القانون الجنائي الجزء الرابع: البراءة

القانون الجنائي الجزء الرابع: البراءة

الفرع الأول / الرد على النقد المتعلق بالحرية الشخصية للمتهم

ّها معرقلـة لسـير التحقيـق، وبانهـا

انتقد البعض حق الصمت أو حـق المـتهم بـالتزام الصـمت، بعـد
قاعدة غير مبررة، ويرد على ذلك بأن حق المتهم في ابداء اقواله بحرية تامة، يعد من اهم ضمانات
الدفاع، إذ يستطيع المتهم تفنيد ادلة الاتهام الموجهة اليه، وتمكين المتهم من ممارسة هذا الحق لا
تقتصر مصلحته على المتهم لاظهار براءته فحسـب، بـل هـو أيضـا لمصـلحة العدالـة، التـي لا يعنيهـا
ان يدان المتهم، بقدر ما يعنيها التوصـل إلـى الحقيقـة بشـأن نسـبة الجريمـة إلـى المـتهم ومسـؤوليته
عنها، وان يكون التوصل إلى ذلك بوسيلة قانونية سليمة على وفق الإجراءات التي رسـمها القـانون،
ّ امتناعـه عـن

لذا يجب عـدم إجبـار أو اكـراه المـتهم بأيـة وسـيلة كانـت علـى الكـلام، كمـا لا يمكـن عـد
P2T) 1 (الاجابة 2 قرينة ضده بل هو حق له يكفله القانونTP327F

ً
، فاذا كـان للمـتهم حـق الكـلام بالحريـة كلهـا دفعـا
للاتهام الموجه ضده، فإن له ان يمتنع عن هذا الكلام إذا ما رأى ان ذلك أصلح له لتحقيق دفاعه.
كما ان للمتهم الحق في التزام الصمت وعدم الاجابة علـى مـا يوجـه اليـه مـن اسـئلة، مـا دام انـه
ً بإثبات براءتـه، فلـه ان يصـمت إذا رأى ان الصـمت وسـيلة أفضـل للـدفاع عـن نفسـه

غير ملزم قانونا
2 من الكلامTP328F
(2) .P2T

ّ هــذه
امــا فيمــا يتعلــق بإنقطــاع الصــلة بــين قرينــة البــراءة وضــمانات الحريــة الشخصــية، بعــد
ً على وفـق مبـادئ القـانون الجنـائي، وانهـا لـم تقـرر بسـبب قرينـة البـراءة،

الضمانات قد تقررت اصلا
وانما بسبب اعتبارات الاتهام. واستندوا في تبريـر هـذا الـرأي بوجـود تنـاقض بـين قرينـة البـراءة وبـين
الإجـراءات المسيسـة بحريـة المـتهم. يـرد علـى ذلـك ان تلـك الضـمانات لـم توجبهـا التشـريعات الا فـي
اعقاب القرن الثامن عشر استجابة لصيحات المصلحين من فلاسـفة ذلـك القـرن الـذين نـددوا بقسـوة
ً القـانون الجنـائي الـذي كـان يراعـى كرامـة

ً انسـانيا
ً آنـذاك ونـادوا بإصـلاحه حتـى يكـون قانونـا
سـائدا

الإنسان ويحتـرم حقوقـه وحرياتـه، فصـاغوا تلـك الحقـوق فـي مبـادئ انسـانية ثابتـة، وكـان مـن بينهـا
ً أساسـيا
ّه ضـمانة أساسـية مـن ضـمانات الحريـة الفرديـة، وحقـا

مبدأ الأصل في الإنسان البـراءة، بعـد
من حقوق الإنسان، بل هو الأساس الذي تنبثق منه تلك الضمانات والحقوق.
(1 (مأمون سلامة، “الإجراءات ج في التشريع المصري”، ج2 ،دار الفكر العربي، القاهرة، 1979 ،ص171.
محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات ج”، المرجع السابق، ص718.
انظر في ذلك: سامي صادق الملا، المرجع السابق، ص199) .2(

( 112 )
ثــم حرصــت اعلانــات حقــوق الإنســان المتعاقبــة علــى الــنص عليــه وتأكيــده، وســارعت دســاتير
ً، تكفله ضمانات دسـتورية يتقيـد بهـا المشـرع الإجرائـي عنـد

مختلف الدول إلى تسجيله مبدأ دستوريا
وضع قـانون الإجـراءات الجنائيـة، والنتيجـة الطبيعيـة أو الحتميـة لـذلك هـو صـدور تشـريعات اجرائيـة
ً إلى العدالة، حتى لا يدان بـرئ،

تكفل قواعدها، الضمانات الكفيلة باحترام هذا المبدأ الدستوري وصولا
P2T) .1 (ولا يفلت من العقاب مذنبTP329F2

ً القول بأن تلك الضـمانات فرضـت كونـه مـتهم فحسـب، فالصـحيح هـو القـول: لأن

وليس صحيحا
المتهم انسـان، فهـو يتمتـع باصـل الإنسـان مـن البـراءة، والتـي تفـرض بـدورها قرينـة للمـتهم لا يكفـل
ً عن ذلـك – فـي حالـة القبـول

ً نتيجة لذلك الأصل. فضلا

تطبيقها الا تلك الضمانات، والتي هي اساسا
ً بهذا النقد – لماذا لم تتضـمن التشـريعات القديمـة مثـل هـذه الضـمانات حمايـة لحقـوق المـتهم؟
جدلا
والاجابة على ذلك هي ان هذه الضمانات لم تتقرر للمتهم الا بعد تقريـر قرينـة البـراءة فـي المحاكمـة
TP30F2الجنائية) 2) .P2T
اما فيما يتعلق بما اسـتندوا اليـه مـن وجـود تنـاقض بـين قرينـة البـراءة وبـين الإجـراءات الجنائيـة
التي تصدرها سلطات التحقيق والمحاكمة في مواجهة المتهم، والقول بـأن هـذه الإجـراءات لا تتناسـب
مع وصف البرئ، ومن ثم لا سند لها من المنطـق أو القـانون، فإنـه يمكـن الـرد علـى ذلـك مـن خـلال
النقاط الآتية:-

أولا/ بداية هذه الإجراءات لا تتخذ الا إذا كان لها سند من الواقع، يتمثل في وجـود دلائـل كافيـة
ضد المتهم، الا ان هذه الدلائل لا تعني ان المـتهم مـذنب بالفعـل، بقـدر مـا تعنيـه ان اصـابع
الاتهام تشير اليه، مما يسمح بالحد من حريته الفردية، بالقدر الذي يتيح تمحيص الشك أو
الشبهات التي توافرت ضده نتيجة لهذه الدلائل، وهو مبرر كاف لاتخاذ مثل هذه الإجـراءات،
2 ما دامت انها تجري في حدود القانون، وفي اطار ما تسمح به مصلحة التحقيقTP31F
(3) .P2T

ثانيا/ ان هذه الإجراءات لا تتخذ الا إذا كان لهـا سـند مـن القـانون، سـواء فـي الدسـتور أو فـي
قانون الإجراءات الجنائية، إذ يقيد النص القانوني اتخاذ مثل هذه الإجراءات بشـروط قانونيـة

2 في استعمال الحقTP32F
ً

P2T) .4 (وموضوعية تكفل عدم اساءة استخدامها، بما يعد تعسفا

302) .1 (انظر : احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص
508) .2 (انظر في هذا المعنى، السيد محمد حسن، المرجع السابق، ص
60) .3 (انظر في ذلك: محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص
298) .4 (احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص

( 113 )
ً انهـا تسـلب السـلطات المختصـة

ً عما سبق فـإن تطبيـق قرينـة البـراءة لا يعنـي ابـدا

ثالثا/ فضلا
بالدعوى الجنائية من ممارسة اختصاصتها المتعلقة بالتحقيق أو المحاكمة فـي سـبيل كشـف
الحقيقـة المتعلقـة بالجريمـة ومعاقبـة المسـؤول عنهـا، إذ لا يتـأتى ذلـك الا باتخـاذ مثـل هـذه
الإجـراءات ويمكـن تبريـر ذلـك مـن خـلال المعادلـة الجوهريـة التـي يقـوم عليهـا وبهـا قـانون
الإجــراءات الجنائيــة، وأقصــد بهــا تلــك المحاولــة المســتمرة للتوفيــق والموازنــة بــين مصــلحة
P2T) .1 (المجتمع ومصلحة المتهمTP3F2

مما سبق يمكن القول بأنه لا تناقض أو تعارض بين قرينة البراءة واتخاذ مثل هـذه الإجـراءات فـي
مواجهة المتهم، ما دامت انها لا تقوم الا بقيام دلائل كافية، وبصورة مشروعة ومن خلال الموازنة بين
المصلحة العامة والحرية الفردية.

الفرع الثاني / الرد على النقد المتعلق بقواعد الإثبات الجنائي
اما فيما يتعلق بالنقد الموجه إلى عملية الإثبات الجنائي، والقول بـأن هـذه القواعـد تكفـي بـذاتها
ّها مـن آثارهـا، يمكـن الـرد علـى ذلـك بـالعودة إلـى طبيعـة الـدعوى

دون ربطهـا مـع قرينـة البـراءة بعـد
الجنائيـة ومـا تتميـز بـه مـن خصوصـية، إذ ان نظريـة الإثبـات فـي المـواد الجنائيـة تختلـف عنهـا فـي
القانون العام وعلى وجه الخصوص في القانون المدني وذلك في نطاق العقاب والحريات. فمنذ بداية
الإجراءات في الدعوى الجنائية تثور مصلحة العقاب مـن ناحيـة، كمـا تثـور مشـكلة الحريـات الفرديـة
من ناحية أخرى، وهذا بالتالي يستتبع تـأثيرا خصـوم وعـبء الإثبـات، لـيس لـه نظيـر فـي ً فـي وضـع ال
ً
ً كبيرا
غيرها من الدعاوى القانونية، والتوفيق بين هاتين المصلحتين (العقاب والحريات)، يفرض تأثيرا
2 في المركز القانوني للخصوم طيلة مدة الدعوى الجنائيةTP34F
(2) .P2T

ً منـذ بدايـة الإجـراءات مـع حـق

ولذلك فإن عنصر الدفاع عن حريـة الفـرد المـتهم، يقـف متعارضـا

ً
المجتمـع فـي متابعـة المجـرمين للقصـاص مـنهم، الامـر الـذي يسـبغ علـى الـدعوى العموميـة وصـفا
متميزا الاتهام العام على مـا تنفـي ً، يتمثل في كون الإجراءات في الدعوى العمومية تقوم على أساس
ً، وهـي بهـذا تـوفر حمايـة

به التشريعات الحديثة لا على أساس الاتهام الفردي الذي كان يسود قـديما

166) .1 (انظر في هذا المعنى: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الوحدة والازدواجية”، المرجع السابق، ص21) .2(

( 114 )
خاصة للمتهم وبراءة ذمتـه فـي الأصـل، ممـا يعنـي ان الموقـف القـانوني لأطـراف الخصـومة الجنائيـة
يكـون محـددا الخصـومة، وفـي ذلـك تختلـف الـدعوى ً منـذ البدايـة، ويظـل هكـذا إلـى نهايـة اجـراءات
العمومية عن الدعوى المدنية الخاصة، إذ يتلاقف الخصوم عبء الإثبات طوال مدة سماع الخصومة
المدنيــة، تــدفعهم مصــالحهم الخاصــة، فــي حــين ان موقــف الخصــوم فــي الــدعوى العموميــة تمليــه
2 المصلحة العامة نتيجة لقرينة براءة المتهمTP35F
(1) .P2T

فاذا كانت مختلف الدعاوى القانونية – ايا كان موضوعها – يقع عبء الإثبات فيها علـى عـاتق
المدعى وعلى سبيل المثال في الـدعوى الجنائيـة حـين يـدفع المـدعى عليـه بأحـد الـدفوع فإنـه يصـبح
ً بهـذا الـدفع، ويتعـين عليـه حينئـذ اثبـات صـحة دفعـه، فـإن الإ ثبـات فـي المـواد الجنائيـة يحمـل
مـدعيا

ً على عاتق سـلطة الاتهـام، ولا يرتفـع عـن كاهلهـا الا فـي حـالات اسـتثنائية نـص

عبء الإثبات كاملا
P2T ،فهل تكفي قواعد عبء الإثبـات العامـة لتفسـير وضـع هـذا العـبء (2 (عليها القانون أو أقرها القضاءTP36F2
كلية على عاتق الاتهام؟.

ً بــين
لا نعتقــد بصــحة ذلــك، إذ يفــرض التطبيــق الصــحيح لقرينــة البــراءة، التــي تفــرق اساســا
الخصومة الجنائية والخصومة المدنيـة، ويصـل ذلـك إلـى ضـرورة اسـتبعاد تطبيـق قاعـدة “ان المـدعى
ً”، والتي تحكم توزيع عبء الإثبات في القـانون المـدني، ولـذلك

عليه بمرافعته أو بدفعه يصبح مدعيا

ً عن مجال القانون المدني. لأنه يمنـع
ً تاما
قيل بأن قرينة البراءة تفصل مجال القانون الجنائي فصلا
P2T) .3 (تطبيق القاعدة المذكورة في القانون الجنائيTP37F2
ان محاولة قطع الصلة بين قرينة البراءة وقواعد عبء الإثبـات، هـدفها الـتخلص مـن الصـعوبات
التي تواجه سلطة الاتهام في البحث عن الأدلة، وتقديمها واثبـات الإدانـة علـى وجـه القطـع واليقـين،
بيد ان اعتبارات العدالة تأبى ان يوضع هذا العـبء علـى عـاتق المـتهم، بـل تـابى حتـى مشـاركته فـي
ً الاسـير بـين يـدي جهـاز العدالـة، ولـذلك قيـل ان قاعـدة ّه الطـرف الضـعي

هـذا العـبء، بعـد ف، واحيانـا
“عـبء الإثبـات فـي المسـائل الجنائيـة يقـع علـى عـاتق سـلطة الاتهـام” إنمـا تجـد سـندها فـي قرينـة
P2T) .4 (البراءة، بعد TP38F2ّ ها نتيجة حتمية لتطبيق مبدأ “المتهم برئ حتى تثبت إدانته”

احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص268) .1 (
512) .2 (السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص
49) 3 (انظر في هذا المعنى: محمد محي الدين عوض، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص512) .4(

( 115 )

الفرع الثالث / الرد على النقد المتعلق بقواعد الحكم الجنائي
حاول بعض النقاد ان ينكرو صـلة قرينـة البـراءة بقاعـدة تفسـير الشـك لصـالح المـتهم، وبعضـهم
ً، الرد علـى ذلـك – ببسـاطة – يكمـن فـي أصـل البـراءة

الآخر زاد على ذلك برفض هذه القاعدة اساسا
الراجحة في كل انسان.
وتفسير ذلك، ان النتائج المترتبة على ادانة برئ – مـن حيـث الخطـورة أو الضـرر – اكبـر بكثيـر
فـي المحاكمـات الجنائيـة منهـا فـي المحاكمـات المدنيـة، إذ قـد يترتـب علـى المحاكمـة الجنائيـة إنهـاء
حياة المتهم أو المساس بحريته أو سمعته أو مركزه المـالي، بينمـا لا يترتـب علـى المحاكمـة المدنيـة
ً للوقوع فـي خطـر

ً للعدالة وتفاديا

– عادة – غير ضرر مالي يمكن تلافيه. لذا كان من اللازم وتحقيقا

ً علـى
ً أي مبنيـا
الإدانة الخاطئة بقدر الامكان، وجوب ان يكون ثبـوت اسـناد الفعـل إلـى المـتهم مؤكـدا
الجزم واليقين لا على الظن والاحتمال. لذا فإنه متى قام أي شك فـي واقعـة الجريمـة أو اسـنادها إلـى
ّ قاعـدة تفسـير الشـك لصـالح المـتهم مـا هـي إلا محاولـة للحـد مـن

المـتهم وجـب القضـاء ببراءتـه بعـد
2 خطر إدانة الابرياء إلى ادنى حد ممكنTP39F
(1) .P2T

ً عـن المـألوف،
ً وخارجـا
ً عارضـا
ً وذمتـه بريئـة، وارتكابـه الجريمـة امـرا

ذلـك ان الإنسـان يولـد حـرا

ً للشـك، بحيـث إذا مـا

ً للجهالة نافيا
ً رافعا
ً من هذا القبيل ان يثبت ما يدعيه اثباتا

وعلى من يدعي أمرا
ثار أي شك حول صـحة الواقعـة أو نسـبتها إلـى المـتهم، وجـب الرجـوع إلـى الأصـل وهـو بـراءة الذمـة
الثابتة بيقين، واليقين لا يزول بالشك انما بيقين مثله.
ويمكــن توضــيح ذلــك بــالعودة إلــى منطــق الامــور، فــاليقين لا يــزول الا بيقــين، وأســباب اليقــين
مختلفة، في هذه الحالة سبب اليقين يعود إلى الأصل الراجح في الإنسـان وهـو البـراءة، أي ان يقـين
الأصل لا يزول إلا بيقين يدحض الأصل، وبعبارة أخرى يقين البراءة لا يزول إلا بيقين الإدانة.
وعليه فأي شك يعتري الإدانة، يبعده عن اليقين الذي يدحض الأصـل، ممـا يسـتوجب العـودة إلـى
ّ يقين الأصل، أي إلى يقين البراءة، ومـن هنـا جـاءت قاعـدة ان الشـك يفسـر لمصـلحة المـتهم، ها
بعـد
ّها معظـم الفقـه الجنـائي

نتيجة حتمية ومنطقية لتطبيق قرينة البراءة فـي المحاكمـة الجنائيـة، بـل يعـد
P2T) .2 (من ابرز نتائج الأصل الاثباتي القائم على افتراض البراءة بالنسبة للمتهمTP340F2

انظر في هذا المعنى: حسن صادق المرصفاوي، “اصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص747) .1 (
انظر فـي هـذا الاتجـاه: احمـد ضـياء الـدين محمـد خليـل، “قواعـد الإجـراءات الجنائيـة ومبادئهـا فـي القـانون المصـري”، (2(
المرجع السابق، ص261.

( 116 )
الفرع الرابع / الرد على تصور الاتجاه النقدي للنتائج المحتمل�ة لتطبي�ق قرين�ة
البراءة

ً مـن الحصـانة

حاول البعض من النقاد النيل من قرينة البراءة، بحجة انهـا تمـنح المجـرمين نوعـا

ً بـأن
غيـر المرغـوب فيهـا، وذلـك ممـا يضـر بـالمجتمع. يـرد علـى هـذا الاعتـراض، بأنـه لـيس صـحيحا
ً مـن الحصـانة، بـل هـو حصـانة للنـاس كافـة ضـد تحكـم

قرينـة بـراءة المـتهم تعطـي للمجـرمين نوعـا
2 وتعسف السلطة بصورة مطلقة، فهي ضمان اكيد للحرية الأساسية للافرادTP341F

P2T عن ان هذا النقد (1(
ً
، فضلا

ً، هـذا
ً مجرمين، وهو أمر اثبت الواقع بأنه عار عن الصحة تمامـا

وكأنه يفترض بأن المتهمين جميعا
من جهة.
ومن جهة أخرى فإن القانون يكفل للادعاء حرية واسعة في التحري والبحث عن الأدلة في سبيل
البرهنة على ادانة الجاني واظهارها، ومن ثـم منحـه حريـة فـي اختيـار وسـائل الإثبـات. هـذه الوسـائل
ذات فاعليـة وقـوة فـي الكشـف عـن الحقيقـة لـيس فـي مرحلـة التحـري فقـط وانمـا أيضـا فـي مرحلتـي
التحقيق والمحاكمة تحت اشراف القضاء، تصل هذه الميـزة للادعـاء – وعلـى الـرغم مـن وجـود قرينـة
البراءة – إلى حد القبض والتوقيف، لـيس بالنسـبة لمـن رجحـت ادانتـه أو احتملـت لقيـام الأدلـة ضـده
بعد التحقيق وفي اثناء المحاكمة فقط، وانما أيضا بالنسبة لمن قامت قبله دلائل كافيـة علـى اتهامـه
P2T) .2 (في مرحلة التحريTP342F2
اما القول بأن قرينة البراءة قـد ادت إلـى تفشـي الجـرائم وانتشـارها، فهـو لا يعـدو ان يكـون مجـرد
افتراض، بل هو افتراض غير دقيق، إذ لايوجد ما يدلل على صحته.

