فـي مواجهـة أي إجـراء جنـائي وأثنـاء أي مرحلـة مـن المراحـل المختلفـة للـدعوى الجنائيـة، حيـث يتسـع
تطبيق المبدأ ليشمل نطاقه الإجراءات الجنائية كافة التـي تتخـذ قبـل المشـتبه بـه أو المـتهم، سـواء فـي
مرحلة التحري وجمع الأدلة ام في مرحلة التحقيق الابتـدائي، وكـذلك فـي مرحلـة المحاكمـة، حتـى تثبـت
P2T ،الا ان الـبعض ذهـب إلـى (3 (إدانته بحكم قضائي نهائي، يترتب عليه تعطيل ذلـك المبـدأ بصـورة نسـبيةTP15F2
القول انـه بصـدور حكـم الإدانـة مـن محكمـة الموضـوع، تنقضـي معـه قرينـة البـراءة، ومـن ثـم إذا طعـن
المحكوم عليه في هذا الحكم، وقع عليه وحده عبء إثبات البراءة.
بيد ان معظم الفقه الجنائي يقرر بأن هذه القرينة تظل قائمة على الرغم من الحكم الأولـي الصـادر
ً – لا يدحضـه ويغيـره سـوى صـدور حكـم

بالإدانة، لأن حق الإنسـان بأصـله البـريء أمـر ثابـت – نسـبيا
قضائي بات. لذلك إذا مات المتهم أثناء مراحل الدعوى المختلفة، قبل ثبوت إدانته بصورة نهائية، فإنه
P2T) .1 (يموت على البراءة، لأنها أصله الثابتTP152F2
رأفت عبدالفتاح حلا وة، “الإثبات الجنائي – قواعده وادلته “، دراسة مقارنة بالشريعة الإسـلامية، دار النهضـة العربيـة، (1 (
.22 ،21ص، 2003 ،القاهرة
52) .2 (محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الوحدة والازدواجية”، المرجع السابق، ص
251) .3 (انظر في هذا المعنى: احمد ضياء الدين خليل، المرجع السابق، ص
محمـد محـي الـدين عـوض، “قـانون الإثبـات بـين الازدواج والوحـدة”، مجلـة القـانون والاقتصـاد، ع3 ،1967 ،القـاهرة (1(
ص49 هامش رقم(1.(

( 53 )

2 ولا يوصف الحكم بأنه بات (نهائي)TP153F

P2T ،ما لـم يكـن قـد اسـتنفد طرائـق الطعـن العاديـة وغيـر العاديـة (2(
P2T بوصـفه البـريء ومعاملتـه (3 (كافة، باستثناء حالات الطعن بإعادة المحاك 2مةTP154F

ً
. أي ان المتهم يظل متمتعا

علـى هـذا الأسـاس فـي مختلـف مراحـل الـدعوى الجنائيـة (الاسـتدلال، التحقيـق الابتـدائي، والمحاكمـة)
بإجراءاتها كافة، ومن ضمنها مراحل الطعن بالاعتراض على الحكم الغيـابي، والطعـن بـالتمييز، والطعـن
بتصحيح القرار التمييزي.

ً، انقلبـت قرينـة البـراءة،

فإذا ما أصبح الحكم بالإدانة – بعد تجاوزه كافة المراحـل السـابقة – نهائيـا
وتغيرت إلى قرينة تفيد ارتكاب الجريمة ومسؤوليته عنها، أي انـه فـي اللحظـة ذاتهـا التـي يصـبح فيهـا
ً، تـنهض قرينـة ضـد المـتهم هـي قرينـة الجـرم، لا يمكـن إثبـات عكسـها الا مـن خـلال

حكـم الإدانـة باتـا
الطعــن بطريــق اعــادة المحاكمــة، لــذلك إذا طعــن المــتهم أو بــالاحرى المحكــوم عليــه بطريــق اعــادة
ً للمحكـوم عليـه، حتـى

المحاكمة، يقع عليه وحده عبء اثبات براءته. ومع ذلك مبدأ البراءة يبقى قائمـا
بعد صدور الحكم البات، بل وخلا ل مرحلة تنفيذ العقوبة، وذلك إذا ما نسبت اليه وقائع جديدة، تختلـف
عن الواقعة محل الحكم، فكل ما يقوم به حكم الإدانـة البـات، انتفـاء حـق المحكـوم عليـه بـالبراءة، فيمـا
ً بهذا الحق، في أيـة واقعـة أخـرى خـلاف واقعـة

يتعلق بالواقعة محل الإدانة فحسب، أي انه يظل متمتعا
TP15F2الحكم) 4) .P2T

المبحث الثالث
أســــاس البــــراءة

– تمهيد وتقسيم:

الحكم البات أو النهائي هو كل حكم اكتسب الدرجـة القطعيـة، بـأن اسـتنفد اوجـه الطعـن القانونيـة جميعهـا أو انقضـت (2 (
المواعيد المقررة للطعن فيها. م(16 (من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
َّ الطعن بطريق اعادة المحاكمـة هـو الطريـق الثالـث مـن طرائـق الطعـن غيـر العاديـة فـي القـانون العراقـي، بعـد الطريـق (3(

ً، والثاني هو تصحيح القرار التميزي؟.

الأول هو الطعن تميزا
انظر: عبدالامير العكيلي، “اصول المحاكمات الجزائية”، الجزء الثاني، مطبعة المعارف، بغداد، 1974 ،ص336.
وان كان البعض يرفض عد هذا الطريق من طرائق الطعن في الأحكام الجنائية، وبأنه ليس سوى التماس باعادة نظـر

ً على ما استجد من وقائع بعد صدور الحكم.

الدعوى تأسيسا
انظر في تفصيل ذلك: سعيد حسـب االله، “اعـادة المحاكمـة وآثارهـا القـانوني”، رسـالة ماجسـتير، كليـة القـانون، جامعـة
بغداد، 1983 ،ص17.
251) .4 (انظر في هذا المعنى: احمد ضياء الدين خليل، المرجع السابق، ص

( 54 )
ان السـؤال الـذي يفـرض نفسـه فـي هـذا الخصـوص، هـو معرفـة مـا إذا كـان احتسـاب اصـل البـراءة
قرينة قانونية ام مجرد ميزة إجرائيـة، شـاء القـانون ان يعبـر بهـا عـن انحيـازه لمصـلحة المـتهم، ام اننـا
علـى العكـس، امـام موقـف مقصـود، ووضـع واقعـي، يلـزم ان نسـلم بـه، وننطلـق منـه لكشـف الحقيقـة
الواقعيـة، والتـي هـي غايـة الـدعوى الجنائيـة، والمجتمـع علـى حـد سـواء؟ تنـدرج الإجابـة – علـى هـذا
ً السؤال – ضمن جملة اعتبارات، تناولها الفقه الجن
ً لمبدأ “الأصل في المـتهم البـراءة” وتبريـرا
ائي، تأييدا
لعده قرينة قانونية أساسية في المحاكمة المنصفة.
بنـاء علـى ذلـك، سـوف نبحـث أسـاس قرينـة البـراءة مـن النـاحيتين الموضـوعية والإجرائيـة، فنفـرد
ً ٍ لكل منهما، وعلى الوجه الآتي:
ً مستقلا
مطلبا
المطلب الأول/ الأساس الموضو عي للبراءة.
المطلب الثاني/ الأساس الإجرائي للبراءة.

المطلب الأول
الأساس الموضوعي للبراءة

ً، وفـي
مـن المسـلم بـه انـه لا يمكـن وضـع قاعـدة عامـة تسـري علـى بنـي الإنسـان وسـلوكه جميعـا
الوقت ذاته لا يمكن إنكار دور الأصول السلوكية الغالبة فيه، ممـا يسـمح بوضـع نتـائج عامـة تتناسـب
مع هذا الدور، إذ ثمة مبادئ وأصول إنسانية تتولد عنها حقوق إجرائية، قد لا تجد أساسها في قانون
2 وضعي مكتوب، وانما تجده في القانون الطبيعيTP156F

P2T ،فمثل هـذه النتـائج والحقـوق تثبـت للإنسـان لمجـرد (1(

ً
2 كونه إنساناTP157F
(2) .P2T
ذلـك ان اصـل الإنسـان فـي أساسـه المجـرد، يعتمـد علـى المنطـق الطبيعـي للأمـور، الـذي يؤكـد ان
الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يقتصر ذلك في مجال أو نطـاق دون الآخـر، بـل تشـمل مجـالات الحيـاة
P2T .فالأشـياء والأفعـال كلهـا علـى الإباحـة والإطـلاق، حتـى يـأتي (1 (كافة، التي يصدق عليها المعنى نفسـهTP158F2
P2T) .2 (الحظر أو التقييد، فكل ما لم يرد بشأنه دليل شرعي أو نص قانوني، فهو في ظل الإباحة والإطلاقTP159F2
القانون الطبيعي هو مجموعة مـن القواعـد الطبيعيـة النابعـة مـن انسـانية الإنسـان، تنطبـق علـى الجميـع دون تمييـز، (1 (
والتي ينبغي ان تسود في المجتمع الانساني.
ليا ليفين،”حقوق الإنسان”، اتحاد المحاميين العرب، اليونسكو، ط1 ،دار المستقبل العربي، بيروت، 1986 ،ص13
عزمي عبدالفتاح عطية، “واجب القاضي فـي تحقيـق مبـدأ المواجهـة بعـدِّه اهـم تطبيـق لحـق الـدفاع”، مجلـة المحـامي، (2(
جمعية المحاميين الكويتية، س10 ،ع يوليو- اغسطس- سبتمبر، 1987 ،ص46.