الف�رع الخ�امس / ال�رد عل�ى اقت�راح الاتج�اه النق�دي ح�ول مرك�ز الم�تهم ف�ي
الدعوى الجنائية
بناء على ما تقدم، انتهى الاتجاه النقدي حول المركز القانوني للمتهم فـي الـدعوى الجنائيـة إلـى
وضع اقتراح مفاده ان المتهم يجب الا يفترض فيه لا الإدانة ولا البراءة اثناء المحاكمة الجنائية حتى
انظر كل من: (1 (
– احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص123.
– احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص254.
– محمد محمد مصباح القاضي، ” حق الإنسان في محاكمة عادلة”، المرجع السابق، ص46.
75) .2 (انظر في ذلك: محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الازدواج والوحدة”، المرجع السابق، ص

( 117 )
ً عـن النقـد السـابق ً فـي تقريـر ذلـك

صدور حكم بات يحدد فيها هذه الصـفة أو تلـك، مسـتندا – فضـلا
لقرينة البراءة – إلى وجود طرائق الطعن العادية وغير العادية مما يقلل فرص الخطـأ القضـائي، والـى
ً الوضـع القـانوني المتعـادل قبـل ذلـك كلـه

بـين سـلطة الاتهـام والمـتهم فـي القـوانين الحديثـة، معترضـا

تطبيق قرينة البراءة في المحاكمة الجنائية، بدعوى انها سـتؤدي فـي النهايـة – وبصـورة تدريجيـة –
إلى ظهور قوانين أو قواعد جنائيـة جديـدة، هـي اشـبه مـا تكـون قـوانين للمـتهم، منهـا قـوانين لعقـاب
المجرمين.

ً للقـوانين الحديثـة: شـخص بـرئ

بداية نستعين في الرد علـى ذلـك بمثـال طالمـا تكـرر ولايـزال وفقـا
اشارت اليه اصابع الاتهام بارتكاب جريمة معينة، فتم سـؤاله، ثـم قـبض عليـه، وقـام أعضـاء الضـبط
القضــائي بتفتيشــه ومســكنه، وبعــد ذلــك تــم اســتجوابه وتوقيفــه نتيجــة لــذلك، وعلــم أهلــه وجيرانــه
واصدقائه وزملائه ورؤسائه في العمل بالاتهام ، وطالت مدة توقيفه واستجوابه المتكرر، فأحيـل إلـى
المحاكمة وبعد التحقيق النهائي، صدر حكـم بـات فـي نهايـة الامـر بـالبراءة، أتسـاءل – والاجابـة فـي
السؤال – بعد كـل تلـك الإجـراءات المسيسـة بحريـة وكرامـة وسـمعة هـذا المـتهم البـرئ، والتـي أهـدرت
ً، قـد لا ينجبـر؛ هـل هـذه الإجـراءات سـتؤدي إلـى
ً ومعنويـا
ً ماديـا
حرمة مسكنه، ونال من جرائها ضـررا

ً بـين قـوة سـلطة

ظهـور قـانون يصـب فـي مصـلحة المـتهم؟ وبعـد ذلـك هـل الواقـع العملـي سـاوى فعـلا
الاتهام وا ثم إذا كانت ٕجراءات التحري والتحقيق والمحاكمة من جهة، وضعف المتهم من جهة أخرى؛
طرائق الطعن تقلل من فـرص الخطـأ فـي الحكـم الجنـائي، فهـل هـي تقلـل أيضـا مـن فـرص الخطـأ فـي
المساس بحرية وكرامة المتهم؟.
وفيما يتعلق باقتراح الوضع المحايد للمتهم، وذلك بعدم تمتعه بقرينة البراءة، وفي الوقت ذاته لا
يؤخذ بقرينة الإدانة خلال الدعوى الجنائية. يتمتع هذا الاقتراح بحل وسط قد يرضى به منتقدو قرينة
البراءة، ولكن بكل تأكيد لا يقبل به المدافعون عن تلك القرينة، وذلك لاعتبارين:-

الأول / لـم يحـدد أصـحاب الوضـع المحايـد للمـتهم، كيفيـة تطبيـق هـذا المبـدأ بصـورة عمليــة،
لاسيما الطريقة التي سيتم بها معاملة المتهم، خلال المراحل المختلفة للدعوى الجنائية.
ً
الثاني / إذا كان تطبيق هذا المبدأ المقترح أمر غير واضح، فالشـيء الأكيـد انـه اضـيق نطاقـا
ً بالنسـبة للمـتهم مـن قرينـة البـراءة، فهـو مـن غيـر شـك لا يـوفر الحمايـة الكافيـة
وأثـرا
للمتهم، بالصورة ذاتها والكيفية التي يقتضيها مبدأ “الأصل في الإنسان البراءة” بمفهومه

ّه إنسانا
العام وبالغاية الأساسية من تطبيقه، وهي احترام حقوق وحريات المتهم بعد

( 118 )
رأين��ا ف��ي الموض��وع: إذا كــان مــن المعقــول تفهــم أو قبــول النقــد الــذي وجهتــه المدرســة
الوضـعية لأصـل البـراءة، بعـد ينهـا كـان الـزمن حبلـى ّها قـد جـاءت فـي اواخـر القـرن التاسـع عشـر، ح
بالأفكار التي تنادي بحقوق وحريات الإنسان، أو علـى أكثـر تقـدير بدايـة لـولادة متعسـرة لتلـك الأفكـار.
اما ان يوجه مثل هذا النقد من قبل بعض الفقه الجنائي فـي أواخـر القـرن العشـرين، فـي زمـن يفتـرض
ان تسـمو فيـه حقـوق الإنسـان وكرامتـه، وتعلـو فـوق كـل سـلطة جـائرة ورأي منفـرد، فهـو مـا لا يمكـن
تفهمه. حيث ان إضـفاء الطـابع الحضـاري علـى القـانون الجنـائي، جعلـه أكثـر إنسـانية فـي نظرتـه إلـى
المجرم، لذلك فقد اخضعه لمعاملة عقابية يغلب عليها الاصلاح والتأهيل، اكثر من الزجـر والـردع، فـاذا
كانت هذه هي نظرة القانون الجنائي الحديث للمجرم الذي تثبت ادانته، فإنه من المتعين ان تكون تلـك
هي رؤيته للمتهم الذي لم تثبت ادانته بعد، من باب اولى.
أما أن يأتي أحد النقاد – وبعد اكثر من قرنين على اول اعلان لحقوق الإنسان – ليقرر ان قاعدة
“المتهم برئ حتى تثبت ادانته”، حجر عثـرة فـي مسـار القضـاء نحـو تحقيـق العـدل واحقـاق الحـق، لهـو
TP34F2مستغرب أمر) 1) .P2T
إذ ان هذه الانتقادات الموجهة إلى قرينة البراءة، تقوم على اسس غير صحيحة – فـي معظمهـا –
فهي تقوم على أساس افتراض الإدانة في المتهم حتى تثبت براءته، أو فـي اقـل تقـدير تـرفض افتـراض
ً
البـراءة ولا تقبـل بـافتراض الإدانـة فـي الوقـت ذاتـه، أي تعلـق المـتهم بـين الأمـرين، وهـو مـا يعـد خلافـا
للأصل.
كمـا انهـا تتجاهـل الغايـة مـن تشـريع قـانون الإجـراءات الجنائيـة، فـي انـه يرمـي إلـى الوصـول إلـى
الحقيقة الواقعية في الدعوى الجنائية، فمن الخطأ ان ينظر اليه في انـه وضـع للمجـرمين دون غيـرهم،
ً للحكم الجنائي، فهو لا يرغب فـي إفـلات

فالمجتمع ينشد الحقيقة دون سواها من تلك الإجراءات وصولا

ً على برئTP34F2
P2T) .2 (مجرم من العقاب، إلا انه في الوقت ذاته يضيره ويثيره الحكم ظلما
وهو ما دفع الفقه الإجرائي الجنـائي إلـى القـول، بـأن فلسـفة قـانون الإجـراءات الجنائيـة، ينبغـي ان
تتأسس على دعامة وحيدة وهي حماية الأبرياء ممن شاءت أقدارهم ان يساقوا إلى القضاء دونما ذنب
TP345Fاقترفوه 2
P2T إلى ذلك يتناقل الفقه الجنائي مقولة تقرر هذه الدعامة، مفادها بأنه إذا كان قانون (3(

ً
. واستنادا

وهو قاضي بمحكمة التمييز في مكة المكرمة، انظر في هذا الرأي لدى: (1 (
– عبداالله سليمان المنيع، “نظرية براءة المتهم حتى تثبت ادانته”، المرجع السابق، ص282.
7) .2 (انظر في ذلك: محمود محمود مصطفى، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
10) .3 (انظر في ذلك: محمد زكي ابوعامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص

( 119 )
العقوبات يعرف بقـانون الأشـقياء (المجـرمين)، لأنـه يصـون المجتمـع مـن عاديـات الجنـاة، فـإن قـانون
P2T) .1 (الإجراءات الجنائية يمكن تسميته بقانون الشرفاء (الابرياء) لأنه يحمي الابرياء من عاديات الطغاةTP346F2
ومع ذلك فقد اتضح لنا من خلال العرض السابق، في شأن تقييم قرينة البراءة بأنه يتمحـور حـول
اتجـاهين، يمـثلان فـي الحقيقـة إحـدى أبـرز مشـاكل هـذا البحـث، الأول يعـارض قرينـة البـراءة والثـاني
يؤيدها.
ويمكـن توضـيح ابعـاد ذلـك مـن خـلال الغايـة المنشـودة لكـل منهمـا، فالاتجـاه المعـارض يهـدف فـي
الأساس عدم تطبيق قرينة البراءة في المحاكمة الجنائية، بما لا يسمح بـإفلات المجـرمين مـن العقـاب،
وهو ما يمثل الهدف الابعد بالنسبة لهذا الاتجاه.
اما الاتجاه المؤيد فهو يهدف إلى تطبيق قرينة البراءة في المحاكمة الجنائية، بما لايسمح بإهـدار
حقوق وحريـات المـتهم وهـو مـا يمثـل الغايـة المنشـودة لهـذا الاتجـاه. ويلاحـظ ان كـلا الهـدفين صـحيح
ومشروع، سواء تمثل في ضرورة عقاب المجـرمين، ام فـي اهميـة احتـرام حقـوق وحريـة الابريـاء. وفـي
حقيقة الامـر نعتقـد ان الاعتـراض مـن كـلا الطـرفين علـى الآخـر لا ينصـب علـى الهـدف ذاتـه، بـل علـى
الوسيلة أو الطريقة للوصول إلى الهدف.
فالاتجاه المعارض لقرينة البراءة، لا يعترض على احترام حقوق وحريات الابريـاء بقـدر مـا يعتـرض
على الضعف والليونة في القواعد والإجراءات التـي تفضـي اليهـا تطبيـق قرينـة البـراءة، ممـا يـؤدي إلـى
فتح ثغرات في قانون الإجراءات الجنائية، تسمح لعتاة المجرمين بالخروج منها بصفتهم ابرياء.
والشيء ذاته يقال على الاتجاه المؤيد لقرينـة البـراءة، فهـو لا يعتـرض علـى الغايـة مـن الاعتـراض
المتمثلة في عدم إفلات المجرمين من العقاب – لأنـه فـي الحقيقـة يسـعى اليهـا أيضـا – بـل علـى شـدة
وقسوة الإجراءات التي تتخذ قبل المتهم، تصل في كثيـر مـن الحـالات إلـى درجـة التعسـف فـي اسـتعمال
الحـق – والمتمثـل فـي حـق الدولـة فـي العقـاب – فـي حالـة غيـاب تطبيـق قرينـة البـراءة فـي الـدعوى
ً الكثير من الابرياء، شاءت حظوظهم أو اقدارهم ان يكونوا
ً وحديثا
ً قديما
الجنائية. فقد اظهر الواقع جليا
في موضع الاتهام، فتعرضوا لأسوأ أنواع التعـذيب والاهانـات فـي غيـاب أي احتـرام للبـراءة الأصـلية فـي
الإنسان.
ويظهر ان كلا الهدفين يصب في النهاية في مصلحة المجتمع، سـواء تمثلـت المصـلحة فـي عقـاب
المجرمين، أو المصلحة في حرية المتهمين.
الا ان انصار الاتجاه المعـارض لقرينـة البـراءة، يؤكـد بـأن مصـلحة المجتمـع تقتضـي عـدم افتـراض
،ً
براءة المتهم في المحاكمة الجنائية، بينما أنصار الاتجاه المؤيد لقرينة البراءة يذهب عكس ذلك تماما
ً”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1984 ،ص7) .1 (

ً وتحليلا
انظر: رمسيس بهنام، “الإجراءات الجنائية تأصيلا
– حسن صادق المرصفاوي، “اصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص2.

( 120 )
بـالقول ان النجـاح فـي عـدم ادانـة بـرئ مـن خـلال حمايـة حقـوق وحريـات المـتهم لهـو اولـى بالاهتمـام
والرعاية بالنسبة للمجتمع، وان أدى ذلك – أحيانا – إلى إفلات مجرم من العقاب.
ويدافع المعارضون بالقول ان إدانة برئ تضر فحسب، فرد أو أفراد معينين، بينما إفلات مجـرم مـن
العدالـة يضـر المجتمـع بأكملـه، ويـرد المؤيـدون بأنـه غيـر صـحيح القـول بـأن المصـلحة الاجتماعيـة لا
يهمها مصالح الأفراد، فالأفراد هم جزء من هذا المجتمع، بل وأساس بناء المجتمـع، ومـا يصـيب الجـزء
من ضرر يصيب الكل بالضرر ذاته، فما يصيب الفرد يصيب المجتمع.
ّ هي مشكلة تعدد المصالح وتناقض مصلحة مـع أخـرى، والحـل يكمـن امـا بتغليـب مصـلحة علـى
إذا
أخرى أو بالتوفيق بين المصلحتين.
وقد ساد الحل الأول في زمن سابق، وذلك بتغليب مصلحة العقاب على مصلحة حريـة الأفـراد، امـا
في هذا الزمن يبدو ان أغلب الفقه الجنائي يؤيد اتجـاه الحريـة، ولعلـه الاتجـاه الأغلـب فـي هـذا الزمـان
يفرض نفسـه علـى مختلـف مجـالات الحيـاة – سـواء السياسـية أو الاقتصـادية أو الاجتماعيـة – ولـيس
ً على القانون الجنائي.
مقصورا
وبـدوري أؤيـد الاتجـاه الـذي ينـادي بالحريـة وبمختلـف مجـالات الحيـاة، إنمـا بمـا لا يتعـارض مـع
شــريعتنا الإســلامية وعاداتنــا وتقاليــدنا الصــحيحة، وعليــه أؤيــد الحمايــة المفروضــة لحقــوق وحريــات
المـتهم، مـن خـلال تطبيـق قرينـة البـراءة فـي الـدعوى الجنائيـة، علـى الا تكـون بـلا قيـود تحفـظ لتلـك
الحماية حدودها ومسارها الصحيح، وذلك من باب الحرية الملتزمة.
ويمكن القول بأنه يندر وجود مـن يعتـرض – مـن الفقـه الجنـائي – علـى تطبيـق قرينـة البـراءة فـي
الدعوى الجنائية في الوقت الحـالي، ومـع ذلـك لا يمكـن التأكيـد وبصـورة دقيقـة ان الفقـه الجنـائي كافـة
يؤيد ذلك التطبيق.
ننتهي من ذلك كله في شأن تقييم قرينة البراءة، إلـى ان الدراسـة النظريـة والواقـع العملـي قـد اثبتـا
اهمية تطبيقها فـي الـدعوى الجنائيـة، وذلـك لمـا لهـا مـن دور بـارز فـي فـرض التـزام السـلطات المعنيـة
بالإجراءات الجنائية باحترام حقوق وحريات المتهم كافة وبصورة عملية على أكثـر تقـدير، ولـدورها فـي
صدور حكم البراءة للبريء في أقل تقدير.

( 121 )
البـــــــاب الثاني

آثــــار البراءة

الفصل الأول
آثار البراءة في التحقيق الابتدائي

( 122 )

البـــــاب الثاني
آثـــــار البـــــراءة

– تمهيد وتقسيم:

حتى يحقق قانون أصول المحاكمات الجزائيـة الهـدف منـه، يتعـين أن تنـتظم قواعـده مبـادئ معينـة
متفق عليها في جميع التشريعات، مدارها أن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته بحكم قضائي
ً أن حرية الفرد من أقدس حقوقه الطبيعية، ف ست، فـلا يكـون هـذا

ُ بات، وأن تجعل أمام ناظرها دوما
إن م
المساس إلا بالقدر اللازم للوصول إلى الغرض من إجراء يتخذ في سبيل المصلحة العامة.
ولما كانت إجراءات التحقيق التي تتولاها سلطة التحقيق، متعددة ومتنوعة، تتعرض في أغلبها إلى
حرية المتهم فتقيـدها أو تنتهـك حرمـة مسـكنه أو تكشـف أسـراره، رغـم تمتعـه بصـفة البـراءة التـي تقرهـا
قاعـدة ” أن المـتهم بـرئ حتـى تثبـت ادانتـه بحكـم قضـائي بـات”، لـذا كـان مـن الضـروري إحاطـة المـتهم
بسياج من الضمانات التـي مـن شـأنها حمايتـه ضـد تعسـف الأجهـزة القائمـة بـالتحقيق، أثنـاء مباشـرتها
لإجراءات القبض أو التفتيش أو الاستجواب أو التوقيف، وعلى وفق إطار قانوني أساسه قرينة البراءة.
إذ لا نعــدو علــى الحقيقــة عنــد القــول أن البــراءة كلمــة تشــمل فــي مضــمونها الحريــة الشخصــية
ً مـن ضـمانات الحريـة

ً بهذه البـراءة، ومـن ثـم فـإن أيـا

للإنسان، وأن كل قيد على تلك الحرية يعد مساسا
الشخصية هي نتاج أعمال قرينة البراءة في الدعوى الجنائية.
كما أن اصل البراءة، يضفي على المتهم صفة البراءة في مراحل الدعوى الجنائية جميعها، لاسـيما
في مرحلة المحاكمة، وابرز ما يميزهـا – تلـك المرحلـة – قواعـد الإثبـات والحكـم، إذ تبـدو خلالهمـا آثـار
البراءة بصورة جلية، لا لبس فيها ولا غمـوض، حيـث يتعـين علـى سـلطة الا تهـام أن تثبـت تـوافر جميـع
أركان الجريمة، وجميع الوقائع المتطلبة لوقوع الجريمة ومسؤولية المتهم عنها، كما يتعين على سـلطة
الحكم أن تبني أحكامها على الجزم واليقين في حالة صدورها بالإدانة، ومـن ثـم فـأي شـك يحـيط بعقيـدة
القاضي الجنائي ينبغي أن يفسر لصالح المتهم.
وا كان لقرينة البـراءة سـندها الشـرعي – علـى نحـو مـا تقـدم فـي الفصـل التمهيـدي – فهـل جـرت ٕذا
ً، وبعبارة أخرى، هل يمكن القول أن الشريعة الإسلامية، طبقـت قرينـة

مراعاة موجبات تلك القرينة عمليا
البراءة، سواء أكان ذلك فيما يتعلق بمعاملة المتهم أثناء التحقيق الابتدائي، أو في شأن قواعـد الإثبـات
والحكم في مرحلة المحاكمة؟.

( 123 )

للوقوف على ذلك كله، نبحث آثار البراءة في فصلين:
الفصل الأول / آثار البراءة في التحقيق الابتدائي
الفصل الثاني / آثار البراءة في الإثبات الجنائي

الفصل الأول

آثار البراءة في التحقيق الابتدائي

– تمهيد وتقسيم
إذا كانت القاعدة أن الأصـل فـي الإنسـان البـراءة حتـى تثبـت ادانتـه بحكـم نهـائي، فقـد يلـزم الأمـر،
اتخــاذ بعــض الإجــراءات الجنائيــة – ســابقة علــى حكــم الإدانــة – فيهــا مســاس بــالحقوق والحريــات
الشخصية للمتهم، ابتغاء التحقق من وقوع الجريمة ونسبتها إلى من أسندت اليه.
يه قيد على حريته في الحركة والتنقل، والتفتيش فيه انتهاك لحرمته أو حرمـة ٌ فالقبض على الفرد ف
ً لكامـل حريـة المـتهم

منزله، والاستجواب قد يكون فيه انتهاك لحريته في الكلام، أما التوقيف فيعـد سـلبا
فترة قد تطول.
ولما كانت أبرز آثار البراءة تتمثل في ضرورة أن يتمتع المـتهم بكافـة حرياتـه وحقوقـه الشخصـية،
ً، يجب التعامل معه ومعاملته على هذا الأساس، ومن ثم فإن أي من ضمانات المتهم
ً بريئا
بعده شخصا
فـي مواجهـة الإجـراءات الجنائيـة الماسـة بالحريـة الشخصـية، ينضـوي بلاشـك تحـت آثـار مـا يتمتـع بـه
المتهم من براءة أصلية مفترضة.
على هدى ما تقدم، نتناول آثار البراءة في التحقيق الابتدائي على الوجه الآتي:
المبحث الأول / اثر البراءة في القواعد الأولية للتحقيق الابتدائي.
المبحث الثاني / أثر البراءة في القبض.
المبحث الثالث / أثر البراءة في التفتيش.
المبحث الرابع / اثر البراءة في الاستجواب.
المبحث الخامس / اثر البراءة في التوقيف.
المبحث السادس / البراءة في التحقيق الجنائي في الشريعة الإسلامية.

( 124 )

المبحث الأول

أثر البراءة في “القواعد الأولية للتحقيق الابتدائي”

– تمهيد:
التحقيـق الابتـدائي هـو مجموعـة مـن الإجـراءات القضـائية، تمارسـها سـلطات التحقيـق بالشـكل
ً، بغية التنقيب عن الأدلة، في شأن جريمة ارتكبت، وتجميعها ثم تقديرها، لتحديـد مـدى

المحدد قانونا
P2T) .1 (كفايتها لإحالة المتهم إلى المحاكمة أو الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى ( رفض الشكوى)TP347F2
والتحقيق الابتدائي مرحلة من مراحل الـدعوى الجنائيـة، فهـي متميـزة عـن مرحلـة المحاكمـة التـي
تعقبها، وهي متميزة كذلك عن الاتهـام الـذي يسـبق بالضـرورة كـل تحقيـق ويحـدد لـه الموضـوع الـذي
تدور في نطاقه أعماله. ولعل المشكلة الأولى التي يثيرها هذا الموضوع هي في مـدى حتميـة مرحلـة
التحقيــق الابتــدائي لتطبيــق قرينــة البــراءة، باعتبارهــا الضــامن الأساســي للحريــات الشخصــية فــي
الإجراءات الجنائية.
في ذلك أقر الكثير من الفقه الجنائي، بأن هذه المرحلة التـي نشـأت مـع نظـام التحـري والتنقيـب،
P2T ،باعتبارهـا المرحلـة التـي تكفـل ألا (2 (سـاهمت بكـل تأكيـد فـي تحسـين ضـمان حقـوق وحريـات المـتهمTP348F2
تحـال إلـى المحاكمـة، غيـر الحـالات التـي تتـوافر فيهـا أدلـة كافيـة، تـدعم احتمـال الإدانـة، وفـي ذلـك
صيانة لاعتبار المتهم وسمعته من أن يمثل أمام القضاء، إذا كانت الأدلة غير كافية،كما فيـه تـوفير
ً إلى أن التحقيق الابتدائي ما هو إلا مرحلة تحضيرية للمحاكمة، حيـث

لوقت القضاء وجهده، استنادا
تكفل أن تعرض الدعوى الجنائية على القضاء وهي معدة لأن يفصل فيها، وذلـك بعـد اسـتبعاد الأدلـة

6) .1 (هلالي عبداللاه احمد، ” المركز القانوني للمتهم”، المرجع السابق، ص
يوجد في العالم نظامـان رئيسـيان للإجـراءات الجنائيـة، أحـدها يطلـق عليـه “النظـام ألاتهـامي – Accusatory The) 2 (
Doctrine “والآخر يسمى ” نظام التحري والتنقيب – Doctrine Investigative The.”
والنظام الأول هـو أقـدم الـنظم الإجرائيـة علـى الإطـلاق، ولـذلك عرفتـه شـرائع الفراعنـة والرومـان والجرمـان، وهـو مـا
ً فـي “انجلتـرا، الولايـات المتحـدة الأمريكيـة،

يشبه نظام الحسبة فـي الشـريعة الإسـلامية، وهـذا النظـام هـو المتبـع حاليـا
والهند والسودان”، وأي بلاد ذات نظام انجلو سكسوني، وفيه ثلاث اطـراف: (المـدعي – Prosecution (و (المـدعي
ً عـن كـلا الطـرفين، وهـذا هـو الحـال فـي التحقيـق
ً تمامـا
عليه – Defendant ،( ثم ( القاضـي ) حيـث يعتبـر محايـدا
والمحاكمة على السواء.
اما النظام الثاني، ففيه تضطلع اجهزة الدولة بما فيها القاضي، ببحث ومناقشة الوضع للوصـول إلـى الحقيقـة وهـي
البراءة أو الإدانة، سـواء كـان ذلـك فـي مرحلـة التحقيـق أو المحاكمـة. وفـي المحاكمـة، هنـاك طرفـان فقـط همـا المـتهم

ً في النيابة والقاضي، وتتبع هذا النظام – من حيث المبدأ – كافة الدول العربية.

والمجتمع متمثلا
انظر/ سعد حماد القبائلي، ضمانات حق المتهم في الدفاع امام القضاء الجنائي، المرجع السابق، ص156.

( 125 )
الضعيفة، واستخلاص رأي مبدئي في شأنها، تستطيع المحكمـة أن تنظـر فـي الـدعوى، وقـد اتضـحت
P2T) .1 (عناصرها وتكشف أهم أدلتها، مما يدعم الاحتمال في أن يجيء حكمها أدنى إلى الحقيقة والعدالةTP349F2
ولعل ابرز نتائج قرينة البراءة لحماية حقوق وحريـات المـتهم، فـي ظـل القواعـد الأوليـة للتحقيـق
الابتـدائي، تبـدو مـن خـلال قاعـدتي “حيـاد التحقيـق” و “سـرية التحقيـق”، لـذا نتنـاول اثـر البـراءة فـي
القواعد الأولية للتحقيق الابتدائي في مطلبين
المطلب الأول / اثر البراءة في “حياد التحقيق الابتدائي”.
المطلب الثاني / اثر البراءة في ” سرية التحقيق الابتدائي “.

المطلب الأول

أثر البراءة في ” حياد التحقيق الابتدائي “

تعد حيدة القضاء من الضـمانات والنتـائج الهامـة لأعمـال قرينـة البـراءة فـي الإجـراءات الجنائيـة،
باعتبار أن الأصل في القضاء الجنائي هو الفصل بين وظائفه، للحيلولـة دون التحيـز ضـد – أو مـع
– المتهم، وقد قيل في هذا المعنى انه في المسألة الجنائية، إذا توقف كل شـيء علـى شـخص واحـد
يملك وحده الحق في الاتهام وجمع الأدلة وتقديرها والفصل فيما ينسب إلى المتهم، فإنه من الواضح
إن هذا الشخص يملك الإضرار بالمتهم أو الحكم لصالحه متى شاء ذلك، ومن هنـا فـإن مبـدأ الفصـل
بين وظائف القضاء الجنائي هو ضمان لحياد القضاء الجنـائي، حتـى اعتبـر الـبعض إن الفصـل بـين
P2T) .2 (وظائف القضاء الجنائي، أشبه بالفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائيةTP350F2
ولاشك أن تطبيق قرينة البراءة ونتائجهـا العمليـة أثنـاء التحقيـق الجنـائي يفـرض ضـرورة الفصـل
بـين سـلطتي التحقيـق والاتهـام، حيـث تبـدو أهميـة تلـك الضـرورة مـن عـدة جوانـب، نبـين أبرزهـا فـي
التالي:-
أولا / يوجد بين سلطتي الاتهام والتحقيق، اختلاف أساسي، سواء من حيث الدور أو التكييف
القـانوني، فـدور الاتهـام، هـو تحريـك الـدعوى الجنائيـة، ثـم تجميـع الأدلـة التـي تسـاند الاتهـام،
وتـدعيمها لـدى القضـاء، حيـث يمثـل الاتهـام دور الادعـاء فـي الـدعوى الجنـائي، ومـن ثـم فهـو
انظر في هذا المعنى: محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص615) .1 (
657) .2 (احمد فتحي سرور، “الحماية الدستورية للحقوق والحريات”، المرجع السابق، ص

( 126 )
ً يواجه المتهم، ويقف منه موقف الخصـومة أو علـى الأقـل موقـف مـن يسـعى فـي

بالضرورة طرفا
غير مصلحته. أما التحقيق الابتدائي هو التنقيـب عـن جميـع أدلـة الـدعوى، سـواء مـا كـان منهـا
ضـد مصـلحة المـتهم أو مـا كـان فـي مصـلحته، ثـم التـرجيح بينهـا – فـي حيـدة تامـة، وبغيـر رأي
مسبق فيه انحياز ضد المتهم – واتخاذ قرار بمدى كفاية الأدلة لإحالة المتهم إلى المحاكمة. أي
أن سلطة التحقيق لا تقف موقف الخصومة من المتهم. بل تسـعى إلـى اكتشـاف الحقيقـة، سـواء
ً أكانــت ضــد المــتهم أم لمصــلحته، فهــي تمثــل علــى ” بــين الاتهــام

ً محايــدا
هــذا النحــو “حكمــا

TP351Fوالمتهم 2
(1) .P2T

ً لما تتسم به إجراءات التحقيق الابتدائي من صفات القسر والحد من حريـة الأفـراد،

ثانيا / نظرا
ومـا يترتـب علـى تلـك الإجـراءات مـن نتـائج بالغـة الأهميـة حـول ثبـوت الاتهـام مـن عدمـه، فـإن
أعمـال قرينـة البـراءة تتطلـب أن تتمتـع الجهـة القائمـة بـالتحقيق بالحيـدة المطلقـة. وهـذه الصـفة
P2T .بينمـا الجمـع بـين السـلطتين – التحقيـق (2 (بالتحديـد هـي التـي تفرضـها بعـض تلـك الإجـراءاتTP352F2
ً في آن واحد. وما
ً ومحققا
والاتهام – في يد جهة واحدة، يفضي إلى أن تكون تلك الجهة خصما
كان الخصم محايدا – هذه الجهة – ذات مصلحة في إثبـات الاتهـام المسـند للفـرد، ً، حيث تصبح
مما قد يدفع بها إلى عدم مراعاة مبدأ “الأصل في المتهم البراءة “، الأمر الذي قد يسمح بضـياع
2 معالم للجريمة كانت تؤدي إلى براءتهTP35F
(3) .P2T

ثالث��ا / إن إســناد مهمــة التحقيــق فــي الــدعوى إلــى قاضــي التحقيــق، يضــفي علــى التحقيــق
الابتدائي الصفة القضائية، وهـو أمـر فـي حـد ذاتـه ضـمانة هامـة لأعمـال قرينـة البـراءة فـي حـق
P2T .ولاشك انه إسناد في محله، باعتبار أن مهمة التحقيق في ذاتها قضـائية، إذ هـي فـي (1 (المتهمTP354F2
P2T) .2 (حقيقتها فصل في نزاع بين ادعاء يرجح إدانة المتهم، وبين متهم يتمسك بأصله البرئTP35F2

621) .1 (انظر في هذا المعنى: محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى/ (2 (
– مـأمون سـلامة، “الإجـراءات الجنائيـة فـي التشـريع المصـري”، الجـزء الأول، دار الفكـر العربـي، القـاهرة، 1988 ،
ص573.
406) .3 (انظر في هذا المعنى/ حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
إذ ان بعض النظم القانونية، كالقانون الياباني، والقـانونين الكـويتي والمصـري، جمعـت بـين سـلطتي الاتهـام والتحقيـق (1(
في يد الادعاء العام. انظر في ذلك: محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص643.
المرجع السابق، ص643) .2 (

( 127 )
بناء على ما تقدم ونتيجة للبراءة التي يتمتع بها المـتهم ابتـداءا، فقـد درجـت تشـريعات الكثيـر مـن
الدول إلى الفصل بين سلطة التحقيق الابتدائي وبـين سـلطة الاتهـام، وتخويـل الأولـى لقاضـي التحقيـق
وقصر الثانية على الادعاء العام. فما هو موقف المشرع العراقي من تلك النتيجة؟.

P حياد التحقيق الابتدائي P ” موقف التشريع العراقي من P

إن كانت بعض التشريعات العربية قد جمعت بين سلطتي الاتهـام والتحقيـق الابتـدائي (كالتشـريعين
P2T .فـإن المشـرع العراقـي قـد أكـد علـى مبـدأ الفصـل بـين السـلطتين، فخـص قاضـي (3 (المصري والأردني )2TP 356F
ً التحقيق والمحققين الذين يعملون تح
ت إشرافه، بتولي مهمة التحقيق، واعتبرهم الجهة المختصة أصلا

TP357F2المهمة بهذه) 4) .P2T
ولا تعني إجازته للادعاء العام التحقيق في حالة غياب قاضي التحقيق من مكان الحادث، أنه جمع
P2T) .5 (بين السلطتين، 2 فتلك حالة استثنائية لا تضر بقيام القاعدةTP358F

ً مع قرينة براءة المـتهم، مـا سـمح بـه المشـرع العراقـي، للمسـؤول فـي مركـز

إنما ما نجده متعارضا
الشرطة، من تولي مهمة التحقيق، ومنحه سلطة التحقيق، وذلك في حالتين، الأولى إذا صدر إليه أمر
من قاضي التحقيق أو المحقـق، والثانيـة إذا اعتقـد المسـئول فـي مركـز الشـرطة إن إحالـة المخبـر عـن
وقــوع الجريمــة علــى قاضــي التحقيــق، تــؤخر بــه إجــراءات التحقيــق، ممــا يــؤدي إلــى ( ضــياع معــالم
2 الجريمة، أو الإضرار بسير التحقيق أو هرب المتهم)TP359F
(1) .P2T
ً في هذا الاتجاه، باعتبار أن المسؤول في مركز الشـرطة

إذ لاشك أن المشرع العراقي لم يكن موفقا
يعد من رجال السلطة التنفيذية، كما تنقصه ابـرز عناصـر هـذا العمـل مـن مـؤهلات وخبـرات قانونيـة أو
قضـائية، الأمـر الـذي يشـكل خطـورة سـواء علـى سـلامة التحقيـق أم علـى حريـات الأفـراد، لاسـيما فـي
الحالـة الثانيـة عنـدما يقـرر مـن تلقـاء نفسـه القيـام بـالتحقيق، حيـث جعـل – المشـرع العراقـي – تقـدير
ً للمسـؤول فـي مركـز الشـرطة، وهـو أمـر نعتقـد بخطورتـه البالغـة علـى حقـوق

القيـام بـالتحقيق متروكـا

ً لتمتعه بقرينة البراءة.

وحريات المتهم، وخرقا
انظر م(199 (من قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لسنة 1950 المعدل بقـانون رقـم 353 لسـنة 1952) ,3 (
الذي أعاد للنيابة العامة سلطة التحقيق الابتدائي. وأنظر م(2 ,53 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية الاردني
رقم 9 لسنة 1961.
انظر م (1 ،51 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971) .4 (
انظر م (3 (من قانون الادعاء العام رقم 159 لسنة 1979) .5 (
انظر م ( 50/أ ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (1 (

( 128 )
إذ أن سلطات المحقق – وهي التي منحها المشرع للمسؤول فـي مركـز الشـرطة وفـق المـادة (50 (
P2T ،أو إرغـام (2 – (2 والتي يتخذها من تلقاء نفسه، ليسـت بالقليلـة أو الهينـة، مـن ذلـك سـلطته بنـدب خبيـرTP360F
P2T ،الفـض أو الإطـلاع علـى الأشـياء المضـبوطة سـواء (3 (المـتهم علـى التمكـين مـن الكشـف علـى جسـمهTP361F2
2 مختومة أو مغلقةTP362F
ً
P2T 2 ، إصدار الأمر بالتكليف بالحضـور للمـتهم أو غيـرهTP36F) 4 (كانت أوراقا

P2T .بـل إن للمحقـق (5(

2 سلطة توقيف المتهم في الجنايات إذا كان في ألاماكن النائية عن مركز دائرة القاضيTP364F
(6) .P2T

2 وأكثـر مـن ذلـك لـه سـلطة اسـتجواب المـتهمTP365F

P2T .وكـل ذلـك لاشـك لـدينا بـأن لـه تبعـات خطيـرة علـى (7(
المتهم متجسدة في انتهاك نتائج البراءة التي لا تسمح المساس به أو بحرياته – قبل ثبـوت الإدانـة –

ً دون غيرها.

إلا بإجراء قانوني صادر عن الجهة المختصة به أصلا

المطلب الثاني

أثر البراءة في ” سرية التحقيق الابتدائي “

انظر م ( 69 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (2 (
انظر م ( 70 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (3 (
انظر م ( 84/ب ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (4 (
انظر م ( 87 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (5 (
انظر م ( 112 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (6 (
انظر م ( 123 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (7 (

( 129 )
يعنـي مبـدأ سـرية التحقيـق الابتـدائي إن جمهـور النـاس لا يصـرح لهـم بالـدخول فـي المكـان الـذي
يجري التحقيق فيه، ولا تعرض محاضر التحقيق لإطلاع الناس، ولا يجوز للصـحف وغيرهـا مـن وسـائل
ٕ الإعلام إذاعتها، إلا أن سرية التحقيق الابت نما هـي نسـبية، فالأصـل انـه لا

ً◌ُ ، وا
دائي ليست مبدأ مطلقا

سرية إزاء أطراف الدعوى ووكلائهم، ولكن إزالة السرية بالنسـبة للأطـراف ليسـت بـدورها قاعـدة عامـة،
2 فثمـة قيـود واسـتثناءات تـرد عليهـاTP36F

P2T ،إذ منـذ نشـأت مرحلـة التحقيـق الابتـدائي فـي ظـل نظـام التحـري (1(
والتنقيب، وهي تتسم بطابع السرية، فهي من حيث المبدأ لا تتيح للخصوم ولا للجمهور فرصة حضـور
ً لقرينـة افتـراض براءتـه، حتـى تثبـت إدانتـه –

الإجراءات، غير أن حق المتهم في محاكمة قانونية وفقـا

ً
وفي إطار مبدأ الشرعية الإجرائيـة – يقتضـي ضـمان حـق المـتهم فـي الـدفاع عـن طريـق أحاطتـه علمـا
بكل جوانب الدعوى، مما يستلزم مباشرة إجراءات التحقيق في حضوره، حتى يكون على بينة مما يدور
حوله، كما لا يسمح بجمع أدلة الاتهام في الظلام من وراء ظهره، حتى يستطيع تقديم دفاعه المناسـب
P2T) .2 (في الوقت المناسبTP367F2

ً لقرينـة
وبناء على ما تقدم فإن ضرورة حماية المتهم وحقوقه التي يتمتـع بهـا أثنـاء التحقيـق وفقـا
البراءة، والتي تفرض بدورها أهمية تطبيق السر ية في التحقيق الابتـدائي، تبـدو واضـحة جليـة، لاسـيما
إذا تناولنا تلك النتيجة من خلال النقاط التالية:-

أولا / تـؤدي سـرية التحقيـق الابتـدائي إلـى حمايـة اعتبـار وسـمعة المـتهم، حيـث تتـرك علانيـة
ً لدى الناس، من الصعب أن يمحى حتى ولـو قـررت سـلطة التحقيـق بعـد
ً سيئا
التحقيق انطباعا
ذلك برفض الشكوى.
فإذا كانت العلانية في مباشرة الإجراء، هـي مـن الضـمانات التـي تكفـل حيـدة مباشـرة الإجـراء
وتطبيقـه السـليم للقـانون، وتضـفي فـي الوقـت ذاتـه الاطمئنـان فـي نفـوس المخـاطبين بأحكـام
القانون وترضي شعورهم بالعدالة، فـان هـذه العلانيـة فـي مجـال التحقيـق الابتـدائي وان حققـت
هذه المنافع إلا انه قد تنتج أضرار تفوق منافعها، أبرزها ما يتعلق بشخص المـتهم، ومـا يلقـاه
P2T ،لـذلك (1 (من تشهير على حـين قـد ينتهـي التحقيـق بإظهـار عـدم صـحة التهمـة المنسـوبة إليـهTP368F2

631) .1 (محمود نجيب حسني، ” شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى/ (2 (
سامي حسني الحسيني، “ضمانات الدفاع”، مجلة الحقوق والشريعة، جامعة الكويت، س2 ،ع1 1978 ،ص22 .
انظر في ذلك: عبدالوهاب حومد، “الوسيط في الإجراءات الجزائية الكويتية”، دار القبس، الكويت، 1974 ،ص236) .1 (
– مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية في التشريع المصري”، ج1 ،المرجع السابق، ص579.