( 55 )
ومـن جهـة أخـرى، كـل شـخص يولـد وذمتـه بريئـة، وشـغلها يحصـل بعـد ذلـك، أي ان “الأصـل فـي
الإنسـان بـراءة الذمـة”، وكـل مـن يـدعي خـلاف الأصـل عليـه ان يبـرهن علـى ذلـك. هـذا المبـدأ كمـا انـه
صـحيح فـي المعـاملات المدنيـة، فهـو صـحيح ايضـا عنـدما ينسـب إلـى شـخص مـا اقتـراف فعـل يجرمـه
TP160F2القانون) 3) ا، P2T

ً
ً غيـر مـألوف فـي حيـاة أي فـرد، ذلـك انـه إذا كـان طبيعيـا

ذ ان الجريمة في ذاتها، تعد أمرا

ان يجرم احد أفراد المجتمع، فمن غير الطبيعي ان يجـرم كـل فـرد فيـه، والقاعـدة ان الإنسـان يلتـزم فـي
تصرفاته، بقواعد المجتمع الذي يعيش فيه والاستثناء هو الخروج عنها، منسجمة فـي ذلـك مـع قاعـدة
فعل الخير لدى الإنسان، والاستثناء فعله للشر، وهذا ما يفسر قول الفقه بـأن قرينـة البـراءة تتفـق مـع
2 طبائع الأمورTP16F
(4) .P2T
ولما كان الأصل هو بقاء ما كان على ما كان، حتـى يثبـت عكسـه ممـن يدعيـه، ولمـا كـان الاتهـام
ً
في الدعوى الجنائية، يـدعي خـلاف الأصـل وهـو “البـراءة”، فإنـه إذا لـم يـنجح فـي إثبـات ادعائـه، اثباتـا
2 ، تعين الإبقاء على هذا الأصلTP162F
ً
قاطعا) 5) .P2T
ومن جهة ثالثة، لا يمكن اغفال ان الأصل في الأشياء غير المألوفـة العـدم، والعـدم يقـين، واليقـين
2 لا يزول إلا بيقين مثله، فلا يزول بالشكTP163F

P2T .فإذا نسب إلى شخص مـا، انـه ارتكـب جريمـة، فـإن مجـرد (6(
هـذا الادعـاء، لا يلغـي اصـل البـراءة فـي هـذا الشـخص، مـع الإقـرار بـأن هـذا الأصـل لا يعـدو ان يكـون
ً خـلاف الأصـل، ان يثبـت

قرينة قانونية بسيطة، أي يجوز إثبات عكسها، ومن ثم علـى مـن يـدعي امـرا

ً، فالقاعـدة ان الأصـل فـي الصـفات العارضـة
ً وعارضا
ً شاذا
صحة ما يدعيه، لأنه إذا كانت الجريمة أمرا
P2T) .1 (العدم، وعلى من يدعي وجودها ان يثبتهاTP164F2

246) .1 (انظر: احمد ضياء الدين خليل، “قواعد الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
– عبدالحكم فودة، “البراءة وعدم العقاب في الدعوى الجنائية”، المرجع السابق، ص466.
187) .2 (احمد ادريس احمد، “افتراض براءة المتهم”، المرجع السابق، ص
207) .3 (حسين جميل، “حقوق الإنسان والقانون الجنائي”، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: محمـود محمـود مصـطفى، “حمايـة حقـوق الإنسـان فـي الإجـراءات الجنائيـة”، مجلـة المحـامون، (4(
س43 ،ع12 ،1978 ،سوريا، ص319.
انظــر فــي ذلــك: محمــود نجيــب حســني، “شــرح قــانون الإجــراءات الجنائيــة”، دار النهضــة العربيــة، القــاهرة، 1988) ،5(
ص424.
محمـد محــي الــدين عــوض، “حقــوق الإنســان والإجــراءات المنيعــة وا التحــري”، بحــث ضــمن المــؤتمر الثــاني ٕجــراءات (6(
للجمعية المصرية للقانون الجنائي ( حماية حقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية)، الإسكندرية، 1988 ،ص109.
عمـر الفـاروق الحسـيني، “مـدى تعبيـر الحكـم الصـادر بالإدانـة غيـر الصـادر بالاجمـاع عـن الاقتنـاع اليقينـي للقاضـي (1(
الجنائي”، ص52 .مشار اليه لدى السيد محمد حسن، المرجع السابق، ص475.

( 56 )
ً عن ذلك، فإن الدعوى الجنائية تبدأ في صورة “شك” في اسناد واقعة إلـى المـتهم، وان هـدف
فضلا
إجراءاتها التالية هو تحويل هذا الشك إلى يقين، فاذا لم يتحقق ذلك، بقـي الشـك، وهـو عدالـة لا يكفـي
TP165F2للإدانة) 2) .P2T
ومن ثم يمكن القول – على وفـق هـذا المنطـق – بـأن الأصـل فـي الإنسـان هـو الخيـر دون الشـر،
والإطلاق في حياته دون التقييد، الإباحة دون التجريم، والبراءة دون التأثيم. على ان ذلـك الفهـم يجـب
استكماله، بالتماس كل ما من شأنه ان يؤدي إلى العـودة إلـى ذلـك الأصـل العـام، إذا مـا التـبس الأمـر،
وذلك على أساس ان القيد أو الخروج على الأصل امر عارض، يجـب ان يـزول عنـد الشـك فـي وجـوده
P2T ،حتـى مـع الاعتقـاد بـأن الـنفس الإنسـانية (3 (ومن ثم يتجلى مرة ثانية “الإطلاق، أو الإباحة أو البـراءة”TP16F2
أمارة بالسوء، وقد تدفع صاحبها إلى ارتكاب فعل الشر –أي الجريمة- الا ان هناك العديـد مـن الموانـع
التي تساند افتراض البراءة في كل فرد، وباتجـاه يعكـس اهميـة هـذا الافتـراض فـي الـدعوى الجنائيـة، اذ
ان الإنسان في المجتمع، يعيش تحت سيادة وسيطرة جزاءات أو موانع داخلية، واخـرى خارجيـة، تحـذر
وتنذر، تكافئ وتعاقب في محاولة لتوجيه نشاطه وسلوكه الوجهـة الصـحيحة، فـإن لـم يكـن للاولـى اثـر
فيــه، فلابــد للثانيــة مــن ذلــك الاثــر. تتجســد الموانــع الداخليــة، بــالجزاء الــديني، والجــزاء النفســي أو
P2T) .4 (المعنوي، بينما تتمثل الموانع الخارجية، بالجزاء الاجتماعي، والجزاء القانونيTP167F2
يمكننا تفسير ذلك، على أساس ان الدين –افتراضا- هو المانع الأول لارتكاب الجريمة، لما يخلقـه
من قوة معنوية تطغى على العقل فتمنعه مـن التهـور، وعلـى القلـب فتمنعـه مـن الشـطط، وعلـى الجسـد
ُقـد فـي الإنسـان، لعـل وعسـى ان

فتمنعه مـن الهـوى. وبعبـارة أخـرى الخـوف مـن العقـاب الإلهـي، فـاذا ف

ً الخوف من عقاب النفس للنفس.

تكون أخلاقه وتربيته مانعة له من فعل الشر والظلم، فهو إذا
فاذا لم يكن لهذا أو ذاك وجود، فقد يكون للعادة أو العرف والأصول الاجتماعية اثر في نفسه، بما
فيها من نبذ أو استهجان واستنكار، لمن يخرج عن قواعد المجتمع، وبتعبيـر آخـر الخـوف مـن العقـاب
الاجتمـاعي. وألا فهنـاك الـرادع الأخيـر، المتمثـل بـالجزاء السياسـي أو جـزاء الدولـة واقتضـاء حقهـا فـي

ً الخوف من العقاب القانوني (الجنائي ).