( 130 )
ً إلـى افتـراض بـراءة المـتهم، يجـب أن تحـاط إجـراءات التحقيـق مـع المـتهم بشـيء مـن
واسـتنادا

ً على سمعته واعتبارهTP369F2
P2T) .2 (السرية حفاظا
ثاني�ا / تسـاهم السـرية فـي مرحلـة التحقيـق الابتـدائي فـي صـيانة اسـتقلال المحقـق وحيـاده مـن
ً ضـد المـتهم أو لمصـلحته. كمـا قـد
ً متحيزا
التأثير المفسد لوسائل الإعلام، التي قد تتخذ اتجاها
P2T) .3 (يترتب على معرفة سير التحقيق، التأثير على الشهود أو طمس بعض معالم الجر 2 يمةTP370F
ثالثا / إن إجراءات هذا التحقيق تستهدف التنقيب عن أدلة قـد يحـاول المجـرم الحقيقـي – إن لـم
يكن هو المتهم – أو غيره ممن قـد يكـون لـه مصـلحة فـي ذلـك، إخفاءهـا أو تشـويهها، ولـذلك
ً لالتقـاط هـذه الأدلـة واسـتظهارها وتجميعهـا،
ً محكمـا
ً خطـة بارعـة وتـدبيرا

كـان التحقيـق مقتضـيا

2 لمحاولات الإفساد أو التشويهTP371F
ً

P2T) .4 (فيتعين أن يجري ذلك في سرية، تفاديا
رابعا / سرية التحقيق المقصودة في هذا الصدد والتي تتفق مع أعمال قرينة البراءة، هي سرية
ً
التحقيـق بالنسـبة للجمهـور، بينمـا هـي علنيـة بالنسـبة للخصـوم ووكلائهـم، وفـي ذلـك تحقيقـا
للتوازن المطلوب بين مصلحة المتهم في الحرية ومصلحة الدولة في جمـع الأدلـة لإقـرار حقهـا
في العقاب، إذ انه في إزالة السرية إزاء أطراف الدعوى، تـوفير الضـمانات لكـل مـنهم، بتمكينـه
ٕثـارة أسـباب بطلانهـا فـي الوقـت الملائـم، كمـا

من رقابة الإجراءات والاطمئنان على سلامتها، وا
تمكـن كـل خصـم مـن العلـم بالأدلـة التـي تقـدم ضـده، فيتـاح لـه إبـداء رأيـه فيهـا ودحضـه، ممـا
P2T) .5 (يساهم في حسن سير التحقيق وسرعة كشف الحقيقةTP372F2

ً عن ذلك فإن إجراءات التحقيـق التـي تـتم فـي علانيـة تكـون فـي وجـدان الإنسـان، أقـرب إلـى
فضلا
الحقيقة ممـا يجـري فـي السـر والخفـاء، والمـتهم لـه حساسـية مرهفـة تـدخل إلـى قلبـه الشـك فـي كـل مـا
ً عـن نظـرة وفـي غيبتـه، مهمـا طابقـت الحقيقـة والواقـع. ومجـرد تمكـين المـتهم مـن حضـور
يجري بعيـدا
سعد حماد القبائلي، المرجع السابق، ص167) .2 (
663) .3 (محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
631) .4 (محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: (5 (
– محمود محمود مصطفى، “شرح قانون الإجراءات الجنائي”, المرجع السابق، ص265.
– سعيد حسب االله عبداالله، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص170.

( 131 )
التحقيق ومعرفة ما يتم من إجراءاته يحدوه إلـى الثقـة فـي سـلامتها، ويبعـث فـي نفسـه الطمأنينـة التـي
P2T) .1 (تعد من أهم ضمانات الدفاع التي يجب توفيرها للمتهمTP37F2

P سرية التحقيق الابتدائي P ” موقف التشريع العراقي من P

نصــت المــادة (57 /أ ) مــن قــانون أصــول المحاكمــات الجزائيــة علــى انــه ( للمــتهم وللمشــتكي
ً عن فعل المتهم ووكلائهم أن يحضروا إجراءات التحقيق).

وللمدعي بالحق المدني وللمسؤول مدنيا
نستنتج من هذا النص إن المشرع العراقي، قد اخذ بمبدأ حضور المتهم إجر اءات التحقيـق واقتصـر
السـرية علـى الجمهـور، وهـو مـا يعـرف بالسـرية النسـبية، وهـي القاعـدة العامـة لـدى التشـريع العراقـي

2 بصورة مطلقةTP374F
ً

P2T) .2 (ومعظم التشريعات العربية، والاستثناء هو جعل التحقيق الابتدائي سريا
هـذا الاسـتثناء قـد يعـود فـي معظمـه إمـا إلـى حالـة الضـرورة أو إلـى حالـة الاسـتعجال، حيـث تكـون
الحالة الأولى عنـدما يترتـب علـى اشـتراط حضـور المـتهم إجـراءات التحقيـق، الإضـرار بسـيره أو تعطيـل
مجراه، كأن يكون مركز المتهم أو شخصيته لهما تأثير على من يتناولهم التحقيق، ويتوافر الاسـتعجال
حين يخشى على الأدلة من الضـياع إذا مـا انتظـر المحقـق حضـور المـتهم، كمـا لـو كـان الشـاهد الـذي

2 على الموت أو على وشك السفر إلى الخارجTP375F
ً

P2T) .3 (يريد المحقق سؤاله مشرفا
ويبدو إن المشرع العراقي قد اخذ بحالة الضـرورة دون حالـة الاسـتعجال، حيـث نصـت المـادة (57 (
ً منهم مـن الحضـور، إذا اقتضـى الأمـر ذلـك، لأسـباب يـدونها

على انه “للقاضي أو المحقق أن يمنع أيا
في المحضر على أن يبيح لهم الإطلاع على التحقيق بمجرد زوال هذه الضر ورة”.
ولقد رأى البعض في صدد تفسـيره للقـانون الكـويتي إن الاسـتعجال ممـا تشـمله الضـرورة، ومـن ثـم

TP376F ً◌2
َ

P2T بين الضـرورة والاسـتعجال، فعنـدما تتحقـق (1 (فلا لزوم لذكره استقلالا

ً
ً جوهريا
. في حين أن هناك فارقا

413) .1 (حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
– عمر السعيد رمضان، “أصول المحاكمات الجزائية في التشريع اللبناني”، الـدار المصـرية للطباعـة والنشـر، القـاهرة،
.305ص، 1971
انظر نص م (77 (من قانون الإجراءات الجنائية المصري. (2(
والمادة (64/1 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية الاردني.
انظر في ذلك: سامي الحسيني، “ضمانات الدفاع”، المرجع السابق، ص222) .3 (
وقد نص على تلك الحالتين المشرع المصري في م(77 (الفقرة الأولى والثانية.
وقـد أضـاف المشــرع الاردنـي حالـة ثالثـة فـي نـص م (64/1 (توجـب بهـا غيبـة الخصـوم، بقولهـا ( للمشـتكي عليــه
والمسؤول بالحال والمدعي الشخصي… الحق في حضور جميع أعمال التحقيق، عدا سماع الشهود).
237) .1 (عبدالوهاب حومد، المرجع السابق، ص

( 132 )
حالة الضرورة يمتنع حضور الخصوم الذين قامت بشأنهم، وتتقرر السـرية بقـرار صـريح مـن المحقـق،
بينما في “الاستعجال” فإن التحقيق لا تتقرر سريته حقيقة بالنسبة للخصوم، فللخصم حق الحضور إذا
ما سمحت له ظروفه بذلك، وبمعنـى أوضـح فـإن قيـام السـرية فـي هـذه الحالـة يتوقـف فـي الواقـع علـى
P2T) .2 (ظروف الخصم لا على إرادة المحققTP37F2
ومع ذلك فقد ذهب الفقه إلى أن هناك من الإجراءات، ما لا يمكن أن تثور بصدده حالـة الضـرورة،
ً لأن مصـلحة التحقيـق ذاتهـا تتطلـب
ً، نظـرا
ً فـي حضـور المـتهم والخصـوم عمومـا

ويتعـين إجراؤهـا دائمـا
ً إجراءها في حضورهم وليس في غي إلى أن التفتيش إجراء

بتهم، وقصد بذلك إجراءات التفتيش، استنادا

يســتحيل إعادتــه مــن قبــل المحكمــة وان الــدليل المســتفاد منــه يتحقــق فــي اللحظــة التــي بوشــر فيهــا
TP378F2الإجراء) 3) .P2T
ولاشك لدينا إن تغييب المتهم عن حضـور إجـراءات التحقيـق أمـر يتنـافى مـع قرينـة بـراءة المـتهم،
وما تفرضها من وجوب معاملته على هذا الأساس، ومن ثم حضور جميع إجراءات التحقيق الابتـدائي،
ً لحالـة
ً مـن حقـوق المـتهم، لـذلك لا يجـوز حرمانـه منهـا إلا فـي أضـيق الحـدود ووفقـا
ً صـريحا
يعـد حقـا
الضرورة فقط، على أن تبين الأسـباب التـي بنيـت عليهـا تلـك الحالـة، وهـو مـا أوجبـه القـانون العراقـي،
2 وقد أحسن في ذلكTP379F
(4) .P2T

إلا إن الحفــاظ علــى ســرية التحقيــق، لا يتعلــق بعــدم جــواز حضــور الجمهــور إجــراءات التحقيــق
الابتدائي فحسب، وا ته أو ٕنما يتعلق أيضا بكتمان أسرار التحقيق لمن اطلع عليه أو علم به بحكم وظيف
ً علـى كـل مـن باشـر التحقيـق أو اتصـل بـه أو علـم بـه بحكـم وظيفتـه أو

مهنته. وهو ما يفـرض التزامـا
مهنتـه، بالمحافظـة علـى سـرية التحقيـق، وعـدم إفشـائها أو نشـرها بإحـدى طـرق العلانيـة، أي الالتـزام
P2T) .5 (بعدم تسرب أي TP380F2 ُ من معلومات التحقيق إلى الجمهور

223) .2 (سامي الحسيني، المرجع السابق، ص
مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية في التشريع المصري”، ج1 ،المرجع السابق، ص585) .3(
– فوزية عبدالستار، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1986 ،ص326.
ً امام من يحاول حرف التحقيق عن جادة الصـواب. انظـر المـادة (57/أ) (4(
ان تسبيب قرار السرية، لاشك انه يقف حائلا
من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي.
انظر في هذا المعنى: (5 (
– مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية في التشريع المصري”، ج1 ،المرجع السابق، ص587.

( 133 )
ً علـى أدلـة

بنـاء علـى ذلـك، والتزامـا بحـق المـتهم فـي الاحتفـاظ بقرينـة براءتـه مـن جهـة، وتحفظـا
P2T) .1 (التحقيـق مـن جهـة أخـرى، اعتبـر القـانون العراقـي أي خـرق لسـرية التحقيـق جريمـة معاقـب عليهـاTP381F2
حيـث شـمل هـذا الالتـزام كـل شـخص وصـل إليـه سـر مـن أسـرار التحقيـق بحكـم وظيفتـه ( كالقاضـي
والمحقق وأعضاء الادعاء العام وكتاب قلم المحكمة ) أو بحكم مهنته ( كـالخبير والطبيـب والمحـامي)،
كذلك يسري هذا الالتزام على الشهود وكل من له علاقة بالقضية الذين تم تحذيرهم من سلطة التحقيـق
P2T) .2 (بوجوب المحافظة على سرية المعلوماتTP382F2
ننتهي مما سبق في شأن اثر البراءة في المبادئ الأولية للتحقيق الابتدائي، انـه لا يمكـن الاسـتناد
إلى إجراءات عادلة في ظل التحقيق الجنائي، دون العمل بالمبـادئ الأوليـة لهـا متمثلـة بحيـاد التحقيـق
وفصـله عـن سـلطة الاتهـام، بمـا لا يسـمح بوجـود تحقيـق منحـاز يقـف موقـف الخصـومة مـن المـتهم،
ويضمن عدم المساس به إلا بالقدر اللازم الذي يفرضه التحقيق، ومتمثلة أيضا – أي مبـادئ التحقيـق
الأولية – بسرية التحقيق بالنسبة للجمهور دون الخصوم، مما يؤدي إلى حماية سمعة واعتبار المتهم
ً، وان ذلك كله مـن مفترضـات تطبيـق قرينـة البـراءة ونتائجهـا فـي حـق المـتهم فـي

بل وحمايته شخصيا
مرحلة التحقيق الابتدائي.

حيث نصت المادة (236/1 (من قانون العقوبات العراقي على انه ( يعاقب بـالحبس مـدة لاتزيـد علـى سـنتين وبغرامـة (1 (
ً بشـأن محاكمـة قـرر

لا تزيد على مـائتي دينـار أو بإحـدى هـاتين العقـوبتين مـن نشـر بإحـدى طـرق العلانيـة: اخبـارا

ً في جنايـة أو جنحـة أو وثيقـة مـن وثـائق هـذا التحقيـق،
ً قائما
القانون سريتها أو منعت المحكمة نشرها، أو تحقيقا
إذا كانت سلطة التحقيق قد حظرت اذاعة شيء عنه.
كما عاقبت المادة (437 (عقوبات عراقي، بذات العقوبة السابقة، كل من علم بحكـم وظيفتـه أو مهنتـه أو صـناعته


أو فنه أو طبيعة عمله بسر فافشاه في غير الأحوال المصرح بها قانونا
174) .2 (سعيد حسب االله، ” شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص

( 134 )

المبحث الثاني
أثـــر البـراءة في “القبض”

ً تفتـرض
يعد القبض من أخطر الإجراءات التي تتخـذها السـلطة فـي مواجهـة شـخص لازال متهمـا
ً الحـد مـن ً إلى أن الأصل في الإنسان التمتع الكامل بالحريـة فـلا يجـوز
فيه البراءة، استنادا – أساسـا
هذه الحرية، إلا إن مقتضيات المصلحة العامـة قـد تتطلـب تقييـد هـذه الحريـة – بصـورة أو بـأخرى –
إذا وضع هذا الإنسان في مو ضع الاتهام.
ولما كان القبض إجراء يمس الإنسان في ابرز حرياته وحقوقه، فقد حرصت التشريعات الإجرائية
على أن تحصر هذا الإجراء بيد سلطة قضائية مختصة، لما يتوسم فيها من استقلال وحيدة ونزاهـة،
تكفل مـن خلالهـا حمايـة بـراءة المـتهم المفترضـة، ومـع ذلـك قـد تسـتدعي بعـض حـالات الضـرورة أو
ً بأعمـال قرينـة البـراءة فـي

الاستعجال، تخويل هذا الإجراء إلى غيـر تلـك السـلطة، ممـا يشـكل مساسـا
التحقيق الجنائي.
بناء على ما تقدم نتناول هذا المبحث في ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول / ماهية القبض
المطلب الثاني / اثر البراءة في “القبض بناء على أمر “
المطلب الثالث / اثر البراءة في ” القبض بدون أمر “.

المطلب الأول
ماهية القبض

للوقـوف علـى ماهيـة القـبض، نتنـاول القـبض فـي مفهومـه ومضـمونه، ثـم فـي طبيعـة القـبض
وتمييزه عما يشتبه به، على الوجه الآتي:-

( 135 )

أولا / مفهوم القبض
يـراد بإلقــاء القــبض اتخــاذ الاحتياطيـات اللازمــة، لتقييــد حريــة المقبـوض عليــه، ووضــعه تحــت
ً
تصرف الجهة المخولـة بإلقـاء القـبض عليـه، لفتـرة زمنيـة معينـة تسـتهدف منعـه مـن الفـرار، تمهيـدا
2 لاستجوابه من الجهات المختصةTP38F
(1) .P2T

ً فيمـا اطلعنـا مـن

ولم يحظ القبض على تعريف مـن قبـل القـانون العراقـي، كمـا لـم نجـد لـه تعريفـا
القـوانين العربيـة، وكثيـر مـن الفقـه الجنـائي حـاول إيـراد تعريـف للقـبض، ولكـن يبـدو لنـا إن تعريـف
محكمة النقض المصرية كان أكثرها دقة وشمولية، حين قررت إن القبض علـى شـخص هـو إمسـاكه
من جسمه وتقييد حركتـه، وحرمانـه مـن حريتـه فـي التجـول كمـا يريـد، دون أن يتعلـق الأمـر بقضـاء
2TP فترة زمنية معينة 384F
(2) .P2T

ثانيا / مضمون القبض
قوام القبض هو حرمان الشخص من حريته في الحركة والتجول، بحيث لا يمكنه قيادة نفسه إلى
حيث يشاء، إذ يصبح أمـر القيـادة بيـد القـابض عليـه، ويتميـز القـبض بأنـه حرمـان مقصـود، ينصـب
ً لكـن زمـن هـذا الحرمـان لـيس مـن خصـائص القـبض، وعليـه

على شخص محـدد، وقابـل للتنفيـذ جبـرا
يمكن القول إن القبض يقوم علـى ثلاثـة أسـس هـي، حرمـان الشـخص مـن حريتـه فـي التنقـل، وبأنـه
ً – بمعنـى انـه قابـل
ً أو معنويـا
حرمان مقصود على أن يصاحب هذا الحرمان إكراه – سواء كان ماديا

ً
ٕ َّ لا عـد قبضـا

ً للقـانون فهـو قـبض قـانوني، وا

ً، فإذا تـم القـبض بصـورة مشـروعة، أي وفقـا
للتنفيذ جبرا
2 غير مشروع، يحاسب عليه قانون العقوبات باعتباره جريمةTP385F
(3) .P2T

ثالثا / طبيعة القبض
إن القبض هو حجر علـى حريـة المـتهم بتقييـد حركتـه فـي التجـول، ومـن أجـل ذلـك كـان القـبض
إجراء خطيرا ومـن ثـم لا يمكـن اعتبـاره مـن ً لما يتضمنه مـن اعتـداء علـى الحريـة الشخصـية للمـتهم،
سامي النصراوي، “دراسة في قانون أصول المحاكمات الجزائية”، ج1 ،مطبعة دار السلام، بغداد، ص334) .1 (
(2) .853ص، 171 رقم، 20س، 1969/6/9 في مصري نقض
انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص225) .3(
وانظر نص م (421 (من قانون العقوبات العراقي.

( 136 )
ً مـن إجـراءات التحقيـق، حيـث لا يجـوز القـبض علـى

ٕنما يكون دائما

إجراءات التحري وجمع الأدلة، وا
أي شخص إلا بمقتضى أمر صادر من قاض أو محكمة – كقاعدة عامة – ومنحه استثناء لأعضـاء
P2T) .1 (الضبط القضائي في حالات محددة حصرا2TP 386Fً

رابعا / تمييز القبض

ً – مـع
ً – مع بعـض المصـطلحات الإجرائيـة، كمـا قـد يتشـابه – عمليـا

قد يتشابه القبض – نظريا
ٕ بعض الإجراءات التحقيق جراء الاستيقاف.

ية، ولعل ابرز ما يثير هذا التشابه، الأمر بالحضور، وا
أ / المقارنة بين الأمر بالحضور والأمر بالقبض

ً بالحضور، ويفرق بينهما تجـرد الأول مـن القهـر

يجمع بين الأمرين أنهما يتضمنان تكليفا
وانطواء الثاني عليه، ويتفرع عن هذا الفارق اخـتلاف ثـان: فـالأمر بالحضـور جـائز فـي جميـع
الجرائم، أما الأمر بالقبض فغير جائز إلا في فئة محدودة من الجرائم، ويعلل ذلك إن هذا الأمر
ً للحرية، ومن ثم كان غير جائز إلا في الجرائم التي تمثل خطورة معينة تبرر ذلك

يتضمن سلبا
387F الإجراء 2TP
(2) .P2T

ب / المقارنة بين إجراء الاستيقاف وإجراء القبض
الاسـتيقاف إجــراء مخـول لرجــال السـلطة العامــة، علــى كـل شــخص يضـع نفســه طواعيــة
ً، لا يتعـدى
ً عـابرا
ً عرضـيا
موضـع الشـك، يجـوز لهـم بمقتضـاه تقييـد حريتـه فـي الحركـة، تقييـدا
إيقافه لمجرد سؤاله، وعليه فإن شروط الاستيقاف تتمثل في أمرين:

ً موضـع الريـب

الأول: اشـتباه تبـرره ظـروف وضـع الشـخص فيهـا نفسـه طواعيـة واختيـارا

ً في استيقافه”.

والظنون، تولد لرجل السلطة العامة “حقا
2 والثاني: هذا الحق لا يعطي لرجل السلطة أكثر من إيقاف المتهم لسؤالهTP38F
(3) .P2T

ً الوقت اللازم لسؤال المسـتوقف،

على إن الاستيقاف مقيد بشرطين: الأول: ألا يتعدى زمنيا
فإذا اسـتطال زمـن الإيقـاف عـن الوقـت الـذي يسـتغرقه إلقـاء السـؤال، وتلقـي الإجابـة، كـان فـي


ً لا استيقافا
الأمر قبضا
انظر في ذلك: مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية الجنائية في التشريع المصري”، ج1 ،ص483) .1 (
وانظر نص المادتين (50 (و(92 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص696) .2(
محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص242) .3(

( 137 )
ً الثــاني: ألا يتضــمن تن للمتحــري عنــه، يمكــن أن يكــون فيــه

ً ماديــا
فيــذ الاســتيقاف تعرضــا

ً
ً لا استيقافا
P2T) .1 (مساس بحريته الشخصية أو اعتداء عليها، وألا عد TP389F2 ّ ذلك قبضا
على ذلك يمكن وضع فروق أساسية بين الاستيقاف والقبض، تتمثل في التالي:

ً ويقوم به أعضـاء الضـبط القضـائي، بينمـا الاسـتيقاف

القبض من إجراءات التحقيق أساسا

ُ من رجال الأمن، والقبض ينفـذ علـى شـخص قامـت دلائـل

من إجراءات الاستدلال ويقوم به أي
كافيـة علـى اتهامـه بجريمـة معينـة، أمـا الاسـتيقاف فيتخـذ حيـال شـخص وضـع نفسـه موضـع
الريبة والشك، مما يستلزم التحري عنه بالسؤال، والقبض إجـراء قـد تسـتخدم فيـه القـوة اللازمـة
لتنفيذه عند المقاومـة، أمـا الاسـتيقاف فـلا تسـتخدم فيـه القـوة أثنـاء إجرائـه. كمـا إن القـبض لا
ً ما يتخذ للتحري وقبل وقوع الجريمةTP390F2
P2T) .2 (يكون إلا بعد وقوع الجريمة، أما الاستيقاف غالبا

المطلب الثاني

اثر البراءة في ” القبض بناء على أمر “

يتركـز اثـر البـراءة فـي القـبض بنـاء علـى أمـر فـي بيـان الجهـة المخولـة بإصـدار أمـر القـبض،
والشروط الـلازم توافرهـا لإجـر اء القـبض مـن حيـث جسـامة الجريمـة، ومـا يجـب أن يشـتمل عليـه أمـر
القبض من بيانات. عليه نبحث هذا المطلب في فروع ثلاث
الأول: اثر البراءة من حيث الجهة المخولة بإصدار أمر القبض.
الثاني: اثر البراءة من حيث جسامة الجريمة.
الثالث: اثر البراءة من حيث ما يجب أن يشتمل عليه أمر القبض من بيانات

P الجهة المخولة بإصدار أمر القبض P ” الفرع الأول / اثر البراءة من حيث P

232) .1 (انظر في هذا المعنى: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
نــايف بــن محمــد الســلطان، “حقــوق المــتهم فــي نظــام الإجــراءات الجزائيــة الســعودي”، دار الثقافــة، الاردن، 2005) ،2(
ص54.

( 138 )
حصر قانون الأصول الجزائية العراقي سلطة إصدار أوامـر القـبض بالقاضـي والمحكمـة فقـط. فـلا
يجوز إصدار أمر القبض من قبل المحقق أو عضو الضبط القضائي أو المسؤول في مركز الشرطة،
حيـث نصـت المـادة (92 (علـى انـه “لا يجـوز القـبض علـى أي شـخص أو توقيفـه إلا بمقتضـى أمـر
صادر من قاض أو محكمة أو في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك”.
إلا أن حصـر إصـدار أمـر القـبض علـى السـلطة القضـائية ممثلـة بقاضـي التحقيـق، أو بمحكمـة
الموضـوع، لا يعنـي تجريـد هـذا الحـق مـن بعـض الأشـخاص أو الهيئـات الممنوحـة سـلطة محكمـة أو
سلطة قاضي، كمـا هـو الحـال بالنسـبة لعضـو الادعـاء العـام الـذي مـنح سـلطة قاضـي تحقيـق عنـدما
P2T) .1 (يكون حاضرا TP391F2 ً في الجرائم المشهودة في حالة غياب قاضي التحقيق المختص
وا – كقاعــدة عامــة – المختصــة بإصــدار أوامــر ٕذا كــان قاضــي التحقيــق هــو الجهــة الأساســية
ً بالتحقيق، فانه يجـوز لكـل قـاض أن يـأمر بـالقبض علـى أي

القبض، باعتباره الجهة المختصة أصلا
شـخص ارتكـب جريمـة فـي حضـوره. وذلـك حسـب نـص المـادة (98 (مـن قـانون أصـول المحاكمـات
الجزائية.
ومثل ذلك أجازت المادة (51 /ب، جـ ) – في حالة غياب قاضي التحقيـق المخـتص- لأي قـاض
إجراء التحقيق واتخاذ ما يلزم من إجراءات، ومن ضمنها إجراء القـبض، إذا كانـت الجريمـة جنايـة أو
جنحـة، وفـي حالـة الضـرورة أو إذا وقعـت بحضـوره، علـى أن تعـرض أوراق التحقيـق ومـا اتخـذ مـن
P2T) .2 (إجراءات على قاضي التحقيق، بأسرع ما يمكنTP392F2
والجهة الأخرى – بعد قاضي التحقيق – التي خولها المشـرع العراقـي إصـدار الأمـر بـالقبض هـي
محكمة الموضوع، وفق نص المادة (92 (السابقة، وتعزز ذلك بنص م (157 (بقو لهـا “للمحكمـة فـي
أي وقـت أثنـاء نظـر الـدعوى أن تقـرر القـبض علـى المـتهم وتوقيفـه ولـو كـان قـد سـبق صـدور قـرار
بإطلاق سراحه، على أن تبين في القرار الذي تصدره الأسباب التي استندت إليها في توقيفه”.

P جسامة الجريمة P ” الفرع الثاني / اثر البراءة من حيث P

سعيد حسب االله، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص220) .1 (
المادة ( 51 /د ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (2(

( 139 )
لا يكفي للمساس بحرية المتهم الشخصية من خلال إجراء القبض، أن يكـون صـدوره قـد تـم مـن
ً عن ذلك توافر شروط معينة تتعلق بجسامة الجريمة.

ٕنما ينبغي فضلا
ً بذلك، وا
جهة مخولة قانونا
وبمـا أن الغايـة مـن القـبض هـو حضـور المـتهم أمـام سـلطة التحقيـق فـي الوقـت المناسـب، فـان
القاعـدة أن يـتم ذلـك مـن خـلا ل ورقـة التكليـف بالحضـور. إلا أن هـذه القاعـدة لا يجـوز أعمالهـا فـي
ً عليها بالإعدام أو السجن المؤبد. ومن ثم يجب على القاضي فـي تلـك

حالة إذا كانت الجريمة معاقبا
الحالـة إصـدار أمـر القـبض علـى المـتهم. أي أن إلـزام القاضـي بإصـدار هـذا الأمـر لا يكـون إلا فـي
حالتين الأولى حالة الجريمة المعاقب عليها بالإعدام، الثانية حالـة الجريمـة المعاقـب عليهـا بالسـجن
المؤبد. وبمفهوم المخالفة فانه في غير تلك الحالتين، يكون إصدار أمر القبض من قاضـي التحقيـق

ً
P2T) .1 (أو محكمة الموضوع أمرا TP39F2 ً جوازيا

ُحضـر المـتهم بجريمـة معاقـب عليهـا بـالحبس مـدة تزيـد علـى سـنة

غيـر انـه كقاعـدة عامـة، ي

ً بــالقبض عليــه، ومــع ذلــك يجــوز لــه إحضــار المــتهم بورقــة تكليــف

بواســطة إصــدار القاضــي أمــرا

ً، أو ذا مركـز اجتمـاعي معـروف،

ً لتقديره الشخصي، كـأن يكـون المـتهم معروفـا

بالحضور، وذلك وفقا
P2T) .2 (أو له محل 2 إقامة معين وثابت ولا يخشى هروبهTP394F
أمــا فــي الجــرائم المعاقــب عليهــا بــالحبس ســنة فأقــل، فالأصــل فيهــا أن يــتم إحضــار الشــخص،
بوساطة أمر التكليف بالحضـور، إلا انـه يجـوز إصـدار أمـر بإلقـاء القـبض عليـه فـي حـالات حـددتها
المادة (97 (من الأصول الجزائية وهي:-
أ- إذا لم يحضر الشخص، بشرط أن يكون قد تم تبليغـه بوجـوب الحضـور، وان هـذا التبليـغ
قد تم من خلال ورقة تكليف بالحضور، وان عدم حضوره كان دون عذر مشروع.
ب- إذا تولد شعور لدى القاضي باحتمال هروب الشخص المطلوب حضوره.
جـ- إذا كان عدم حضوره بواسطة القبض، قد يؤثر على سير التحقيق.
د- إذا لم يكن للشخص المطلوب حضوره، محل سكن معين.

انظر نص المادة (99 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (1 (
المصدر نفسه. (2(

( 140 )
P ما يجب أن يشتمل علي�ه أم�ر الق�بض ” الفرع الثالث / اثر البراءة من حيث P
” من بيانات P
مما يقيد أمر القبض أيضا، وجوب صدوره في شكل معـين، إذ يعـد هـذا الشـكل بمـا يتضـمنه مـن
معلومات وبيانات من ضمانات حر ية المتهم، وعليه فـان الشـكل الـذي يصـدر فيـه أمـر القـبض يتـأثر
بقرينة براءة المتهم.
حيث يبدو ذلك الأثر في القانون العراقي من خلال البيانات التي يشتمل عليها أمر القبض سواء
ً بـالمتهم أو طريقـة معاملتـه أو مـا يتعلـق بجهـة إصـداره. إذ نصـت م(93 (مـن الأصـول
كـان متعلقـا
الجزائية على انه ( يشتمل الامر بالقبض على اسم المتهم ولقبه وهويته وأوصافه. إن كانت معروفة
– ومحل إقامته ومهنته ونوع الجريمة المسندة إليـه، ومـادة القـانون المنطبقـة عليهـا وتـاريخ الأمـر،
وتوقيع من أصدره وختم المحكمة).

ً للوقــوع فــي الخطــأ أو

هـذا التحديــد الــدقيق للمــتهم، لاشــك فيــه ضـمانة لبــراءة الآخــرين، ومنعــا
التعسف في استعمال حق القبض من قبل السلطة المنفذة لأمر القبض، كما في تحديد نـوع الجريمـة
ومادتها القانونية نوع آخر من الضمانات يتعلق بطريقة معاملـة المـتهم. إذ لا شـك إن تلـك المعاملـة
ً بجريمـة معاقـب عليهـا بـالحبس أقـل مـن سـنة، أم

تختلف فيما لو كان المطلوب القبض عليـه متهمـا
بجريمة معاقب عليها بالإعدام، وقد تعزز ذلك، حينما أوجب المشرع علـى القاضـي أن يبـين فـي أمـر
ٕ رغامـه علـى الحضـور

القبض تكليفه لأعضاء الضبط القضائي وأفراد الشرطة بـالقبض علـى المـتهم وا

ً
2 في الحال، إذا رفض ذلك طوعاTP395F
(1) .P2T

وبمفهـوم المخالفـة، فإنـه إذا لـم يبـين القاضـي طريقـة إحضـار المـتهم فـي حالـة رفضـه الامتثـال
للأمر، فإن منفذي القبض لا يستطيعون إرغامه على الحضور.

ً إلـى
ومع ذلك لا نعتقد أن المشـرع العراقـي – فـي نـص تلـك المـادة – أراد ذلـك المفهـوم، اسـتنادا
أمرين، الأول إن من خصائص القبض، انه ينطوي على جبر وا مادي أي ٕكراه، سواء كان هذا الإكراه
ً لمشـيئته فـي

ُحضر إلى قاضي التحقيق أو المحكمة، وفقـا

بالقوة أو معنوي أي بالتهديد، فالمتهم لا ي
الحضـور، إذا صـدر ضـده أمـر بـالقبض. والأمـر الثـاني، مـا نـص عليـه المشـرع فـي المـادة (108 (
ً أصـول جزائيـة مـن انـه ( إذا قـاوم المـتهم القـبض عليـه أو حـاول الهـرب، فيجـوز لمـن كـا
ن مأذونـا
ً أن يستعمل القوة المناسبة التي تمكنه مـن القـبض عليـه، وتحـول دون هروبـه،

بالقبض عليه قانونا

حيـث نصـت المـادة (93 (مـن قـانون الأصـول الجزائيـة بأنـه ( يجـب اضـافة إلـى البيانـات المتقدمـة، ان يشـتمل أمـر (1 (
ٕ رغامـه علـى الحضـور فـي الحـال،

القبض على تكليف أعضاء الضبط القضائي وافراد الشرطة بالقبض علـى المـتهم، وا

.( ً
إذا رفض ذلك طوعا

( 141 )
ً بجريمـة معاقـب عليهـا بالإعـدام أو

علـى أن لا يـؤدي ذلـك بأيـة حـال إلـى موتـه، مـا لـم يكـن متهمـا
بالسجن المؤبد ).
لذا يبدو إن القانون العراقي ما كان يريد من نص المادة (93 – (فيما يتصل بإرغام المتهم علـى
الحضور – سوى التأكيد على أعضاء الضبط القضائي وأفراد الشرطة، على استخدام القوة في بعـض
الجرائم وعلى بعض المتهمين، إذا رفض المطلوب القبض عليه الانصياع إلى أمر القبض.
P2T ،ويمكـن إيجازهـا (1 (كما يفهم من نص المـادة (108 ،(طريقـة معاملـة المـتهم لتنفيـذ أمـر 2 القـبضTP396F
بفروض ثلاثة:
الفرض الأول: أن يوافق المتهم وينصاع لأمر القبض.
الفرض الثاني: أن يرفض المتهم الأمر ولكنه لا يقاوم القبض.
الفرض الثالث: أن يرفض المتهم أمر القبض، كما انه يقاوم تنفيذ القبض.
فـي الحالـة الأولـى لا تسـتخدم أيـة قـوة لتنفيـذ أمـر القـبض، وفـي الثانيـة كـذلك، أمـا فـي الفـرض
ً هـو اسـتخدام القـوة المناسـبة التـي تمكـن

ً لتنفيـذ القـبض جبـرا

الثالـث وضـع المشـرع العراقـي معيـارا
أعضـاء الضـبط القضـائي مـن القـبض علـى المـتهم. أي يجـب أن يكـون هنـاك تناسـب بـين اسـتخدام
القـوة مـن قبـل سـلطة التنفيـذ وبـين درجـة المقاومـة مـن قبـل المـتهم مـن جهـة، وجسـامة الجريمـة
المطلوب بها من جهة أخرى.
ومعيار التناسب في استخدام القوة، للقبض على المتهم، أمر معقول، لاسـيما إن المـتهم البـريء
ً ما يستجيب لأمر القبض وان كان يرفضه، ولكن ما هو غير مقبـول أو معقـول أن تصـل درجـة
غالبا
استخدام القوة إلى الحـد الـذي يمكـن أن يـؤدي إلـى مـوت المـتهم، حيـث أجازهـا القـانون فـي حالـة أن
الشخص المطلوب القبض عليه متهما في جريمة معاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد.
فإن أيدنا ذلك فهو موافقة على إعـدام أي مـتهم – فـي جريمـة معاقـب عليهـا بالسـجن المؤبـد أو
الإعدام – قبل المحاكمة بل والتحقيـق معـه، وعليـه لا يجـوز قبـول هـذا الفـرض، لتعارضـه مـع قرينـة
براءة المتهم، إلا إذا كان أعضاء الضبط القضائي في حالة الدفاع الشرعي.
ومما يسند قرينة البراءة أيضا فيما يشتمله أمر القبض، جواز تدوين القاضي فيه، وجوب إطلاق

ً بالحضور،
ً ً كتابيا
سراح المقبوض عليه، إذا قدم تعهدا سواء اقترن بكفالة أو بدونها أو بإيداع مبلغـا

كان الاجـدر بالمشـرع العراقـي ان يبـين بدايـة طريقـة معاملـة المـتهم عنـد تنفيـذ أمـر القـبض، قبـل ان يفتـرض مقاومـة (1 (
المتهم للقبض، فيبين طريقة التعامل مع هذه المقاومة.
ولقد أحسن المشرع المصري عندما نص في المادة (49 (من قانون الإجـراءات الجنائيـة علـى انـه ( لا يجـوز القـبض
ً، كمـا تجـب معاملتـه بمـا يحفـظ عليـه كرامـة

على أي إنسـان أو حبسـه، إلا بـأمر مـن السـلطات المختصـة بـذلك قانونـا

ً ). وفي ذلك ارشاد وبيان لأعضاء الضبط القانوني وافراد الشرطة في أهميـة
ً أو معنويا
الإنسان، ولا يجوز ايذاؤه بدنيا
معاملة المتهم على أساس تمتعه بأصل البر اءة.

( 142 )
ً في صندوق الدائرة، إذ في ذلك ما يعزز أن السـلطة التحقيقيـة إنمـا تتعامـل مـع المـتهم بفـرض
معينا
2 انه بريء، رغم اتخاذها ذلك الإجراء التحقيقيTP397F
(2) .P2T
المطلب الثالث
أثر البراءة في ” القبض بدون أمر “

ّه اجراء تحقيقي هو صدوره من الجهة التحقيقيـة المختصـة

إن كانت القاعدة العامة في القبض بعد
– سواء كان قاضي التحقيق فـي العـراق أو النيابـة العامـة فـي مصـر علـى سـبيل المثـال – فـإن حـالتي
الضرورة والاستعجال في بعض القضايا الجنائية قد تستوجبان إعطاء تلك المكنة، لغير هؤلاء – سـواء
من أعضاء الضبط القضائي أو المسـؤول فـي مركـز الشـرطة – علـى سـبيل الاسـتثناء، بـل إن القـانون
العراقي سمح لأي شخص صلاحية القبض في حالات معينة، وعليه يمكن إيجاز القبض بدون أمر إلى
نوعين:
أولا / حالات القبض الوجوبي بدون أمر
حيـث أوجبـت المـادة (103 (مـن قـانون الأصـول الجزائيـة علـى كـل فـرد مـن أفـراد الشـرطة أو أي
عضو من أعضاء الضبط القضائي القبض على أي شخص في الحالات التالية:-
ً لأحكام القانون.

ً أو مخبأً، خلافا
ً ظاهرا
ً سلاحا
1 -إذا كان حاملا
2 -كـل شـخص ظـن لأسـباب معقولـة انـه ارتكـب جنايـة أو جنحـة عمديـة، ولـم يكـن لـه
محل إقامة معين.
3 -كـل شـخص تعـرض لأحـد أعضـاء الضـبط القضـائي أو أي مكلـف بخدمـة عامـة فـي
أداء واجبه.

ثانيا / حالات القبض الجوازي بدون أمر
حيـث أجـازت المـادة ( 102 ( أصـول جزائيـة – ولـو بغيـر أمـر مـن السـلطات المختصـة – حـالات
وردت علـــى ســـبيل الحصـــر تفيـــد القـــبض علـــى أي مـــتهم بجنايـــة أو جنحـــة فـــي حـــالتي الجريمـــة
P2T ، كمـا أجـاز لكـل شـخص القـبض علـى (1 (المشـهودةTP398F2

ً
ٕذا كـان المـتهم قـد فـر بعـد القـبض عليـه قانونـا
، وا

انظر نص م ( 95 ( أصول جزائية. (2 (
تـنص المـادة (102/أ ) علـى انـه ( لكـل شـخص ولـو بغيـر أمـر مـن السـلطات المختصـة، ان يقـبض علـى أي مـتهم (1(
بجناية أو جنحة في إحدى الحالات التالية:

( 143 )
ً المحك بعقوبة مقيدة للحرية في جناية أو جنحة، وعلى كـل مـن وجـد فـي محـل عـام فـي
وم عليه غيابيا

ً صوابه.
ً أو كان فاقدا

حالة سكر بين واختلال وأحدث شغبا
إلا انه يلاحـظ علـى حـالات القـبض بـدون أمـر – الوجوبيـة والجوازيـة – تعارضـها مـع قرينـة بـراءة
المتهم من عدة وجوه.