العقاب، فهو إذا

424) .2 (محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
247) .3 (احمد ضياء الدين خليل، “قواعد الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
(4) Essaid (M. J.): “La Presomption D’innocence”k Rabat, 1971, P.89.
مشار اليه لدى، السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص475.

( 57 )
مما يدفع إلى القول ان تلك الجزاءات، لابـد وان يكـون لهـا الـدور البـارز فـي منـع أو ردع الإنسـان
ً عـن واقـع تسـانده تجربـة الحيـاة،

من ارتكاب الجريمة، على نحـو يجعـل افتـراض بـراءة الإنسـان، تعبيـرا
P2T) .1 (بأكثر منها تعبيرا –فحسب- 2 مزروعة في النفس الإنسانيةTP168F ً عن مشاعر طيبة

المطلب الثاني
الأساس الإجرائي للبراءة

ّه قرينة قانونية تقبـل إثبـات العكـس،

ان افتراض البراءة في المتهم أثناء نظر الدعوى الجنائية، بعد

،ً
ً بريئـا
تفضي إلى نتائج صحيحة ومنطقية، ابرز تلك النتائج تتعلق بحسن معاملة المتهم، بعده إنسـانا
، كما ان إثبات واقعة الجريمة يقع على عاتق سلطة الاتهام، كونها الطرف الذي يـدعي خـلاف الأصـل
الظاهر، ولا يقع على عاتق المتهم اثبات براءته، لأنها ثابتة بحكم الأصـل. كـذلك تتجسـد بـراءة المـتهم
ً الأصلية في اهمية على القطع واليقين، وعليه فإن أي شك معقول يظهر

ان يكون الحكم الجنائي مبنيا
في ادلة الإثبات، ينبغي ان يفسر لمصلحة المتهم.
بينما افتراض الجرم في المتهم –وهو الحال عند استبعاد قرينة البراءة – يؤدي بنا إلى نتـائج غيـر
صحيحة أو في الأقل غير مقبولة، على وفق قواعـد العقـل والمنطـق، ويمكـن تفسـير تلـك النتيجـة، مـن
ً
خلال بيان تأثير ذلك الفرض علـى الحريـة الشخصـية للمـتهم، وحـق المـتهم بالـدفاع عـن نفسـه، فضـلا
عن أثره في الأخطاء المحتملة للدعوى الجنائية، بما يجعل تلك الجوانب من ابـرز الأسـس التـي تسـتند
اليها قرينة البراءة.
وعلى هدى ما تقدم، نتناول الأسس الإجرائية لقرينة البراءة من خلال ثلاثة فروع:
الفرع الأول / حماية الحرية الشخصية للمتهم.
الفرع الثاني / حق المتهم في الدفاع.
الفرع الثالث / الوقاية من الأخطاء القضائية.
الفرع الأول / حماية الحرية الشخصية للمتهم
ً إذا كان المتهم في ظل افتراض لم يرتكب ما نسب اليـه

ً، لاسيما ان كان فعلا
ً ضعيفا
البراءة شخصا

من اتهام، حيث يقف في مواجهة خصم قـوي وخبيـر، يمثـل المجتمـع هـو الادعـاء العـام، والـذي يتمتـع
بامتيازات سلطة الاتهام، مما يسمح له ذلك، القيام بإجراءات مسيسة بالحرية الشخصية للمتهم – وان
انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص43) .1 (

( 58 )
كانـت علـى وفـق شـر وط وقيـود حـددها القـانون – كـالقبض والتفتـيش والتوقيـف، فكيـف سـيكون مركـز
المتهم القانوني في ظل افتراض الجرم فيه؟.

ً بارتكابه جريمـة معينـة، ويكـون ذلـك
ً مذنبا
ّه شخصا
لابد ان معاملة المتهم ستكون على أساس عد
منذ بداية تحريك الدعوى الجنائية ضده، ممـا يخـول مختلـف السـلطات المعنيـة بـالإجراءات الجنائيـة –
سواء أكانت سلطة التحري ام سلطة التحقيق ام سلطة المحاكمة والحكم – القيام بأي إجراء يتبع عـادة
مع الشخص المدان، ومن ثم امكانية القبض عليه أو تفتيشه ومسكنه أو توقيفه واسـتجوابه بـدون أي
احتساب لحريته الشخصية، وما يتبع ذلك من انتهاكات لكرامتـه وحقـوق الإنسـانية، ممـا يجعـل المـتهم
2 عرضة لتحكم وتعسف تلك السلطاتTP169F
(1) .P2T

ً بــين الســلطة وبــين

ازاء هــذه النظــرة الخاطئــة للمــتهم، بــرزت اهميــة قرينــة البــراءة، بعــدها حــائلا
P2T.اذ يؤكد الفقه الجنائي ان الرغبة في حماية الحرية الفردية، كانت (2 (المساس بالحرية الشخصية للأفرادTP170F2
ً بالحسـبان ان هـذا الأصـل ينسـجم مـع

السبب وراء الاعتراف بقرينة البراءة في القانون الوضـعي، آخـذا
ً- أثـر P2T .فقــد جــاء الاعتـراف بهـا – (3 (الاعتبـار ات الدينيـة والأخلاقيـة التـي تهـتم بحمايـة الضعفــاءTP17F2
أساسـا
التجـاوزات الخطيـرة للسـلطات الجنائيـة فـي القـرون الماضـية، ممـا أثـار ضـمائر العديـد مـن رواد عصـر
النهضة –أمثال فولتير، مونتسيكيو، بيكاريا، جان جاك روسو – الذين استنكروا تلـك التجـاوزات وبينـوا
خطورتها البالغة على الحريات الشخصية للأفراد، محتسبين قرينـة البـراءة الحصـن والدعامـة الأساسـية
لحماية تلك الحريات في مواجهة سلطات الدولة، من خـلال معاملـة المـتهم بنـاء علـى تلـك القرينـة فـي
P2T) .4 (مختلف مراحل الدعوى الجنائية، إلى ان يثبت عكسها، بوساطة حكم قضائي جازمTP172F2

الفرع الثاني / كفالة حق المتهم في الدفاع

159) .1 (انظر في ذلك: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: عبدالستار الكبيسي، “ضمانات المتهم قبل واثناء المحاكمة”، المرجع السابق، ص3) .2(
122) .3 (احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
عبدالحميد الشواربي، عز الدين الدناصوري، “المسؤولية الجنائيـة فـي قـانوني العقوبـات والإجـراءات الجنائيـة”، منشـأة (4(
المعارف، الاسكندرية، بدون سنة طبع، ص869.

( 59 )
افتراض الجرم في حق المتهم، لن يسمح لـه بممارسـة فعالـة لحقـه فـي الـدفاع عـن نفسـه، لاسـيما
مع ضعف مركزه بالمقارنة مع مركز سـلطة الاتهـام فـي الـدعوى الجنائيـة، بمـا تملكـه مـن اختصاصـات
2 ووسائل تمكنها إثبات ما تدعيهTP173F
(1) .P2T

ولذلك قيل ان ميزان العدالة يميل في هذه الحالة – لصالح الاتهام، ففي حين الادعاء العـام، يملـك
التسهيلات العلمية والعملية كلها، فإن الدفاع تتضاءل امكاناته، ولا يحصل الا على قدر ضئيل من هذه
التسهيلات على وفق امكاناته المحدودة، وان إصلاح الميزان لا يتحقق – حسب تعبير المؤتمر العلمـي
P2T) .2 (الا بعد TP174F2 ّ الدولي لقانون العقوبات – فرض المساواة في الأسلحة بين المتهم والاتهام
ولا يتأتى ذلك إلا بإقرار قرينة البراءة في الدعوى الجنائية، التي تكفل له امكانية الدفاع عـن نفسـه
– علـى وفـق منطـق الموازنـة بـين الـدفاع والاتهـام – فتتـوفر لـه الوسـائل اللازمـة لتفنيـد الأدلـة التـي
ً علـى بـرئ، أو افـلات

يقدمها الادعاء العام، وتقديم أدلـة النفـي، ممـا تـتقلص معـه امكانيـة الحكـم ظلمـا
المجرم الحقيقي من العقاب.
لذلك يذهب معظم الفقه الجنـائي، إلـى التأكيـد بـأن أسـاس المحاكمـة العادلـة، يكمـن فـي اقـرار مبـدأ
2 البراءة لكل انسان، بما يفضي من ضمانات ونتائج تصب في صالح المسـاواة والعدالـةTP175F