ً◌َ على سلطة القبض بناء على أمر – رغـم إن هـذه

فإذا كان القانون، بل والدستور قد فرض قيودا
السلطة يتولاها القضاء ابتداء، وهو الحارس الطبيعـي للحريـات – فمـن بـاب أولـى أن يفـرض القـانون،
ً أشد على سلطة القبض بدون أمر، حماية للمتهم المفترضة براءته، ضـد أحـوال القـبض التـي قـد
قيودا

ً عــن رقابــة القضــاء التــي لا تتحقــق إلا بصــفة لاحقــة فــي مثــل هــذه

ً أو دون حــق، بعيــدا
تقــع تعســفا
الحـالات، غيـر إن القـانون العراقـي وعلـى العكـس مـن ذلـك، قـد توسـع فـي منحـه لصـلاحيات القـبض

ً عن إجازة القبض لأي شخص في بعض الحالات.

لأعضاء الضبط القضائي، فضلا
إذ يلاحظ هذا التوسع – بالنسبة لأعضـاء الضـبط القضـائي وأفـراد الشـرطة – فـي مـنحهم صـلاحية
القبض، على الشخص لمجرد الشك المبني على أسباب معقولـة – وفـق تصـوره الشخصـي لحظـة بنـاء
هذا الشك – انه ارتكب جناية أو جنحة، إذا لم يكـن لـه محـل إقامـة معـين. ولاشـك بـأن ذلـك يعـد تقييـد
لحرية الإنسان، وحرمانه من التنقل لفتـرة قـد تطـول، لمجـرد انـه لـيس لـه محـل إقامـة معـين، تلـك هـي
جريمتـه التـي حـرم علـى أساسـها مـن حريتـه الشخصـية، المبنيـة علـى شـك ورد لـدى عضـو الضـبط
القضائي أو أي فرد من أفـراد الشـرطة، بـل إن القـبض عليـه فـي هـذه الحالـة أمـر واجـب علـيهم ولـيس
جوازي، وألا تعرض للمسائلة القانونية أو التأديبية.
كما يبدو هذا التوسع أيضا، وبما يتعارض مع مبدأ الأصل في الإنسان البراءة، وجوب القبض عـن
2 كل من “تعرض” لأحد أعضاء الضبط القضـائي أو أي مكلـف بخدمـة عامـة فـي أداء واجبـهTP39F

(1) وحسـبنا. P2T
ً لأجراء القبض، الإشارة إلـى إن كلمـة “تعـرض” – الـواردة فـي الـنص

في تبرير اعتبار هذا النص توسعا
– غيـر دقيقـة، تقبـل الكثيـر مـن الاحتمـالات، ممـا يسـمح بإسـاءة اسـتخدام ذلـك الإجـراء مـن قبـل أفـراد


الشرطة أو أعضاء الضبط القضائي، وهو ما يحدث فعلا
أما بالنسبة لإجازة القبض للشخص العادي، فهي إجازة لا يوجد أدنى شك بأنهـا خطيـرة، وتتعـارض
ً لا يصـدر إلا مـن سـلطة تحقيقيـة متخصصـة، ولا ينفـذ إلا مـن
ِ إجـراء
مع مفهوم القـبض القـانوني بعـده

1 -إذا كانت الجريمة مشهودة…. )
نعتقد من غير الصحيح وصف مرتكب الجريمة المشـهودة بـالمتهم حـال ارتكابـه الجريمـة وقبـل القـبض عليـه، لاسـيما
وان هذا النص موجه لكل شخص – حيث لا يصف هذا الوصف على الإنسـان إلا بعـد ارتكـاب الجريمـة وتوجيهـه مـن
السلطة القضائية المختصة.
انظر م (103/4 ( الأصول الجزائية. (1(

( 144 )
جهة قانونية مختصـة أيضـا، وعليـه – ومـن بـاب أولـى- القـبض فـي هـذه الحالـة يتعـارض مـع مفهـوم
البـراءة التـي يتمتـع بهـا كـل إنسـان، باعتبـاره إجـراء ينتهـك ابـر ز أصـول الإنسـان المتمثلـة فـي براءتـه
وحريته الشخصية، ولا يمكن صدوره وتنفيذه في ذات الوقت من قبل شخص ليست له أية صـلاحية أو
تأهيل قانوني، لا من حيث إصداره ولا تنفيذه.
ومما يثير الاستغراب والتناقض إن القانون قيد إصدار أمر القـبض مـن قبـل السـلطات التحقيقيـة –
إلا في جرائم معينة على وفق شروط حددها في المواد (97 ،98 ،99 – ( بينما يطلـق هـذه الصـلاحية
من غير قيد، بالنسبة للشخص العادي، سوى مـن شـرطي اعتبـار الجريمـة جنايـة أو جنحـة وان تكـون
TP40F2مشهودة) 1) .P2T
مما يفضي إلى نتيجة غير منطقية تتمثـل فـي إمكانيـة كـل شـخص القـبض علـى أي إنسـان ارتكـب
جنحة، أية جنحة سواء كانت عمدية أو غير عمدية، وسواء كانت عقوبتها تصل إلى خمس سنوات أو
P2T عـن ذلـك، فـإن طبيعـة القـبض عنـد (2 (ثلاثـة اشـهر ويـوم، بـل حتـى لـو كانـت عقوبتهـا الغرامـةTP401F2

ً
، فضـلا

ً ما لا تتـوافر لـدى الشـخص العـادي. ممـا يسـمح بهـدر حريـة

تنفيذه، تستلزم دراية فنية وقانونية، غالبا
المقبوض عليه وتهديد سلامته الجسدية.
بناء على ما تقدم، ولما كان القبض لا يجوز بحسب الأصل إلا بأمر من السـلطة القضـائية، وجـب
أن يكون الخروج على هذا الأصل في أضيق الحدود، ومـن خـلال ضـمانات الحريـة الشخصـية المنبثقـة
مـن الأصـل فـي الإنسـان البـراءة، نـرى أن تقتصـر صـلاحيات القـبض بـدون امـر علـى أعضـاء الضـبط
القضـائي وللشـخص العــادي فـي حالـة الجريمــة المشـهودة فحسـب، وألا يكــون ذلـك إلا فـي الجنايــات
والجنح العمدية الهامة، دون الجنح العمدية البسيطة، والجنح غير العمدية.

ً
ومن ثم يمكن أن نخلص في شأن البراءة وأثرها في القبض، إلى إن هـذا الإجـراء لا يكـون صـحيحا
ويتلاءم مـع مقتضـيات العدالـة، إلا فـي ظـل تمتـع المـتهم بقرينـة البـراءة ومـا تفرضـه مـن نتـائج تتمثـل
ِ بضرورة م إنسان برئ.
عاملته بعده

انظر م (102/1 (الأصول الجزائية. (1 (
الجنحة هي الجريمة المعاقب عليها باحدى العقوبتين الآتيتين: (2(
1 -الحبس الشديد أو البسيط أكثر من ثلاثة اشهر إلى خمس سنوات.
2 -الغرامة. المادة (26 (من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
ً مـا تكـون مشـهودة، أي ان القانون يجيز لأي شـخص القـبض –

ً – علـى مـن ارتكـب “جريمـة السـب” وهـي غالبـا
مـثلا

وهي جنحة عقوبتها الحبس مدة لا تزيد على سنة. انظر المادة (434 (عقوبات.

( 145 )

المبحث الثالث
أثـــر البـراءة في “التفتيش”

– تمهيد وتقسيم:

ً عـن الحقيقـة فـي مسـتودع

التفتـيش إجـراء خطيـر يمـس حريـة المـتهم فـي شخصـه ومسـكنه، بحثـا
السر، ولاريب فـي أن إجـراء التفتـيش يعـد اعتـداء علـى بـراءة الإنسـان مـن خـلال البحـث فـي مكنوناتـه
وأســراره الشخصــية. إلا أن التفتــيش هــو إحــدى الوســائل المشــروعة للحصــول علــى دليــل مــادي ضــد
ً تقتضيه مصلحة المجتمع لمعرفة الحقيقة الواقعية بشأن الجريمة.
ً ضروريا
المتهم، بعده إجراء
وللتوفيق بين مصلحة المجتمع فـي مكافحـة الجريمـة ومصـلحة المـتهم فـي عـدم المسـاس بحرمتـه
الشخصية وحرمة مسكنه، فقد أحاط القانون اتخاذ هذا الإجراء بقيود وضـمانات عديـدة، مـن شـأنها أن
تكفل تحقيق التوازن بين حق الدولة فـي الحصـول علـى دليـل الإدانـة، وحـق المـتهم فـي تمتعـه بقرينـة
البراءة وآثارها.
ولبيان هذا التوازن ومـن خـلال أعمـال البـراءة فـي التحقيـق الجنـائي، نتنـاول التفتـيش علـى الوجـه
الآتي:
المطلب الأول / ماهية التفتيش
المطلب الثاني / الأثر غير المباشر للبراءة في التفتيش
المطلب الثالث / الأثر المباشر للبراءة في التفتيش

المطلب الأول
ماهية التفتيش

ً، وذلـك بالبحـث

هو إجراء من إجراءات التحقيق، يهدف إلى التوصـل إلـى أدلـة جريمـة ارتكبـت فعـلا
عن هذه الأدلـة فـي مسـتودع السـر، سـواء اجـري علـى شـخص المـتهم أو منزلـه دون أن يتوقـف علـى

( 146 )

TP402Fإرادته 2
(1) .P2T

ً وعلى ذلك يؤكـد الفقـه الجنـائي إن الطبيعـة القانونيـة للتفتـيش تتمثـل فـي عـده مـن إجـراءات ِ

إجـراء

P2T ،وليس من إجراءات الاستدلال، ولا من إجراءات المحاكمة، وهو بهذا يختلـف عـن (1 (التحقيق الابتدائيTP403F2
غيـره مـن إجـراءات جمـع الأدلـة – والتـي يجـوز اتخاذهـا فـي التحقيـق الابتـدائي والتحقيـق النهـائي –
وينبنــي علــى ذلــك إن التفتــيش جــائز للســلطة التحقيقيــة، مــا دام أن الــدعوى لــم تخــرج مــن حــوزتهم
بالتصرف فيها، فان طرحت الدعوى على المحكمة، فإنه لا يجوز لها إجراء التفتيش، كمـا ان المحكمـة
ً من الحق في الحياة الخاصـة وحرمتهـا، فـي سـبيل تحقيـق مصـلحة

لا تملك إجراءه، لأنه أجيز استثناء
P2T ،وقـد (2 (عامة هي الوصول إلى أدلـة تكشـف حقيقـة الجريمـة، والاسـتثناء لا يجـوز التوسـع فـي تفسـيرهTP40F2
جـاءت القواعـد الخاصـة بـالتفتيش فـي قـانون أصـول المحاكمـات الجزائيـة العراقـي فـي الجـزء الخـاص
405F 2TPالابتدائي بالتحقيق) 3) .P2T
ومع ذلك قد لا يكـون التفتـيش مـن إجـراءات التحقيـق، يفتـرض جريمـة ارتكبـت ويسـتهدف التنقيـب
ٕنما قد يكون مـن إجـراءات الإسـتدلال يسـتهدف مجـرد التحـري فـي شـأن جريمـة محتملـة،

عن دليلها، وا
ويـدخل فـي هـذا النطـاق التفتـيش فـي حالـة الضـرورة أو التفتـيش الإداري، والتفتـيش المسـتخلص مـن
P2T) .4 (علاقة تعاقدية تتضمن الرضاء المفترض به، وكذلك التفتيش الوقائيTP406F2

279) .1 (فوزية عبدالستار، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر في ذلك: (1(
– عبـدالامير العكيلـي، “أصـول الإجـراءات الجنائيـة فـي قـانون أصــول المحاكمـات الجزائيـة”، ج1 ،بغــداد، 1975 ،
ص337.
– سامي النصراوي، “دراسة في أصول المحاكمات الجزائية”، ج1 ،بغداد، 1976 ،ص427.
– سعيد حسب االله عبداالله، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص201.
463) .2 (حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
وذلك في الفصل الرابع من الباب الرابع الخاص بالتحقيق الابتدائي. (3 (
تفتيش حالة الضرورة مثاله حالة طلب المساعدة ممن يكون فـي داخـل المسـكن أو عنـد حـدوث حريـق داخلـه ونصـت (4(
على ذلك م (73/ب) من قانون أصول المحاكمات الجز ائية العراقي.
والتفتيش الإداري هو الذي يقوم به بعض الموظفين أو مـن يقـوم مقـامهم بهـدف الكشـف عـن وقـوع جريمـة أو تجنـب
وقوعها أو لتحقيق ضرورة عملية. ومثالها ( تفتيش دائرة الجمارك، أو تفتيش مصلحة السجون ).
والتفتيش التعاقدي مثاله التفتيش الذي يجريه رب العمل أو من يمثله على العمال لدى انصرافهم من العمل.
والتفتيش الوقائي الذي لايعد من أعمال التحقيق، هو التفتيش الذي تقتضيه ضرورات الامن يتخـذ لتجريـد شـخص مـا
قد يكون معه من أسلحة أو ادوات ربما يسـتعملها فـي الاعتـداء علـى غيـره أو علـى نفسـه. ومثالـه التفتـيش الـذي قـد
يجريه حراس الامن قبل الدخول إلى احد المباني لغرض الامن.

( 147 )
ً عن دخول الأماكن سواء أكانـت منـازل أو محـال عامـة، إذ قـد
ً بينا
كما إن التفتيش يختلف اختلافا

ً عـن إن
يتم التفتيش دون حاجة إلـى دخـول الأمـاكن، كمـا لـو وقـع علـى الشـخص خـارج منزلـه، فضـلا
دخول الأماكن قد يكون لغير التفتيش كمـا إذا كـان الـدخول لتنفيـذ أمـر القـبض أو لمعاينـة مكـان وقـوع
الجريمـة واثبـات حالتـه، لـذلك فـان أحكـام التفتـيش تحمـي مسـتودع السـر، بينمـا أحكـام دخـول الأمـاكن
P2T) .1 (تحمي حرمة المساكنTP407F2

المطلب الثاني
الأثر غير المباشر للبراءة في التفتيش

يتمثل الأثر غير المباشر للبراءة في اجراء التفتيش من خـلال البحـث فـي الجهـة المخولـة لاصـدار
أمر التفتيش، وفي الأسباب التي تـدعو إلـى اتخـاذ أمـر التفتـيش. لـذا نتنـاول هـذا المطلـب فـي فـرعين،
نبحث في الأول أثر البراءة في الجهة المخولة بـالتفتيش، ونتنـاول فـي الثـاني أثـر البـراءة فـي مبـررات
التفتيش.
الفرع الأول / أثر البراءة في الجهة المخولة بالتفتيش
P2T ،وعليـه فـإن أولـى (2 (إن التفتـيش إجـراء تحقيـق لا تملكـه – بحسـب الأصـل – إلا سـلطة التحقيـقTP408F2
ً هـي سـلطة التحقيـق متمثلـة بقاضـي التحقيـق فـي

ضـمانات التفتـيش إن السـلطة المختصـة بـه أصـلا
القانون العراقي والنيابة العامة في القانون المصري، فلا يتولاه أعضاء الضـبط القضـائي إلا فـي أحـوال
معينة جاءت على سبيل الحصر في القانون، وفيما عدا هذه الأحـوال، هـم ممنوعـون عنـه، إلا إذا أذن
2 لهم بذلك من يملكهTP409F
(3) .P2T

والعلـة فـي حصـر أمـر التفتـيش فـي السـلطة التحقيقيـة يعـود إلـى خطـورة هـذا الإجـراء مـن حيـث
ً، حيـث لـه أن
ِ بريئـا
تعارضه مع مبدأ البراءة، الذي يفرض حماية الحق في الحياة الخاصة للمتهم بعـده
يمارس –هذا الحق- مـن خـلال عـدة مجـالات، سـواء حقـه فـي كيانـه الشخصـي وحرمتـه وحقـه بحرمـة
ً عـن ذلـك، فـإن الحـق فـي الحيـاة الخاصـة يعطـي لصـاحبه، حـق

مراسلاته ومحادثاته الشخصية، فضـلا
إضفاء طابع السرية على المعلومات التي تتولد عن ممارسة حياته الخاصـة، وهـذا المعنـى الأخيـر هـو
– انظر في ذلك: محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص257-262.
– محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص570-575.
297) .1 (فوزية عبدالستار، المرجع السابق، ص
محمـد الشـيمي، “البـراءة والـدفوع المؤديـة اليهـا فـي قضـايا المخـدرات”، المجموعـة المتحـدة للطباعـة والنشـر، القـاهرة، (2(
.40ص، 1998
(3 (محمود محمود مصطفى، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص277.

( 148 )
الذي يميز الحياة الخاصة عن الحياة العامة التي يعيشها الفرد علـى مشـهد مـن المجتمـع والتـي تتميـز
TP410Fبالعلانية 2
(4) .P2T
ذلك إن التشريعات الإجرائية، أدركت إن موضوع التفتيش يقع على مكنونات سـر الإنسـان – سـواء
على شخصه أو مسكنه أو غيرها من خصوصيات الفـرد – ومـن ثـم لـه الحـق فـي إبقـاء سـريته قاصـرة
على نفسه ويحرم على غيره الإطـلاع عليهـا. ولهـذا أضـفى القـانون حمايتـه لإجـراء التفتـيش، لا بقصـد
ً على السر الذي يحمله فقط، والـذي
ٕنما حفاظا
رعاية الشخص كجسم معين ولا المسكن كبناء خاص، وا
ً يطمئن إليه فيهTP41F2
P2T) .1 (يعده مكانا

ً
وبما أن التعرض لهـذه الحرمـة – الشـخص أو المكـان – وهـو فـي مرحلـة التحقيـق، يشـكل تناقضـا
ً مع قرينة براءته، لذلك كان على المشرع أن يقيـد المسـاس بهـا، بسـلطة تعـد بحـد ذاتهـا ضـمانة
خطيرا
2-TP412F للمتهم، لذلك فقد اسند المشرع العراقي هذه السلطة بيد قاضي التحقيق – ً عامة
ً
قاعدة) 2) .P2T

وفي ذلك نصت المادة (75 (من قانون الأصول الجزائيـة بأنـه ( لقاضـي التحقيـق أن يقـرر تفتـيش
أي شخص أو منزله أو أي مكان آخر في حيازته ). إلا إن المشرع العراقي قد سبق ذلك بالقول بأنه (
لا يجوز تفتيش أي شخص أو دخول أو تفتـيش منـزل أو محـل تحـت حيازتـه، إلا فـي الأحـوال المبينـة
2 في القانونTP413F

P2T ،أو بنـاء علـى أمـر صـادر مـن سـلطة مختصـةTP41F2) 3(

P2T ،(ويبـدو أن المشـرع العراقـي قـد سـمح (4(
بإصدار أمـر التفتـيش لسـلطات أخـرى غيـر سـلطة التحقيـق القضـائية، وهـو أمـر بـلا شـك يتعـارض مـع
قرينة براءة المتهم، بعـد أن قـرر القـانون لـه ضـمان عـدم إصـدار أمـر التفتـيش إلا مـن سـلطة قضـائية
TP415F2مختصة) 5) .P2T

(4 (انظر في ذلك: احمد فتحي سرور،”الحماية الدستورية للحقوق والحريات”، المرجع السابق، ص731.
حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”،المرجع السابق، ص457) .1(
انظر في هذا المعنى: (2(
– صالح عبدالزهرة الحسون، “أحكام التفتيش وآثاره في القانون العراقي”، مطبعة الاديب، بغداد، 1979 ،ص171.
م ( 72/أ ) قانون أصول المحاكمات الجزائية. (3(
م ( 73 /أ ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (4(
ً أو بنـاء علـى علاقـة (5(

ً أو اداريا
ً وقائيا
إلا إذا كان المقصود في هذه الحالة، التفتيش غير القضائي، كما لو كان تفتيشا

ً بالمعنى القانوني الدقيق. انظر في تفصـيل ذلـك: محمـود نجيـب

عقدية، أو تفتيش حالة الضرورة، حيث لا يعد تفتيشا
حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص570.

( 149 )
ً في اختصاص سلطة التحقيق فقط،

ً من أعمال التحقيق، فإنه يدخل أساسا

ولما كان التفتيش عملا
فلا يجوز للمحقق أو لعضـو الضـبط القضـائي القيـام بـه إلا بنـاء علـى أمـر مـن هـذه السـلطة. وهـو مـا
P2T) .6 (نصت عليه م(72/ب ) من القان 2 ون العراقيTP416F
ومع ذلك قد يخول القانون لعضو الضـبط القضـائي إجـراء التفتـيش بـدون أمـر فـي حـالات محـددة،
من ذلك في حالة وقوع جناية أو جنحة عمدية مشهودة، وكذلك في الأحوال التي يجوز له فيها القبض

TP417F
ً
2 على المتهم قانونا

(1) TP418Fالضرورة حالة وفي ، 2 P2T
(2) .P2T

الفرع الثاني / أثر البراءة في مبررات التفتيش
التفتيش – كما سبق القول – هو من إجراءات التحقيق، فهـو لـيس مـن إجـراءات الاسـتدلال، لأنـه
إجراء يرمي إلى كشف الحقيقة حول جريمة معينة وقعـت بالفعـل مـن وجهـة ثبوتهـا ونسـبتها إلـى مـتهم
معين، ومن ثم فإن مباشرته من جانب قاضي التحقيق أو الأمر به للمحقق أو لعضو الضبط القضائي،
تفتــرض أمــرين: الأول وقــوع جريمــة بالفعــل، والثــاني: وجــود دلائــل كافيــة علــى اتهــام شــخص معــين
TP419F2بارتكابها) 3) .P2T

ً إجراءه أو إصدار الأمر بـه، إلا لضـبط جريمـة واقعـة بالفعـل وترجحـت نسـبتها إلـى

فلا يصح قانونا
مـتهم معـين، وعليـه لا يجـوز إجـراء التفتـيش أو الأمـر بـه لضـبط جريمـة مسـتقبله، ولـو تـرجح وقوعهـا
ً بالفعل أو قامت التحريات والدلائل على إنها ستقع لا محالـة، لأن التفتـيش – مـن إجـراءات

بعـده إجـراء

P2T) .4 (التحقيق – ليس وسيلة لاكتشاف الجرائم وضبط مرتكبيها قبل وقوعهاTP420F2
حيث نصت على انه ( يقوم بالتفتيش قاضي التحقيق أو المحقق أو عضو الضبط القضائي بأمر من القاضي أو مـن (6 (
يخوله القانون اجراءه ).
انظر نص م( 79 ( من قانون أصول المحاكمات العراقي. (1(
وتكمن الحكمة في جواز تفتيش المقبوض عليه، ان إجراء التفتيش هو أقل خطورة من القبض، الا ان تلك الإباحـة لا
ً حيـث يجـوز القـبض، فلـيس معنـى ذلـك

ٕ تتعدى شخص المتهم، فلا يج ذا كـان التفتـيش جـائزا

وز ان تمتد إلى منزله، وا

ضرورة القبض على المتهم لتفتيشه.
انظر في ذلك: مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية في التشريع المصري”، ج1 ،المرجع السابق، ص497.
انظر نص م (73/ب ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (2(
انظر في هذا المعنى: (3(
– توفيق الشاوي، “فقه الإجراءات الجنائية”، ط2 ،ج1 ،دار الكتاب العربي، القاهرة، 1945 ،ص380.
– محمود محمود مصطفى، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص275.
684) .4 (محمد زكي ابو عامر، ” الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص

( 150 )
إنمـا لا يكفـي مجـرد وقـوع الجريمـة للقـول بجـواز التفتـيش، لاسـيما انـه إجـراء فيـه مسـاس لبـراءة
الإنسـان مـن خـلال التعـرض لحرمتـه الشخصـية أو المنزليـة، لـذا وجـب أن تتميـز الجريمـة التـي تبـرر
اللجـوء إليـه بخطـورة معينـة، كـي يمكـن الاسـتعانة بمثـل هـذا الإجـراء الاسـتثنائي، ولـذلك نجـد أن بعـض
P2T ،أمـا المخالفـة فلـيس فـي وقوعهـا مـا يبـرر (5 (ا 2 لقـوانين لا تجيـز إجـراء التفتـيش إلا فـي جنايـة أو جنحـةTP421F
مباشـرة التفتـيش لأنهـا ليسـت مـن الأهميـة بالقـدر الـذي يسـمح بـالتعرض للحريـة الشخصـية أو انتهـاك
P2T) .1 (حرمة المسكن ب 2 سببهاTP42F
ومع ذلك، فالقانون العراقي لم يقيد التفتيش بجريمة معينـة، بـل أجـاز التفتـيش فـي جميـع الجـرائم،
حتى فـي المخالفـات، يسـتفاد ذلـك مـن نـص المـادة (75 (مـن قـانون أصـول المحاكمـات الجزائيـة بقولـه
ً
(لقاضي التحقيق أن يقـرر تفتـيش أي شـخص أو منزلـه أو أي مكـان آخـر فـي حيازتـه، إذا كـان متهمـا
بارتكاب جريمة) وهو اتجاه منتقد من قبـل الفقـه العراقـي، اسـتنادا إلـى إن إجـراء التفتـيش مـن الخطـورة
التـي تمـس مكنونـات الفـرد وأسـراره، فـلا يصـح إباحـة الإطـلاع عليهـا إلا لضـرورة تقتضـيها المصـلحة
العامـة، ولاشـك إن المخالفـات مـن الضـآلة والبسـاطة فـي الشـأن، لا ترقـى لدرجـة هـذه الضـرورة. وعليـه
نؤيد الاتجاه الـذي ينـادي بتعـديل هـذا الـنص، ليقتصـر التفتـيش علـى جـرائم الجنايـة والجنحـة فقـط دون
TP423Fالمخالفة 2
(2) .P2T
بالإضافة إلى ذلك، فإن وقوع الجريمة فحسب، لا يكفـي لتفتـيش المـتهم، بـل يلـزم أن تتـوافر دلائـل
P2T ،أما على اتهام شخص معين بارتكابها، وأما بحيازته لأشـياء تتعلـق بهـا، حتـى يمكـن تفتيشـه. (3 (كافيةTP42F2
ً مـن أن
ومن ثم فالإبلاغ عـن الجريمـة وحـده لا يكفـي لإجـراء التفتـيش، ومـع ذلـك لا شـيء يمنـع قانونـا
يكـون إجـراء التفتـيش هـو أول إجـراء مـن إجـراءات التحقيـق تباشـره سـلطة التحقيـق، فتتحـرك الـدعوى
TP425F2به الجنائية) 4) .P2T

(5 (انظر المادتين (47 ،91 ( من قانون الإجراءات الجنائية المصري.
(1 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص252.
(2 (انظر في هذا الاتجاه:
– سامي عبـدالامير العكيلـي، “التفتـيش واحكامـه فـي القـانون العراقـي والقـانون المقـارن”، مجلـة القـانون المقـارن،
العراق، ع14 ،س9 ،1982 ،ص141.
– سعيد حسب االله عبداالله، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص202.
(3 (لم يشر القانون العراقي إلى قيد الدلائل الكافية – صراحة – لإجـراء التفتـيش، انمـا يمكـن اسـتنتاج ذلـك – عمومـا –
من خلال المواد (74 ،75 ،76 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
(4 (انظر في هذا المعنى:
حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص462 ،467.

( 151 )
ويقصــد بالــدلائل الكافيــة، العلامــات الخارجيــة أو الشــبهات المعقولــة، دون ضــرورة التعمــق فــي
تمحيصها، وتغليب وجوه الرأي فيها، أو هي أمارات معينة تستند إلى العقل، وتبدأ من ظـروف أو وقـائع
2 هـو مرتكبهـاTP426F
ً
ً معينـا

P2T) .5 (يستنتج منها الفعل، توحي للوهلة الأولى بـأن جريمـة مـا قـد وقعـت، وان شخصـا
وهـي لا ترقـى إلـى مرتبـة الأدلـة، فهـي قـرائن ضـعيفة، وضـعفها يجـيء مـن اسـتنتاجها مـن وقـائع قـد لا
تؤدي إلى ثبوت التهمة بالضرورة، ولا بحكم اللزوم العقلي، فهي لا تصلح وحدها أمام محكمة الموضوع
ً للإدانة بل للبراءة – حيث أن الـدلائل الكافيـة هـو أمـر نسـبي يختلـف بـاختلاف أنـواع الجـرائم –
– سببا
فما يعد كذلك في جرائم السرقة لا يجدي في جنايات القتل – وأيضا لاختلاف الزمان والمكان – فمـا يعـد
ً، لا يكفي في المدن، وما كان منهـا فـي الماضـي قـد لا يجـدي فـي وقتنـا الحاضـر،

منها في الريف كافيا

ً
ً مما يجعلها قاصـرة أحيانـا

ً، قد لا يكون واضحا
ً دقيقا
لذلك يمكن الإقرار بأن تحديد الدلائل الكافية تحديدا
2TP عن تحقيق الغاية منها 427F
(1) .P2T

المطلب الثالث
الأثر المباشر للبراءة في التفتيش

لاتبدو حماية حرية المتهم في شخصه وحرمة مسكنه، إلا عند دراسة الهدف مـن إجـراء التفتـيش،
وكذلك عند مباشرة التفتيش لذلك نبحث الأثر المباشر للبراءة في التفتيش في فرعين، يتناول الأول أثـر
البراءة في أغراض التفتيش، بينما يبحث الثاني أثر البراءة في مباشرة التفتيش.
الفرع الأول / أثر البراءة في أغراض التفتيش
من المستقر لدى التشريعات الجنائية إن الغاية التي تحرك السـلطة المختصـة لإصـدار قرارهـا بـأمر
التفتيش ومباشرته، هو الحصول على الدليل فـي تحقيـق قـائم، بقصـد الوصـول إلـى الحقيقـة. إذ ينبغـي
أن يكون الغرض من التفتيش هو ضبط أشياء تتعلق بالجريمة أو تفيد في كشف الحقيقة، وهذه الغايـة
P2T) .2 (هي السبب في مشروعية التفتيشTP428F2

(5 (هلالي عبداللاه احمد، “المركز القانوني للمتهم”، المرجع السابق، ص51.
(1 (انظر في ذلك:
صالح عبدالزهرة حسون، ” أحكام التفتيش وآثراه في القانون العراقي”، المرجع السابق، ص225 ،226.
(2 (انظر في هذا المعنى: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص260.

( 152 )
ً، إلا إذا كان هنـاك احتمـال للعثـور علـى دليـل مـن ورائـه،

بمعنى أن التفتيش لا يجوز إجراءه قانونا
فإذا ثبت بأن سلطات التحقيـق قـد باشـرت إجـراء التفتـيش دون احتمـال فائـدة مرجـوة مـن إجرائـه، فإنهـا
P2T) .3 (تكون متعسفة، بسبب انتفاء المصلحة فيهTP429F2
وحتى تتحقق هذه الفائدة، لابد من وجود قرائن، تشير إلى إمكانية ضبط ما يفيد التحقيق، من ذلك
أن تكـون الجريمـة مـن الجـرائم التـي ترتكـب بأشـياء أو تتخلـف عنهـا أشـياء يمكـن أن تفيـد فـي كشـف
الحقيقة، فإذا كانت من الجرائم التي لا يتخلف عنها أشياء يمكن أن تضبط، كالسب، وشـهادة الـزور أو
P2T) .4 (الفعل الفاضح، فلا يكون التفتيش مبررا TP430F2 ،ً حيث لا يوجد ما يستدعي الضبط
وقـد أشـارت إلـى هـذه الغايـة المـادة (75 (بقولهـا ( لقاضـي التحقيـق أن يقـرر تفتـيش أي شـخص
ً بارتكاب جريمة وكان المحتمـل أن يسـفر التفتـيش عـن وجـود أوراق أو أسـلحة أو

أو…، إذا كان متهما
2TP آلات أو وجود أشخاص اشتركوا في الجريمة أو حجزوا بغير حق ) 431F

P2T ،ويقابلها المادة (91 (من قانون (1(
ً لقرينـة بـراءة

الإجـراءات الجنائيـة المصـري، إذ كانـت أكثـر دقـة فـي توضـيح هـذه الغايـة، وأكثـر تطبيقـا
المتهم، حيـث نصـت علـى انـه ( لقاضـي التحقيـق أن يفـتش أي مكـان، ويضـبط فيـه الأوراق والأسـلحة،
وكل ما يحتمل أن استعمل في ارتكاب الجريمة، أو نتج عنها، أو وقعت عليـه، وكـل مـا يفيـد فـي كشـف
الحقيقة). حيث حددت هدف التفتيش بثلاثة أمور:-
1 -لضبط ما استعمل في ارتكاب الجريمة.
2 -أو لضبط ما نتج عنها.
3 -أو لضبط ما وقعت عليه الجريمة.

ولم يكتف بذلك، إنما أضاف عبارة ( وكل ما يفيد في كشـف الحقيقـة )، أي إن غايـة التفتـيش هـو
كـل مـا يفيـد فـي كشـف الحقيقـة، سـواء كانـت أدلـة تـدين المـتهم أم أدلـة تبرئـه، وقـد أحسـن المشـرع
المصري بإضافة تلك العبارة لمـا فيهـا مـن تأكيـد إن غايـة التحقيـق هـو كشـف الحقيقـة المجـردة ولـيس
للبحث عن أدلة تدين المتهم.

(3 (رؤوف عبيد، “مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري”، مطبعة الاستقلال، القاهرة، 1976 ،ص398.
(4 (انظر في ذلك: محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص689 .
ويشـترك أيضـا فـي بيـان هـذه الغايـة وضـرورة توافرهـا لإجـراء التفتـيش، نصـوص المـواد (74 ،76 ،77 ،79 ( حيـث (1(
وردت العبارات التالية:
( إذا تراءى لقاضي التحقيق وجود أشياء أو أوراق تفيد التحقيق…، إذا تـراءى لقاضـي التحقيـق بنـاء علـى اخبـار
ً أو أي مكان آخر يستعمل لحفظ مال مسروق….، إذا اتضـح لـه مـن قرينـة قويـة انهـا موجـودة

أو قرينة ان مسكنا
فيه).

( 153 )
ومن القيود المهمة أيضا والتي تسند تطبيق قرينة البراءة، إن إجراء التفتيش ينبغـي أن يكـون لمـا
حدد له من أغراض، لا يتجاوزها، سـواء مـن حيـث الشـخص أو المكـان أو الزمـان. ولقـد عنـى المشـرع
ً عـن الأشـياء التـي أجـري التفتـيش مـن

العراقـي بتقريـر هـذه القاعـدة بقولـه (لا يجـوز التفتـيش إلا بحثـا
P2T .فإن كانت واقعة الحال تنبئ عن إن من قام بالتفتيش، قـد أجـراه بغيـر مقـتض مـن الجريمـة (2 (اجلها)2TP 432F
2 التي يجري التفتيش من اجلها، لأسفر هذا عن بطلان التفتيش والدليل المستمد منهTP43F
(3) .P2T

فمن المقرر إن إباحة تفتيش المتهم، ينبغي ألا تنصرف لغير شخصه، فلا تمتد إلى غيره كولده أو
TP43Fزوجته 2
P2T .كما لا تمتـد إلـى مسـكنه – بحسـب الأصـل – إلا بـأمر صـادر مـن قاضـي التحقيـقTP435F2) 1(
(2) ولكـن. P2T
متى جاز للمحقق أو لعضو الضبط القضائي تفتيش المتهم جاز له أن ينفذه أينما وجده، مادام المكـان

ً في اختصاص من أصدر الأمرTP436F2

P2T ،ويجـوز لـه تعقبـه ودخـول منزلـه عنـد (3 (الذي جرى فيه التفتيش داخلا
2 الضرورة للقبض عليه وتفتيشه دون أن يكون له تفتيش المنزلTP437F
(4) .P2T
ً بصـورة واضـحة، فـلا يجـوز التفتـيش

وبالنسبة لتفتيش المكان، ينبغي أن يكون ذلـك المكـان معينـا
العـام فـي جميـع المنـازل الموجـودة بجهـة معينـة، كمـا إن هنـاك بعـض الأمكنـة ممـا لا يجـوز تفتيشـها
2 كالسفارات والمفوضـيات ومنـازل السـفراء علـى وفـق قواعـد القـانون الـدولي العـامTP438F
ً
P2T .وينبغـي أن (5 (إطلاقا
ً، فـإن مـا
ً بـه لضـبط خنجـر، وتـم ضـبطه فعـلا

ينتهي التفتيش بانتهاء غرضه، فإذا كان التفتيش مأذونـا

ً للقانونTP439F2
P2T) .6 (قام به الضابط من تفتيش لاحق لضبط ذلك السلاح يكون مخالفا
وا ولات، ولا يتعداه إلى الأشخاص ٕذا كان الأصل إن تفتيش المكان ينصب عليه وعلى ما به من منق
الموجودين فيه – لأن الحرية الشخصية للمتهم منفصلة عن حرمة منزلـه – وان التفتـيش لا يجـوز إلا
للبحث عن الأشياء الخاصة بالجريمة الجاري جمع الأدلة بشأنها؛ فإن المشرع وضع على كل مـن ذلـك


استثناء هاما
P2T) .7 (الأول: تفتيش من يتواجد بمنزل المتهم أثناء التفتيشTP40F2
المادة (78 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (2 (
358) .3 (حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
نقض مصري في 29/11/1966 ،أحكام النقض، س17 ،رقم 221 ،ص1173) .1(
نقض مصري في 3/5/1971 ،أحكام النقض، س22 ،رقم 96 ،ص395) .2(
نقض مصري في 30/10/1967 ،أحكام النقض، س18 ،رقم 214 ،ص1047) .3(
نقض مصري في 13/1/1964 ،أحكام النقض، س15 ،رقم 11 ،ص52) .4(
459) .5 (حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
نقض مصري في 19/6/1961 ،أحكام النقض، س12 ،رقم 136 ،ص710) .6(
حيث تنص المادة (77 (أصول جزائية على انه ( للقائم بالتفتيش ان يفتش أي شخص موجود في المكان يشـتبه فـي (7(

ً يجري من اجله التفتيش ).

انه يخفي شيئا

( 154 )
2 الثاني: ضبط الأشياء التي تعد حيازتها جريمة أو تفيد في كشف الحقيقة في جريمة أخرىTP41F
(8) .P2T
أما بالنسبة لتحديد التفتيش من حيث الزمان، فقد جـر ى العمـل فـي التطبيقـات القضـائية المصـرية،
علـى أن تحـدد المـدة الواجـب التفتـيش فيهـا، فـإذا انقضـت دون إجرائـه، فـلا يجـوز القيـام بـه لانقضـاء
ً
المدة، كما ينبغي عند تحديد مدة سريان الأمر، ألا تطول هذه المدة إلى الحد الذي يجعل المتهم مهددا
بالتفتيش مدة طويلة باعتبار أن التفتيش إجراء ممقوت لتعرضه لحريـة المـتهم الشخصـية وأسـراره، لـذا
2 ينبغي أن يتم اتخاذه في مدة محددةTP42F
(1) .P2T
ً للأصل في المتهم البـراءة – حرصـت علـى تخصـيص فتـرة زمنيـة

بل إن بعض التشريعات – إعمالا
P2T) .2 (يباشر أثنائها التفتيشTP43F2

الفرع الثاني / أثر البراءة في مباشرة التفتيش

ِ مـن إجـراءات التحقيـق سـوى حضـور

ِّ لـم تسـتلزم معظـم التشـريعات لصـحة إجـراء التفتـيش، بعـده
المتهم أو من ينيبه عنه إن أمكن، ويعد ذلك مـن الضـمانات الناتجـة عـن قرينـة بـراءة المـتهم، والهـدف
منه ضمان الاطمئنان إلى سلامة الإجراء وصحة الضبط.