P2T ،بـل ان دفـاع (3(
المتهم عن قرينة براءته هو حق مقدس، لابد من تحقيقه و لو تعارض مع صالح المجتمع، لأن الهيئـة
P2T) .4 (الاجتماعية التي لها حق الاتهام، لا يضيرها تبرئة مجرم، بقدر ما يضيرها ادانة برئTP176F2
وفـي هـذا الصـدد لاحـظ احـد علمـاء الإثبـات الجنـائي فـي الولايـات المتحـدة الأمريكيـة، ان مصـطلح
“قرينة البراءة” ينقل ايحاء خاص للمحلفين – يفيد الموازنة العادلة بـين الاتهـام والمـتهم – بـأن يضـعوا
ٕ بعيدا حضـار المـتهم إلـى المحكمـة، وان ً عن عقـولهم الشـكوك التـي تثـور مـن القـبض وقـرار

الاتهـام، وا

يتوصلوا إلى قرارهم، بناء على الدليل القانوني وحده. وعلى ذلـك فمـن الشـائع ان يخبـر محـامي الـدفاع

محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية في القانون المقارن”، المرجع السابق، ص56) .1 (
انظر في هذا المعنى: التوصـية الثانيـة “لمـؤتمر هـامبورج الـدولي الثـاني عشـر لقـانون العقوبـات” عـام 1979 ،مشـار (2(
اليه لدى: محمود محمود مصطفى، “حقوق المتهم في الدستور المصري والدستور المقـارن”، مجلـة مصـر المعاصـرة،
ع385 ،س70 ،يناير 1979 ،ص70.
حاتم بكار، “حماية حق المتهم في محاكمة عادلة”، منشأة المعارف، الاسكندرية، 1997 ،ص58) .3(
انظر في هذا المعنى: عبدالحميد محمد البعلي، “الحماية الجنائية للحقوق والحريات اثنـاء المحاكمـة الجنائيـة”، مجلـة (4(
الحقوق، جامعة الكويت، س18 ،ع4 ديسمبر 1994 ،ص104.

( 60 )
ً أكثـر مـن قصاصـة

هيئة المحلفـين خـلال بياناتـه الافتتاحيـة، ان قـرار الاتهـام أو الشـكوى، لا تعـد شـيئا
P2T) .1 (ورق، وذلك في تذكير صريح لأهمية 2″ قرينة البراءة”TP17F
ومن جهة أخرى التسـليم بـأن الأصـل فـي المـتهم الجـرم، يعنـي تجشـمه عـبء اثبـات براءتـه، اذ ان
افتراض الإدانة في المتهم، تلزمه بتقديم الدليل الـذي ينفـي عنـه ارتكـاب الجريمـة المنسـوبة اليـه، لأنـه
الطرف الذي يدعي خلاف الأصل. وبتعبير آخر على المـتهم ان يقـدم الـدليل الـذي يثبـت واقعـة سـلبية،
ً علـى وفـق القواعـد المنطقيـة،

هي عدم ارتكابه فعل الاتهام، وهو امر متعـذر، بـل يكـاد يكـون مسـتحيلا
مما يترتب عليه ان يصـبح المـتهم غيـر قـادر علـى إثبـات براءتـه، ويـؤدي ذلـك إلـى الحكـم بإدانتـه عـن
2 جريمة لم يرتكبها، حتى ولو عجز الاتهام عن تقديم أي دليل إثباتTP178F
(2) .P2T

كمـا ان افتـراض الجـرم فـي حـق المـتهم – مـن جهـة ثالثـة – يفضـي إلـى الأخـذ بقاعـدة ان المـتهم
مذنب حتى اثبات العكس، مما يسمح بقبول الحكم الجنائي المبني على الشك أو الظن. تفسـير ذلـك –
ً عـن الـدليل الاحتمـالي، يؤديـان إلـى الحكـم بالإدانـة،

على و فق هذا المنطق – ان افتـراض الـذنب فضـلا
باعتبار أن الشك يعزز الأصل، والأصل فـي هـذه الحالـة تجـريم المـتهم، ومـن ثـم فـإن “قاعـدة الشـك” لا
تفسر لمصلحة المتهم، بل لصالح الاتهام.
وعليه لا يوجد أدنى شك، بأن النتائج المحتملة لافتراض الجرم فـي المـتهم، تـؤدي إلـى ظلـم الكثيـر
ً عن تزايد احتمـالات إفـلات المجـرم الحقيقـي مـن العقـاب، وهـو

من الضحايا البريئة باسم العدالة، فضلا
ً بمصلحة المجتمع
P2T) .3 (ما يمثل ضررا TP179F2 ً مزدوجا

الفرع الثالث / الوقاية من الأخطاء القضائية
يسلم الفقه الجنائي، بارتكاب بعض الأخطاء التـي قـد تصـاحب الـدعوى الجنائيـة، مـن قبـل سـلطات
التحـري وجمـع الأدلـة أو التحقيـق أو المحاكمـة والحكـم، ممـا يترتـب عليـه أضـرار بالغـة الأثـر تصـيب
ً المــتهم، لاســي عــن الأضــرار الماديــة

ما مــا يتعلــق منهــا بحريتــه الشخصــية وكرامتــه الإنســانية، فضــلا

المحتملة.

(1 (ليونارد كافيس، “حقوق الإنسان في مرحلة المحاكمة فـي النظـام الأمريكـي للإجـراءات الجنائيـة”، مـن بحـوث المـؤتمر
الثـاني للجمعيـة المصـرية للقـانون الجنـائي (حمايـة حقـوق الإنسـان فـي الإجـراءات الجنائيـة)، الإسـكندرية، 1988 ،
ص362.
(2 (احمد فتحي سرور، “الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية”، الجزء الأول، مطبعة جامعة القاهرة، 1979 ،ص79.
(3 (انظر في هذا المعنى: السيد محمد حسن شريف، “النظرية العامة للاثبات الجنائي”، المرجع السابق، ص478.

( 61 )
ففي مرحلة التحري وجمع الأدلة، قد لا تتحرك الدعوى الجنائيـة ضـد الفاعـل الحقيقـي للجريمـة، أو
ً آخرين؟. وهو اجراء قـد تفرضـه تلـك المرحلـة، وقـد

ً ولكن تضم إلى جانبه أشخاصا

قد تتحرك ضده فعلا

ً
يعـود لسـوء الاتهـام. إذ ان تحقيقـات الشـرطة ومحاضـرها – وهـي اكثـر منـاطق الـدعوى الجنائيـة مثـارا
ً بسبب الإكراه الشرطي – هي اول اسباب سوء الاتهـام، إلـى درجـة دفعـت بعـض الفقـه

للشك، خصوصا

ً بقـانون – بانكـار

في فرنسا إلى المناداة – وقد قدم بالفعل إلى البرلمان الفرنسي سـنة 1952 مشـروعا
P2T) .1 (كل اثر قانوني لمحاضر الشرطةTP180F2
وفـي مرحلتـي التحـري والتحقيـق قـد تتخـذ السـلطات المعنيـة، العديـد مـن الإجـراءات الجبريـة، التـي
يكون من شأنها المساس بالحرية الشخصية للمتهم (كالقبض والتفتيش، والاستجواب، والتوقيف)، مما
يترتب عليـه الحـاق الضـرر بـالمتهم بغـض النظـر عـن مصـير الـدعوى الجنائيـة، أي سـواء صـدر امـر
بـرفض الـدعوى ام قضـي بـالبراءة، إذ تـدل السـوابق القضـائية، علـى ان كثيـرين يوضـعون فـي موقـف
ً (أي توقيفهم ) ثم يقضى ببراءتهم، بل قـد تظهـر ادلـة البـراءة، بعـد

الاتهام وقد يطول حبسهم احتياطيا
الحكــم البــات بالإدانــة، لــذا نجــد ان التشــريعات الوضــعية قــد أخــذت بمبــدأ الطعــن مــن خــلال إعــادة
2 المحاكمة، لرفع الخطأ الواقعي الذي اصاب الأحكام الباتة الصادرة بالإدانةTP18F
(2) .P2T

وفي مرحلة المحاكمـة يعـد الاقتنـاع المتعجـل لمحكمـة الموضـوع، المصـدر الـرئيس للخطـأ القضـائي
في هذه المرحلة الحاسمة للدعوى الجنائية، سواء بإصدارها الحكم دون تمحيص الأدلة المتعلقة بتوافر
أركان الجريمة التي عوقب المتهم بنـاء عليهـا، أو بعـدم الـرد علـى الـدفوع والطلبـات المقدمـة اليهـا مـن
الخصوم، أو دون مراعاة الضوابط المتعلقة بمقومات وخصائص الدليل الذي استمدت منـه قناعاتهـا أو
2 فـي تقـديرها لهـذا الـدليلTP182F

P2T بقاعـدة ان المـتهم مـذنب حتـى إثبـات البـراءة، مـع (3(

ً
، ومـن ثـم التسـليم جـدلا

ً بو جود تلك الأخطاء القضائية، سواء ما تعلق منها بسـوء الاتهـام أو الاقتنـاع المتعجـل،

التسليم أساسا

ً إلـى فقـدان الثقـة فـي عدالـة

وما تفضي اليه من أضرار مادية ومعنوية تنال المـتهم، ممـا يفضـي حتمـا
2 النظام القضائي في نظر المجتمعTP183F
(4) .P2T

44) .1 (محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر: محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص56) .2(
– سعيد حسب االله عبداالله، “شرح قانون اصول المحاكمات”، المرجع السابق، ص463.
انظر كذلك م(270 (من قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23 (لسنة 1971.
انظر في هذا المعنـى: فوزيـة عبدالسـتار، “شـرح قـانون الإجـراءات الجنائيـة”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة، 1986) ،3(
ص832.
محمد محمد مصباح القاضي، “حق الإنسان في محاكمة عادلة”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1996 ،ص45) .4(

( 62 )
من هنا تأتي أهمية قرينة البراءة، في انها تفـرض علـى قضـاة الموضـوع – حـال الحكـم بالإدانـة –
ً على الجزم واليقين، لا علـى الظـن والتخمـين، وان أي شـك يثـور لـديهم يتعـين

ان يكون اقتناعهم مبنيا
P2T 2 . واذا اخذنا بالحسبان صعوبة جبر الضرر الذي تسببه الأخطاء القضائيةTP185F) 1 (تفسيره لمصلحة المتهمTP184F2
(2) ،P2T
ً بالاعدام، وتم تنفيذ هذا الحكـم،

ً إذا كان الحكم بالإدانة صادرا

بل ان التعويض عنها قد يصبح مستحيلا

ً حتـى تثبـت

ّ المـتهم بريئـا

فـإن الشـيء الوحيـد الـذي يمكـن ان يخفـف مـن تلـك الآثـار الضـارة، هـو عـد
TP186Fادانته 2
P2T ،إذ في درء احتمالات الخطأ القضائي بوجه عـام، والجنـائي بوجـه خـاص، يظهـر كـم هـو مهـم (3(
دور التشـريع الإجرائـي، وذلـك بمقـدار اتصـال المسـؤولية الجنائيـة بـأرواح النـاس وحريـاتهم وكـرامتهم
وحقوقهم بعدهم مواطنين أبرياء وصالحين. فاذا كان الخطأ امر متوقع في أي نظـام مـن وضـع البشـر،
فمن الخطر التمادي فيه أو مداراته وعدم تصحيحه. وهنا يأتي دور قرينـة البـراءة فـي تفـادي مثـل هـذا
الخطأ، أو في الأقل في تقليل فرص الوقوع فيه أو التخفيف من آثاره التي تصيب المتهم.
وعلى ذلك قيل ان احتمالات الخلط بين البريء والسيء – والذي لا يدانيه بين الاحتمـالات البغيظـة
جميعها شيء آخر – مهما كانت دو اعيه أو مهما اختلطت الأسباب فيه، هو في النهاية قضـية النـاس

TP187F
ً
ً، وليس قضية إنسان معين قد أضير ظلما2
P2T) .4 (الأبرياء جميعا
نخلص مما تقدم ان قرينة البراءة، انما هي تعبير عن وضع منطقي، تتطـابق مـع طبيعـة الأشـياء،
أو طبائع الامور، يساندها الواقع وتعززها الاعتبـارات الفقهيـة والعمليـة، لا مجـرد ميـزة إجرائيـة فرضـتها
اعتبارات الفن القضائي.

المبحث الرابع
محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص789) .1 (
56) .2 (محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص
44) .3 (محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: هلالي عبداللاه احمد، “المركز القـانوني للمـتهم فـي مرحلـة التحقيـق الابتـدائي – دراسـة مقارنـة (4(
بالفكر الجنائي الاسلامي”، ط2 ،دار النهضة العربية، القاهرة، 1988 ،ص1 من المقدمة.

( 63 )

طبيعــة البــــراءة

– تمهيد وتقسيم:
يـراد “بطبيعـة البـراءة”، الإجابـة علـى الجـدل الفقهـي، حـول ماهيـة الطبيعـة القانونيـة لــ “الأصـل فـي
المتهم البراءة”؟ حيث يترتب على تحديد ذلك نتائج قانونية تختلف من طبيعة معينة إلى أخرى.
ّ فـالبعض مـن الفقـه القـانو و ان تكـون “حيلـة

ني يقـرر بـأن الطبيعـة القانونيـة لأصـل البـراءة، لا تعـد

ّها “مبـدأً”
قانونية”، والبعض الآخر يؤكد بأنها “حق من حقوق الإنسان”. والبعض الثالث يـذهب إلـى عـد
ً كبيرا ءة هي ً من الفقه الجنائي يقرر بأن الطبيعة القانونية لأصل البرا

ً لا غنى عنه، إلا أن جانبا
قانونيا

ً آخـر مـن الفقـه الجنـائي نفـى هـذا الاعتبـار الأخيـر عـن اصـل البـراءة،

“قرينـة قانونيـة”، غيـر ان جانبـا
وذهب إلى القول بأنها “افتراض قانوني”.
فما هي الطبيعة القانونية للأصل في المتهم البراءة، وما أثر تلك الطبيعة، لاسيما بالنسبة للمتهم؟
سـؤال أثـار ومـا زال جـدل فقهـي – لـم يصـل إلـى اجمـاع- حـول طبيعـة البـراءة فـي الإنسـان، وهـي فـي
الحقيقة دراسة حول طبيعة الإنسان ذاته.
بناء على ذلك نتناول الطبيعة القانونية لأصل البراءة، من خلال ايجاز المـذاهب الخمسـة السـابقة،
ً يضـمهم مطلـب نبـين فيـه تصـور الفقـه الجنـائي لطبيعـة أصـل البـراءة، ونـذهب

إذ نفرد لكـل مـنهم فرعـا
برأينا في مطلب ثاني، نبين فيه التصور المقترح لطبيعة أصل البراءة، وعلى الوجه الآتي:-

المطلب الأول/ تصور الفقه الجنائي لطبيعة البراءة.
المطلب الثاني/ التصور المقترح لطبيعة البراءة.

المطلب الأول
تصور الفقه الجنائي لطبيعة البراءة

تباينـت آراء الفقـه الجنـائي حـول الطبيعـة القانونيـة لأصـل البـراءة، ومـن أجـل الوقـوف علـى ذلـك
التباين، نبين في فروع خمسة رأي كل منهم وعلى الوجه الآتي:-

الفرع الأول / البراءة بعّدها حيلة قانونية

( 64 )
يقصد بالحيلة القانونية أو ما يعرف بـ” الفن القانوني”، بأنها احدى وسائل الصياغة القانونية التـي
ً لأثر قانوني معين، لولاها لما أمكن ترتيب هذا الاثرTP18F2
ً، توصلا

P2T) .1 (تجعل الشيء غير الصحيح صحيحا
وقد دفع بعض من الفقه الجنائي، إلـى ان “أصـل البـراءة” مثـال واضـح للحيلـة القانونيـة – وخاصـة
P2T إلـى ان القـانون قـد (2 (عند التلبس بالجريمة- بل وصفت “البـراءة” بأنهـا احـد أكاذيـب القـانونTP189F2

ً
، اسـتنادا

وضع بهذا الأصل “قناع البراءة” على المتهم، بغض النظر عن الوقائع المنسوبة اليه أو ادلتها، بقصـد
ترتيـب نتيجـة أو نتـائج قانونيـة معينـة، تظهـر فـي مـدى الحريـة الشخصـية التـي يجـب ان يتمتـع بهـا
ً
المتهم خلال الخصومة الجنائية، والتي يعكسـها القـانون إلـى ضـمانات لتـوفير محاكمـة منصـفة، فضـلا
عن تأثير هذه الحيلة في قواعد الإثبات الجنائي، فلا يتحمل المتهم عبأها، بـل ويخضـع للمعاملـة التـي

TP190F
ً
ً بريئا2
P2T) .3 (تتفق مع كونه شخصا
فـي الواقـع لا يمكـن عـد – فـي ّ بـراءة الإنسـان بمثابـة حيلـة قانونيـة، لأن هـذه الحيلـة لا تجـد لهـا
P2T) 4 (الأحوال جميعها – أي تطبيق في مجال قواعد القانون الجنائي بأسرهTP19F2

ً
. كما ان أصل البراءة ليس امرا
ً بل هو أمر فطر عليه الإنسان وحق مـن حقوقـه الأساسـية، بـل هـو ضـمان لا غنـى عنـه فـي
مصطنعا
P2T) .5 (تأسيس الديمقراطي 2 ة التي لا تقوم الا على احترام حقوق الإنسانTP192F
ً عن ان الإثبات في المواد الجنائية – حيث تنعكس احكامه بطريقة مباشرة علـى حـق المـتهم
فضلا
فـي حمايـة سـمعته وحريتـه وشـرفه، وحـق المجتمـع فـي تجـريم يقينـي قـائم علـى الحـق والشـرعية – لا
ينبغـي – عنـد عـدد كبيـر مـن فقهـاء القـانون الجنـائي – ان نسـتعين فيـه بالحيلـة، فـإذا كـان اسـتخدام
ً بإيجـاد حـل للنـزاع، علـى نحـو

ً في المـواد المدنيـة، باحتسـاب القاضـي المـدني مكلـف حتمـا
الحيلة حتما

ً بإيجـاد
ً من التعجيـز، فـإن القاضـي الجنـائي لـيس مكلفـا

يكون حرمانه من استخدام الحيل والقرائن نوعا
حل للنـزاع، بـل هـو مكلـف بكشـف الحقيقـة، فـإن تـيقن مـن وقـوع الجريمـة ونسـبتها إلـى المـتهم اصـدر
P2T) .6 (حكمه بالإدانة، والا فإن عليه ان يصدر الحكم ببراءة المتهم مما نسب اليه من اتهامTP193F2
الفرع الثاني / البراءة ب ّعدها حق شخصي
عطية علي عطية مهنا، “الإثبات بالقرائن في المواد الجنائية”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعـة القـاهرة، 1988) ،1 (
ص135 .مشار اليه لدى: السيد محمد حسن الشريف، المرجع السابق، ص459.
وهو رأي للفقيه “كورني – Corni ،”انظر في ذلك: (2(

Serge Guinchard et Jacques Buisson, Procedure Penale, Litec, 2000, P.290.

مشار اليه لدى: احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص251.
595) .3 (انظر في ذلك: احمد فتحي سرور، “الحماية الدستورية للحقوق والحريات”، المرجع السابق، ص
42 في الهامش. (4 (انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، المرجع السابق، ص
252) .5 (انظر : احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص
(6 (انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابوعامر، المرجع السابق، ص42.

( 65 )
لم ينته الاتجاه السابق إلى القبول فـي القـانون الجنـائي، لـذا ذهـب جانـب آخـر مـن الفقـه الجنـائي
ً
إلى ان “اصل البراءة” ما هو الا حق من الحقوق اللصيقة بالشخصية، تلك الحقـوق التـي تثبـت اساسـا
لكل فرد في المجتمع كونه من بني الإنسان، بصرف النظر عن أي اعتبار آخر، وهو حق يثبت له منذ
2 ميلاده، ولا يتصور امكان الحرمان منه لأي سبب أو مبررTP194F
(1) .P2T

ويعد الحق في البراءة الأصـلية مـن الحقـوق الأساسـية للإنسـان، يواجـه بـه السـلطة إذا مـا تعـرض
للاتهـام، فحـق الدولـة فـي توقيـع العقـاب علـى المـتهم، وسـلطتها فـي جمـع الأدلـة واتخـاذ الإجـراءات
الجنائية ضده – من استجواب وقبض وتفتيش وغيرها من إجراءات التحقيق والمحاكمة – يمنح الدولـة
سيطرة على المتهم الذي يقف امامها في موقف اضعف قـد يـؤدي بحريتـه، ولا سـبيل لـه فـي كثيـر مـن
P2T) .2 (الأحيان سوى ان يلوذ بحقه الأصيل في ان الأصل في المتهم البراءةTP195F2
وعليه يقرر انصار هذا الجانب – حول الجدل الفقهـي فـي طبيعـة اصـل البـراءة – بـأن هـذا الأصـل
“حـق شخصـي عـام” فهـو حـق شخصـي لأنـه يسـتهدف حمايـة مصـالح المـتهم بتمكينـه مـن ان يحـاكم
محاكمـة عادلـة، والدولـة عليهـا ان تلتـزم بتـوفير ضـمانات هـذه المحاكمـة، والتـي يكمـن اساسـها (هـذه
المحاكمة وضماناتها ) في اصـل البـراءة، هـذا مـن جهـة، ومـن جهـة أخـرى فهـو حـق يتسـم بالعموميـة
ً عـن حمايتـه لمصـلحة المـتهم، يحقـق مصـلحة عامـة متمثلـة فـي كشـف الحقيقـة، واسـتيفاء
لأنه فضلا

ً
ً علـى كيانـه ودعمـا

حق المجتمع في العقـاب ممـن تعـدى علـى المصـالح التـي يحميهـا القـانون، حفاظـا
TP196F2لاستقراره) 3) .P2T
وذلك ما دفع بعض الفقـه للقـول بـأن الحـق فـي احتـرام البـراءة يتطـابق فـي الشـكل والمضـمون مـع
غيـره مـن الحقـوق اللصـيقة بالشخصـية بصـفة عامـة، فكمـا لا يترتـب علـى التـرخيص بكشـف مكنـون
السرية في حالات خاصة، الحرمان مـن هـذا الحـق، وكمـا يحـدث بجـواز تقييـد الحريـة دون زوال الحـق
فيها، فإنه ايضا لا يترتب على ثبوت التهمة على المتهم، نشوء حالة واقعية مؤداها انهيار ذلك الحق،
P2T) .4 (ومن ثم الحرمان من مكانتهTP197F2

(1 (احمد سلامة، “المدخل لدراسة القانون”، ج2 ،القاهرة، دار التعاون للنشر، 1974 ،ص170.
(2 (عـدلي حسـين، “الحمايـة الجنائيـة الإجرائيـة لحرمـة الحيـاة الخاصـة فـي النظـام القـانوني المصـري”، بحـث فـي كتـاب
“حقوق الإنسان”، م3 ،محمود شريف بسيوني و آخرين، دار العلم للملايين، بيروت، 1989 ،ص329.
(3 (انظر في هذا المعنـى: حـاتم بكـار، “حمايـة حـق المـتهم فـي محاكمـة عادلـة”، منشـأة المعـارف، الإسـكندرية، 1997 ،
ص54.
(4 (انظر في هذا المعنى: احمد ضياء الدين خليل، المرجع السابق، ص249.

( 66 )
جـدير بالـذكر فـي هـذا المجـال ان التقنـين المـدني الفرنسـي اضـاف مـؤخرا 9/1 (المتعلقـة ً، المـادة (
ً مـن
بأصل البراءة، والتي تميزت بخصوصية، تمثلت في انها قد رفعت من مقام هذا الأصل ليصبح حقا
TP198F2الشخصية الحقوق) 1) .P2T
بيد ان فكرة الحقوق الشخصية، كحقوق يحتج بها في الرابطة القانونية بين الأفراد والدولة، لم تلق
ً بـأن الدولـة صـاحبة حـق ذاتـي فـي

ً مـن قبـل الـبعض – يتصـدرهم الفقـه التقليـدي الألمـاني – قـولا
قبـولا
السـيادة، وهـذا يعطيهـا مكنـة فعـل مـا تريـد، فالقـانون مـن صـنعها، ومـن ثـم لا يتصـور – علـى وفـق
ً وعليـه فـلا حـق لهـم

ً علـى عاتقهـا قبـل الأفـراد الـذين تمـارس علـيهم تحكمـا

تصـورهم – ان يولـد التزامـا
TP19F2عليها) 2) .P2T
ً عـن أن فكـرة الحقـوق اللصـيقة بالشخصـية فكـرة مدنيـة، امـا اصـل البـراءة فـلا يخـص سـوى
فضـلا
القـانون الجنـائي، حتـى وان ترتبـت عليـه بعـض الآثـار المدنيـة المتمثلـة فـي التعـويض عـن الاعتـداء
عليها.
فإذا كان المشرع الفرنسي قد نص في القـانون المـدني علـى الحـق فـي احتـرام اصـل البـراءة، وذلـك
بعد – فـإن الفقـه ّ في الموضع المخصص لحماية الحياة الخاصة – القانون المـدني هـو القـانون الأعـم
قد انتقد هذا الوضع، مما حدا هذا الامر بالمشـرع إلـى الـنص علـى اصـل البـراءة فـي قـانون الإجـراءات
الجنائية، وذلك لأنه ثمة فارق بين احترام الحياة الخاصة واصل البراءة، فالأولى لها آثار مدنية بصـفة
أساسية، في حين ان الثانية لا تتعلق بغيـر القـانون الجنـائي، ممـا يتعـين معـه ان يكـون الـنص عليهـا
P2T) .3 (في قانون الإجراءات الجنائية، وبصفة خاصة في القسم الخاص بالإثباتTP20F2

(1 (انظر في تفصيل ذلك: اسامة ابو الحسن، ” الحماية المدنية للحق في قرينة البـراءة”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة،
2002 ،ص5 وما بعدها.
إذ أضـيفت تلـك المـادة فـي ينـاير، كـانون الثـاني 1993 ،والـذي اعتبـر “الحـق فـي احتـرام قرينـة البـراءة” مـن الحقـوق
الأساسية في القانون الفرنسي، وهو حق واجب الاحترام، من جانب رجـال العدالـة، وكـذلك مـن جانـب كـل مـن يتصـور
منه الاعتداء عليه – كوسائل الإعلام – الا انه في ظل وجود حق آخر من اكثر الحقوق قيمة بالنسبة للإنسان، وهو
حقه في التعبير عن رأيه بحرية، فإن التصادم بين هـذين الحقـين واقـع لا محالـة. الا ان العديـد مـن الأحكـام الصـادرة،
ً للمادة 9/1 من التقنين المدني الفرنسي أشارت إلى ان “الحق فـي قرينـة البـراءة”، يعلـو علـى “الحـق فـي حريـة
تطبيقا
التعبير”.
(2 (حاتم بكار، المرجع السابق، ص54.
(3 (انظر في ذلك: السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص460.

( 67 )

د

ً ً الفرع الثالث / البراءة بعِّ
ها مبدأ قانونيا
ّ البـراءة حيلـة قانونيـة أو حـق شخصـي، اتجـه كثيـر مـن فقهـاء القـانون

إزاء الـرفض السـابق لعـد
الجنائي إلى الوجهة التي تقرر بأن الأصل في الإنسان البراءة هو مبدأ اصيل وثابـت لا يحتمـل التغييـر
2 أو التعطيل في القانون الجنائيTP201F
(1) .P2T

ومن ثم فهو مبدأ أساسي في العدالة الجنائية يتسم بالاسـتقرار والسـمو، وجـوهره ان يتمتـع المـتهم
2 بكافة ما تمليه نتائج هذا المبدأ من الحرية والكرامة الإنسانيةTP20F
(2) .P2T

واذا كان انصار هذا الاتجاه حول طبيعة اصـل البـراءة، قـد اتفقـوا بأنـه مبـدأ ثابـت لا يمكـن تجاهلـه
في دولة يسودها القانون والعدالة الإنسانية، الا انهم لم يكونوا بوضع متحد حول مجال تطبيق البـراءة
بعدها مبدأ.

ّه مبدأ في القانون الجنائي أو العدالة الجن

P2T ،والبعض الآخـر يخـص (3 (فالبعض ي 2 ائية بصورة عامةTP203Fُ عد
P2T) 4 (تطبيق هذا المبدأ ف 2 ي اطار الإجراءات الجنائية فحسبTP204F

ّ
، الا ان البعض يتوسع في مجال تطبيقـه فيعـد
ً
2 اصل البراءة مبدأ من مبادئ النظـام القـانوني عمومـاTP205F

P2T ،بينمـا يـورده آخـرون كونـه مـن مبـادئ النظـام (5(

2 الديمقراطي فحسبTP206F
(6) P2T

ً
ِ مبـدأً إنسـانيا

ِّ ، غير ان البعض من الفقه الجنائي يؤكد بأنـه يشـمل ذلـك كلـه بعـده

ً
TP207Fعاما 2
(7) .P2T

انظر في ذلك: (1 (
– احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص246.
– عبدالستار الكبيسي، المرجع السابق، ص879.
– عبدالحافظ عبدالهادي عابد، “الإثبات الجنائي بالقرائن”، مطبعة الطوبجي، القاهرة، 1989 ،ص730.
– عبدالحميد الشواربي، “ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائية”،منشأة المعارف،الإسكندرية،1993 ،ص11
– اسامة عبداالله قايد، “حقوق وضمانات المشتبه فيـه فـي مرحلـة الاسـتدلال”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة، 1989 ،
ص140.
(2) H. Wigmore, Atreaties on the Anglo – American System of Evidence, Val.9, 3rd ed,
Boston, Little, Broun 8co., 1940, P.407.
عمر فاروق فحل، ” حماية حقوق الإنسان عبر قانون اصول المحاكمات الجزائية”، من بحوث المؤتمر الدولي الثـاني (3(
عشر للجمعية الدولية لقانون العقوبات، 1979 ،مجلة العدالة، الامارات، ع26 ،س8 ،يناير 1981 ،ص145.
جلال ثروت، “اصول المحاكمات الجزائية”، ج1 ،الدار الجامعية، بيروت، 1983 ،ص213) .4(
عبدالحميد الشواربي، “ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي”، المرجع السابق، ص11) .5(
246) .6 (احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص
156) .7 (احمد سعيد صوان، “قرينة البراءة وأهم نتائجها في المجال الجنائي”، المرجع السابق، ص

( 68 )

عدها قرينة قانونية

الفرع الرابع/ البراءة ب ِّ
إذا كان للاتجاه الأخير – في الطبيعة القانونية لأصل البراءة – انصار ومؤيدون، فإن جانب غالب
من الفقه الجنائي يعد “قرينة قانونية بسيطة”، بحيـث يعـود – علـى وفـق هـذا الاتجـاه – مصـدر ّ البراءة
P2T .ولتوضيح الرأي الذي ينـادي بـه هـذا الاتجـاه لابـد لنـا بدايـة مـن بيـان ماهيـة (1 (وجودها للقانون نفسهTP208F2
القرينة القانونية؟.
TP209F”القرينة “2
P2T هي استنباط امر غير ثابت من امر ثابت، والقرينة القانونية هـي مـا يسـتنبطه المشـرع (2(
من واقعه معلومة للدلالة على واقعة مجهولة يراد اثباتها، فيقرر المشرع – بنص – انه ما دامت هناك
P2T) .3 (واقعة ثابتة، فإن واقعة أخرى تثبت بثبوتهاTP210F2
P2T ،وهـي (4 (والقرينة القانونية تقسم بدورها استنادا TP21F2 ً إلى حجيتها في الإثبات إلى قرينـة قانونيـة قاطعـة
التي لها حجـة مطلقـة ولا تقبـل اثبـات العكـس، كعـد يـر مميـز ولا ّ الصـغير الـذي لـم يـتم سـن التاسـعة غ

ً
2 يسأل جنائياTP21F

P2T تخلـف الشـاهد (5(

ّ
، والى قرينة قانونية بسيطة، وهي التي يمكن اثبات عكسها، ومثالها عد

عـن الحضـور امـام المحكمـة علـى الـرغم مـن تبليغـه، قرينـة علـى امتناعـه عـن اداء الشـهادة، الا انـه

انظر في ذلك: (1 (
– محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص42.
– احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص124.
– عبدالحميـد الشـواربي، “الاخـلال بحـق الـدفاع فـي ضـوء الفقـه والقضـاء”، منشـأة المعـارف، الإسـكندرية، 1997 ،
ص128.
– محمد محدة، المرجع السابق، ص226.
– عبدالحكم فودة، “البراءة وعدم العقاب في الدعوى الجنائية”، المرجع السابق، ص466.
– محمد محمد مصباح القاضي، “حق الإنسان في محاكمة عادلة”، المرجع السابق، ص47.
وفي اللغة يقال قرن الشيء بالشيء أي وصله به، واقترن الشيء بغيره أي صاحبه، وقرينة الرجل امرأته. (2(
انظر محمد ابو بكر الرازي، مختار الصحاح، المركز العربي للثقافة والعلوم، بيروت، بدون تاريخ، ص391.
محمود محمد هاشم، “القضاء ونظام الإثبات في الفقه الإسلامي والأنظمة الوضـعية”، جامعـة الملـك سـعود، الريـاض، (3(
.385ص، 1988

ً غيـر ثابـت مـن أمـر ثابـت لديـه فـي الـدعوى المنظـورة. انظـر م

امـا القرينـة القضـائية فهـي اسـتنباط القاضـي أمـرا
(102 (من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979.
جدير بالذكر ان الفقه الحديث لم يعـد ينظـر إلـى القـرائن التـي لا تقبـل اثبـات العكـس علـى انهـا قـرائن بـالمعنى الفنـي، (4(
وانما يعدها قواعد موضوعية، اراد المشرع ان يفرض احكامها على الناس دون ان يسمح باثبات عكسها.
انظرفي هذا المعنى:محمود نجيب حسني،”النظرية العامة للقصد الجنائي”،دار النهضة العربية،القاهرة،1988 ،ص40
م 3/1 من قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983) .5(

( 69 )
ً لتخلفه، مما يجوز لهـا ان ترجـع عـن
ً مقبولا
يمكن إثبات عكس ذلك عندما يبدي الشاهد للمحكمة عذرا
P2T) .1 (الحكم الذي أصدرته بحق الشاهد بسبب تخلفهTP213F2
ويـذهب فقهـاء هـذا الاتجـاه للتأكيـد بـأن اصـل البـراءة هـو قرينـة قانونيـة بسـيطة، – والقرينـة كمـا
أسـلفنا هـي اسـتنتاج مجهـول مـن معلـوم، والمعلـوم – علـى وفـق هـذا التصـور – هـو ان الأصـل فـي
الأشياء الإباحة ما لم يتقرر العكس بحكم قضائي وبنـاء علـى نـص قـانوني، وقـوع الجريمـة واسـتحقاق
العقـاب، امـا المجهـول المسـتنتج مـن هـذا الأصـل هـو بـراءة الإنسـان حتـى تثبـت ادانتـه بحكـم قضـائي
TP214F2بات) 2) .P2T

ً صفة القرينة القانونية عـن اصـل البـراءة،

الا ان البعض من الفقه الجنائي انتقد هذا الاعتبار نافيا
مستندا – ً في ذلك إلى عدة اسباب يتمثل أبرزها فيما يأتي:
علـى وفـق عـد – تتمثـل فـي مبـدأ ّ أولا/ ان القول بأن الواقعة المعلومة (الثابتـة ) – البـراءة قرينـة
“الأصــل فــي الأشــياء الإباحــة”، وان الواقعــة المجهولــة هــي بــراءة المــتهم، هــو رأي قــد جانــب
P2T عــن ذلــك لا يتــوافر فــي هــذا (3 (الصــواب، لأن اصــل البــر اءة امــر معلــوم ولــيس مجهــولTP215F2

ً
. فضــلا
P2T) .4 (الحسبان معيار الراجح الغالب مثل كل القرائن القانونيةTP216F2
فلا خلاف بين قاعدتي ان الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الإنسان البـراءة، فهمـا قاعـدتان
متلازمتان، ولكل منهمـا مجالهـا القـانوني، فقاعـدة الأصـل فـي الأفعـال الإباحـة قاعـدة موضـوعية
تحمي الأفراد من خطر التجريم والعقاب بغير نص قـانوني يحـدد ماهيـة الأفعـال المجرمـة، ويقـرر

ً عن حماية الأفراد من خطر الأثر الرجعي للقانونTP217F2
P2T) .5 (الجزاء الجنائي لها، فضلا
امـا قاعـدة الأصـل فـي الإنسـان البـراءة، فهـي قاعـدة إجرائيـة تحمـي حريـات الأفـراد فـي مواجهـة
السلطة، كما انها تمثل ضمان لاحترام حقوق الإنسان وحريته ومعاملته على انه إنسان برئ فـي
2 مختلف مراحل الدعوى الجنائيةTP218F
(6) .P2T

انظر في معنى ذلك م (174 ( من قانون اصول المحاكمات الجزائية، رقم 23 لسنة 1971) .1 (
انظـر: احمـد فتحـي سـرور، “الشـرعية الدسـتورية وحقـوق الإنسـان فـي الإجـراءات الجنائيــة”، دار النهضـة العربيـة، (2(
القاهرة، 1996 ،ص186.
139) .3 (اسامة عبداالله قايد، المرجع السابق، ص
محمــود عبــدالعزيز خليفــة، “النظريــة العامــة للقــرائن فــي الإثبــات الجنــائي فــي التشــريع المصــري والمقــارن”، رســالة (4(
دكتوراه، جامعة عين شمس، القاهرة، 1987 ،ص747 .
مشار اليه لدى السيد محمد حسن شريف،المرجع السابق، ص461.
انظر في تفصيل المبدأ ونتائجه: علـي حسـين الخلـف، سـلطان الشـاوي، “المبـادئ العامـة فـي قـانون العقوبـات”، وزارة (5(
التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، 1982 ،ص30 وما بعدها.
140) .6 (انظر في هذا المعنى: اسامة عبداالله قايد، المرجع السابق، ص

( 70 )
ثانيــا/ ان القــرائن بأنواعهــا تتطلــب واقعــة أساســية يجــب اثباتهــا أولا، حتــى يمكــن أعمــال حكــم
القرينة، ولا ينطبق ذلـك علـى اصـل البـراءة، الـذي لا يتطلـب إثبـات و اقعـة أساسـية حتـى يجـوز
2 للمحكمة أعمال حكم الافتراض، ذلك انها ملزمة بأعمال حكمه ولو التزم المتهم الصمتTP219F
(1) .P2T
كما ان دور القرينة القانونية ينحصر في نقل عبء الإثبات أو في تسهيل عملية الإثبات،
ومـن المؤكـد ان قرينـة البـراءة لا يقتصـر دورهـا علـى جعـل عـبء الإثبـات علـى عـاتق سـلطة
الاتهـام، وانمـا لهـا دور أساسـي آخـر لا يقـل أهميـة عمـا سـبق، يتمثـل فـي انهـا ضـمان هـام
للحريـة الفرديـة فـي مجـال الإجـراءات الجنائيـة، ومـن ثـم فـإن نطـاق تطبيقهـا لا يقتصـر علـى
مرحلـة المحاكمـة – كمـا هـو الحـال فـي القرينـة القانونيـة – انمـا يمتـد إلـى المراحـل السـابقة
TP20F2عليها) 2) .P2T

ثالثا/ ان بعض دول العالم لا تنص في قوانينها على قرينة البراءة، ومع ذلك فهي تعمل بهـا فـي
واقع الامر، وذلك لأن اصل البراءة مبـدأ إنسـاني عـام، واصـبح مـن البـديهيات بحيـث لا يحتـاج
ٕ لا لأحتـاج إلـى مثـل ذلـك الـنص

إلـى نـص يلـزم تطبيقـه، ومـن ثـم فهـو لـيس قرينـة قانونيـة، وا
2 لتطبيقه في تلك الدولTP21F
(3) .P2T

رابعـا/ إذا كانـت القـرائن بأنواعهـا – فيمـا عـدا القرينـة القاطعـة – تشـترك فـي انهـا قابلـة لإثبـات
ً بـين هـذه القـرائن
ً جوهريـا
العكس، وهي في ذلك تتفق مع افتراض البراءة، غيـر أن هنـاك فارقـا
وبين البراءة، يتجسد في ان البينة المتطلبة إثبات العكـس فـي حالـة افتـراض البـراءة، يجـب ان
تكـون مـن القـوة بحيـث لا يتطـرق اليهـا أدنـى شـك معقـول، ولـيس الأمـر كـذلك بالنسـبة لهـذه
TP2F2القرائن) 4) .P2T

جدير بالذكر في هذا الخصوص، ما خلصت اليه المحكمة الدستورية العليا في مصر – فـي قضـاء
لها – بأن اصـل البـراءة لا يـتمخض عـن قرينـة قانونيـة، و لا هـو مـن صـورها، علـى أسـاس ان القرينـة
ً – القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلي – في الواقعـة مصـدر الحـق المـدعى بـه

ممثلا

73) .1 (احمد ادريس احمد، “افتراض براءة المتهم”، المرجع السابق، ص
461) .2 (السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص
156) .3 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
ويبدو ان هذا الشبه بين القرينـة واصـل البـراءة، هـو الـذي جعـل بعـض الفقهـاء يـدرجون البـراءة تحـت هـذا النـوع مـن (4(
القرائن. انظر في هذا المعنى: احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص74.

( 71 )
ً إلى واقعـة أخـرى، قريبـة منهـا، متصـلة بهـا، وهـذه الواقعـة البديلـة هـي التـي للواقعـة
ّ إثباتهـا إثباتـا
يعـد

الأولى بحكم القانون، وليس الامر كذلك بالنسبة إلى البراءة التي افترضها الدستور، فلـيس ثمـة واقعـة

TP23Fعنها 2
ً
P2T) .1 (أحلها الدستور محل واقعة أخرى، واقامها بديلا
هذه هي أهم الحجج التي استند اليها بعض مـن فقهـاء القـانون لنفـي صـفة القرينـة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous post القانون الجنائي : البراءة
Next post القانون الجنائي الجزء الرابع: البراءة