ً
والأصـل إن الشـخص الـذي يسـتوجب القـانون حضـوره هـو المـتهم ذاتـه، وهـذا الشـرط يكـون قائمـا
بالضرورة في حالة تفتيش الأشخاص، حيث أن التفتيش يقـع علـيهم، ومـع ذلـك فمـن المتصـور تفتـيش
المسكن أو المحل في غيبة صاحبه، مع ضرورة حضور شاهدين – سواء من أقارب المتهم أو غيـرهم،

ً عـن الأشـياء التـي اجـري التفتـيش مـن

(8 (حيث تنص المادة (78 (أصول جزائية على انـه ( لا يجـوز التفتـيش إلا بحثـا

ً أثناء التفتيش وجود ما يشكل في ذاته جريمة أو ما يفيد فـي الكشـف عـن جريمـة أخـرى جـاز

اجلها، فإذا ظهر عرضا
ضبطه أيضا).
على ذلك نؤيد ما ذهب إليه البعض من ضرورة تحديـد مـدة أمـر التفتـيش، دون ابقاءهـا مطلقـة بشـكلها الحـالي، ذلـك (1(
ان المسؤول عن تنفيذ أمر التفتيش ( أي عضو الضبط القضائي ) قد يسـيء اسـتعمال سـلطته فـي التفتـيش، فيبقيـه
ً يهدد به الشخص المراد تفتيشه، وهو ما يتنافى مع مبدأ حماية الحريات العامة. انظر في هذا الرأي:
سلاحا
– صالح عبدالزهرة الحسون، المرجع السابق، ص212.
ً فيمـا بـين (2(
فقد منع قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، بموجب المادة (59 (من إجراء التفتيش ودخـول المسـاكن لـيلا
ً. كما أوجبت المادة (64 (من قانون المسطرة الجنائية المغربي، عدم مباشـرة

الساعة التاسعة مساء والسادسة صباحا

ً يعـالج فيـه موعـد

ً. اما المشرع العراقي، فلـم يـورد نصـا

ً وبعد التاسعة ليلا

تفتيش المنازل قبل الساعة الخامسة صباحا
التفتيش.
انظر في ذلك: حسن بشيت خوين، “ضمانات المتهم في الـدعوى الجنائيـة”، ج1 ،دار الثقافـة، الاردن، 1998 ،ص123 ،
.124

( 155 )
من القاطنين معه بالمنزل أو من الجيران – وفي ذلك نصت المادة (82 (من قـانون أصـول المحاكمـات
الجزائية العراقي بقولها ( يجري التفتيش بحضور المتهم وصاحب المنـزل أو المحـل إن وجـد، وبحضـور
شــاهدين مــع المختــار أو مــن يقــوم مقامــه ). ويلاحــظ إن المشــرع العراقــي اشــترط حضــور الشــاهدين
َ◌ً
ً من الرقابة على القائمين بالتفتيش، حرصـا

والمختار سواء حضر المتهم أو لم يحضر، وفي ذلك نوعا
ً عن أي تحكم تعسفي.

على تنفيذه بالصورة القانونية الصحيحة بعيدا

ً يـدون فيـه جميـع إجـراءات التفتـيش وأيـة ملاحظـات يبـديها

وعلى القائم بالتفتيش أن ينظم محضـرا
المتهم حول التفتيش، ويعطي عند الطلب صورة من المحضر. كما لا يجوز فض الأختـام علـى الأمـاكن
والأشـياء – التـي وضـعت عليهـا أختـام مـن قبـل القـائمين بـالتفتيش – إلا بقـرار مـن القاضـي وبحضـور
المتهم، وحائز المكان ومن ضبطت عنده هذه الأشياء، فإذا دعـي احـدهم ولـم يحضـر هـو أو مـن ينـوب
P2T مختومـة أو مغلقـة بأيـة طريقـة، فـلا (1 (عنه جاز فضها في غيابهTP4F2

ً
ٕذا كانت الأشياء المضـبوطة أوراقـا
. وا

يجـوز لغيــر القاضــي أو المحقــق فتحهــا والإطــلاع عليهـا، علــى أن يكــون ذلــك بحضــور المــتهم وذوي
2 العلاقة قدر الامكانTP45F
(2) .P2T

وفي تفتيش الأشخاص نؤيد ما ذهب إليه بعض الفقه من بطلان التفتيش الـذي يقـع علـى شـخص
ٕنسانيته، كما هو الشأن في إجراء غسيل المعدة وما شـابه ذلـك

المتهم في الأماكن التي تجرح آدميته وا
من أماكن داخليـة أخـرى. لأنـه فـي جميـع الأحـوال يجـب المراعـاة عنـد تفتـيش المـتهم وجـوب المحافظـة
ً لأصل البراءة فيه، كما لا يجوز إيذاؤه

على حياء المرء وكرامته الإنسانية، وذلك بقدر المستطاع احتراما

ً
2 أو معنوياTP46F
ً
بدنيا) 3) .P2T
لذلك فرضت بعض التشريعات الحديثة احترام قرينة براءة المتهم عندما تقتضـي ضـرورات التحقيـق
والاسـتدلال إجـراء تفتـيش أمـاكن حساسـة بجسـد المحتجـز، أن تجـري عمليـة التفتـيش بواسـطة طبيـب،
ً للظـروف الماديـة

ينـدب لهـذا الغـرض، وهـو مـا يمثـل ضـمانة جديـدة لبـراءة الإنسـان وكرامتـه، وتحسـينا
والمعنوية التي يتم فيها التفتيش. فعلى الرغم من أن هذا الإجراء ينطوي على صورة من صـور الإكـراه،
يخضع للقواعد العامة التي تفر ضها الضرورة والتناسب إلا أن المشرع الفرنسـي أراد أن يؤكـد انـه يتعـين

(1 (انظر نص م (83 (أصول جزائية.
(2 (نص م ( 84/أ ) من قانون الأصول الجزائية العراقي.
(3 (مأمون سلامة، “الاجراءت الجنائية في التشريع المصري”، ج1 ،المرجع السابق، ص499.
لاشك لدينا بأن مثل هـذا التفتـيش يمثـل اعتـداء علـى حرمـة الشـخص و حقـه فـي السـر، وقـد أحسـن المشـرع المصـري
عندما نص على وجوب معاملة المتهم بما يحفظ عليه كرامته وبعدم ايذائه في م (40 (إجراءات جنائية.

( 156 )
أن تكـون الإجـراءات الخاصـة بـالتفتيش الجسـدي، وان كانـت لازمـة أحيانـا لضـرورات التحقيـق، إلا انـه
P2T) .4 (يجب احترام براءة المتهم المفترضة فيهTP47F2

ٕذا كان القانون أوجب أن يقوم بـالتفتيش قاضـي التحقيـق أو المحقـق أو عضـو الضـبط القضـائي
وا
بإشراف القاضي، فإنه خرج عن هذه القاعدة حينما يكـون المـتهم أنثـى، فـإذا كـان المـراد تفتيشـه أنثـى،
P2T .وهـي قاعـدة صـحيحة تمليهـا (1 (فـلا يجـوز تفتيشـها إلا بواسـطة أنثـى، ينتـدبها لـذلك القـائم بـالتفتيشTP48F2
ضرورة حماية الآداب العامة والقيم الأخلاقية، وصيانة عرض المرأة ولو كانت متهمة، حيث يتصـل هـذا
النص بالأفكار الحديثة في الإجراءات الجنائية، من وجوب أن تنحصر هذه الإجـراءات فـي المجـال الـذي
2 لا يمس كرامة الإنسان ولا يسلبه حقوقه التي لا يجرده منها تعرضه للاتهامTP49F
(2) .P2T

كذلك مـن ابـرز الضـمانات التـي تتفـق مـع قرينـة بـراءة المـتهم، عـدم اللجـوء للتفتـيش مـا لـم يـؤمر
المتهم أو غيره بتقديم الشـيء المـراد ضـبطه بـالتفتيش، حيـث أجـاز القـانون لقاضـي التحقيـق فـي حالـة
ظنه وجود أشياء أو أوراق تفيد التحقيق لدى المتهم أو غيره، أن يأمره بتقديمها طواعيـة، دون تعرضـه
P2T) .3 (لأي تفتيش، فإذا لم يمتثل له – قبل إبداء هذا الأمر – عند ذلك يلجأ إلى التفتيشTP450F2

ً بحريـات الأفـراد

ويجد هذا الضمان أساسه في كـون التفتـيش إجـراء لـه خطورتـه، ويتضـمن مساسـا
وحرمات منازلهم، فإذا ما تيسر تحقيق غرض التفتـيش، بـإجراء أقـل خطـورة منـه، وجـب الالتجـاء إليـه،

2 لا مبرر لهTP451F
ً

P2T) .4 (والا كان في مباشرة التفتيش تعسفا

(4 (انظر نص م (63 /5 ( من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، حيث تم تعديل هذه المادة بموجب القانون رقم 516
لسنة 2000 الخاصة بشأن تدعيم قرينة البراءة في مرحلة جمع الاستدلالات.
انظر: مدحت رمضان، “تدعيم قرينة البراءة في مرحلة جمع الاستدلالات في ضوء تعديلات قـانون الإجـراءات الجنائيـة
الفرنسي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001 ،ص51.
(1 (انظر نص م (80 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي.
انظر في هذا المعنى: (2(
فوزية عبدالستار، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص292.
ً لذلك/ فإنه إذا كانت المتهمة تخفي المخدر في صدرها، فمـد مـأمور الضـبط القضـائي يـده إلـى صـدرها واخـرج
وتطبيقا

ً، ولكن إذا تعرض مـأمور الضـبط القضـائي لعضـو فـي جسـم المـتهم لا يعـد عـورة فيـه،

المخدر منه، كان ضبطه باطلا

ً. فإذا فض يدها ليستخرج المخدر الذي تخفيه في قبضتها فعمله صحيح.

فإن التفتيش يكون صحيحا
انظر نقض مصري في 19/10/1975 ،س26 ،رقم 134 ،ص596.
(3 (انظر نص م (74 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
حسن بشيت خوين، “ضمانات المتهم في الدعوى الجنائية”، ج1 ،المرجع السابق، ص130) .4(

( 157 )

المبحث الرابع
أثر البراءة في ” الاستجواب “

– تمهيد وتقسيم:
يعد استجواب المتهم من أهم إجراءات الدعوى الجنائية، لاسيما في مرحلة التحقيق الابتدائي، فهو
الذي يربط بين جميع وقائعها ويبحث في مدى جديتها لتحقيق هدفها الأول في الوصول إلـى الحقيقـة،
كما قد ينتهي الاستجواب إلى اعتراف المتهم بالتهمة المنسـوبة إليـه، دون أن يعلـم بأنـه بـذلك يـدحض
بنفسـه افتـراض براءتـه، وقـد يفضـي الاسـتجواب إلـى توقيفـه لمـدة قـد تطـول أو تقصـر حسـب ظـروف
الــدعوى، نظــرا لكــل ذلــك حــاول الفقــه الجنــائي والتشــريعات الجنائيــة احاطــة الاســتجواب بالعديــد مــن
الضمانات والتي لم تكن سوى نتيجة منطقية لأعمال مبدأ البـراءة، إذ يعـد المـتهم منـذ لحظـة اسـتجوابه
ً، مهما كانت قوة الأدلة القائمة ضده، ومن ثم يجب أن يتم التعامل معه على هذا الأساس. لإبـراز
بريئا
ذلك، نتناول هذا المبحث في ثلاثة مطالب
المطلب الأول / ماهية “الاستجواب”
المطلب الثاني / الأثر غير المباشر للبراءة في ” الاستجواب “
المطلب الثالث / الأثر المباشر للبراءة في ” الاستجواب “.

المطلب الأول
ماهية ” الاستجواب “
ً لأثر البراءة في إجراء الاستجواب، من خلال التعريف بالاستجواب،

نوجز هذا المطلب، بعده تمهيدا
وتمييزه عن السؤال والمواجهة، ومن ثم نبين طبيعة الاستجواب.

( 158 )
ً فـي تهمـة

ً هـو مناقشـة المـتهم تفصـيلا

فالاسـتجواب لغـة هـو طلـب الجـواب عـن أمـر، واصـطلاحا
P2T) .1 (موجهة إليه بارتكاب جريمة ودعوته للرد على الأدلة القائمة ضده إما بتفنيدها أو بالتسليم بهاTP452F2
فالاستجواب بهذا المعنى يحقق وظيفتين، الأولى: هي إثبات شخصية المتهم ومناقشـته علـى وجـه
2TP التفصيل في الاتهام الموجه إليه. والثانية: هي تحقيق دفاع المتهم 453F
(1) .P2T

ويعد سؤال المتهم عن التهمة أو سـماع أقوالـه عنهـا، إجـراء مـن إجـراءات الاسـتدلالات ولـيس مـن
إجراءات التحقيق ومن ثم فهو جائز من عضو الضبط القضائي، وهو لا يعني أكثر مـن توجيـه التهمـة
P2T) .2 (إليه واثبات أقواله بشأنها دون مناقشته فيها أو مواجهته بالأدلة القائمة ضد المتهمTP45F2
أما الاسـتجواب فهـو إجـراء حظـره القـانون علـى غيـر سـلطة التحقيـق، ويـتم خلالـه مناقشـة المـتهم
ٕثبـات فسـادها، وأمـا

ً في الأدلـة والشـبهات القائمـة ضـده، ومطالبتـه بـالرد عليهـا، أمـا بإنكارهـا وا
تفصيلا
P2T) .3 (بالتسليم بها، وما يستتبعه ذلك من اعتراف بالجريمةTP45F2

ً لوجـه أمـام مـتهم آخـر أو

والاسـتجواب يختلـف عـن المواجهـة التـي يقصـد بهـا وضـع المـتهم وجهـا

ً
شاهد أو أكثر حتى يسمع ما يدلون من أقوال بشأن واقعـة تتصـل بالجريمـة، فيقـوم بـالرد عليهـا، نافيـا
أو مؤيدا ب في كونها تتضمن معنى مواجهـة المـتهم بـدليل أو أكثـر مـن ً لها، وهي بذلك تشبه الاستجوا
الأدلة القائمة ضده، ولكنها تختلف عنه من حيث إنها تقتصر علـى دليـل أو أدلـة معينـة، فـي حـين إن
2 الاستجواب يشمل كل أدلة الاتهام الموجهة ضد المتهمTP456F
(4) .P2T

والاستجواب يتميز دون غيره من إجراءات التحقيق الأخرى، بأنه عمـل إجرائـي ذو طبيعـة مزدوجـة،
فهو من ناحية احد إجراءات التحقيق، وهو من ناحية أخرى وسيلة من وسائل الدفاع، لذلك فهو إجراء
ً. فبوصـفه إجـراء مـن إجـراءات التحقيـق لجمـع أدلـة الإثبـات

أساسي لكل من سلطة الاتهام والمتهم معا

ً للمتهمTP457F2
ً على المحقق، وبكونه وسيلة من وسائل الدفاع يعد حقا
P2T) .5 (يعد واجبا
ً تـدور حـول فكـرة أساسـية واحـدة وهـي اعتبـار (1 (

ً وقضـاء، ولكنهـا جميعـا

تتعدد الصـيغ التـي يعـرف بهـا الاسـتجواب فقهـا
الاستجواب وسيلة من وسائل تضييق الخناق على المسـتجوب، واخضـاعه لنـوع مـن “المطـاردة المعنويـة” حتـى يتجلـى
أمر التهمة اما بالاعتراف أو بالانكار. وتعبر عنه بعـض التشـريعات العربيـة “بالاسـتنطاق” (فصـل 127 ومـا بعـده مـن
قانون المسطرة الجنائية المغربي، وفصل 69 وما بعده من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية).
انظر في ذلك: سعد حماد القبائلي،”ضمانات حق المتهم في الدفاع امام القضاء الجنائي”، المرجع السابق،ص246.
– محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص678.
مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية في التشريع المصري”،ج1 ،المرجع السابق، ص634) .1(
(2 (محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص712.
محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص678) .3(
حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص415) .4(
انظر في هذا المعنى: (5(

( 159 )
ومن ذلك نفهم إن للاستجواب دورين، فهـو وسـيلة تنقيـب عـن الحقيقـة لتـدعيم الاتهـام وهـو كـذلك
ً أو خـلال مـدة قصـيرة مـن

ً إلى ذلك فقد أوجبت التشريعات اسـتجواب المـتهم فـورا

وسيلة دفاع، واستنادا
لحظة القبض عليه. وفي ذلك نصت المادة (123 (من قانون أصول المحاكمات الجزائيـة العراقـي علـى
انه ( على قاضي التحقيق أو المحقق، أن يستجوب المتهم خلال أربع وعشرين ساعة من حضوره ).

المطلب الثاني

الأثر غير المباشر للبراءة في ” الاستجواب “

يتمثـل الأثـر غيـر المباشـر للبـراءة فـي إجــراء الاسـتجواب مـن خـلال البحـث فـي الجهـة المخولــة
بالاسـتجواب، وحـق المـتهم بالاحاطـة بالتهمـة عنـد الاسـتجواب، وكـذلك حقـه بالاسـتعانة بمحـام أثنـاء
الاستجواب. لذا نتناول ذلك في ثلاثة فروع:
الفرع الأول / أثر البراءة في الجهة المخولة بالاستجواب
أهتم المشرع في مختلف الدول ومنذ وقـت بعيـد بـإجراء الاسـتجواب، فأحاطـه بعنايـة خاصـة تهـدف
ً للنتـائج الخطيـرة المترتبـة عليـه، ورد فعـل لمـا كـان

إلى توفير أقصى حد ممكن من الضمانات له، نظـرا
ً فـي الأذهـان بشـأنه مـن أنـه وسـيلة إكـراه تتخـذ ضـد المـتهم بغـرض اسـتخلاص الاعتـراف الـذي
عالقـا
يحرص على كتمانه، أو استدراجه إلى ذكر أقوال قد تضر به.

ً للثقة، حتى يرعى الضمانات كلهـا التـي يفرضـها

ً أن يعهد به إلى شخص يكون أهلا

لذلك كان لزاما
القانون حماية للمتهم عند استجوابه، ولما كان القضاء هو الحـارس الطبيعـي للحريـات، لمـا يتمتـع بـه
ً أن يعهـد القـانون، هــذه المهمـة الخطيـرة إلــى

القضـاة مـن ضـمانات الحيــدة والاسـتقلال، كـان طبيعيــا
السلطة التحقيقية، ممثلة بقاضي التحقيق.

ً للغاية المقصـودة مـن الاسـتجواب، حرصـت غالبيـة التشـريعات علـى إسـناد

بناء على ذلك، وتحقيقا

ً لمبـدأ الفصـل بـين سـلطتي الاتهـام والتحقيـق – هـي

هـذه المهمـة إلـى جهـة قضـائية محايـدة – تحقيقـا
قضاء التحقيق كأصل عـام. فـي حـين اتجهـت بعـض التشـريعات إلـى تخويـل هـذه السـلطة إلـى الادعـاء
TP458F2العام) 1) .P2T
سدران محمد خلـف، “سـلطة التحقيـق الابتـدائي فـي التشـريع الجنـائي الكـويتي والمقـارن”، رسـالة دكتـوراه فـي علـوم
الشرطة، اكاديمية الشرطة، كلية الدراسات العليا، القاهرة، 1985 ،ص343.
مـن التشـريعات التـي اسـندت الاسـتجواب إلـى جهـة قضـائية (العراقـي، والفرنسـي ) ومـن التشـريعات التـي جعلتـه بيـد (1(
الادعاء العام (المصري والليبي ). انظر في تفصيل ذلك: سعد حماد القبائلي، المرجع السابق، ص260.

( 160 )
نظرا لذلك نجد إن المشرع العراقي، أوجـب إجـراء الاسـتجواب مـن قبـل قاضـي التحقيـق أو المحقـق، ً
2 فــلا يجــوز لعضــو الضــبط القضــائي مباشــرتهTP459F

P2T ،والعلــة التــي يهــدف المشــرع مــن أجلهــا، اقتصــار (2(
ً إلى سببين،

الاستجواب على سلطة التحقيق الأصلية، ترجع أصلا

ً، لأنه ليس كغيره من إجراءات التحقيق الأخرى، فهو

الأول: إن الاستجواب يصعب الندب فيه عملا
يفتـرض فـي القـائم بـه أن يكـون علـى درايـة كاملـة بتفاصـيل الواقعـة وأدلتهـا، وهـذه الاحاطـة
التامة لا تتسنى لغير المحقق.

ً مـن
الثاني: أن هذا الإجراء قد يعرض المتهم للضغط عليه، بـل قـد يتعـرض لـلأذى والتعـذيب أحيانـا
اجل انتزاع اعترافه، ويتجلى هذا الخطر بشكل خاص عندما يسمح لأعضاء الضبط القضـائي
P2T) .1 (بأن يستجوبوا المتهمTP460F2
إلا أنه على وفق نص م (50 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائيـة العراقـي، فـإن للمسـؤول فـي
مركز الشرطة سلطة محقق، فـي حـالتي النـدب والاسـتعجال، ممـا يسـمح لـه إجـراء الاسـتجواب فـي تلـك
الحـالتين، وهـو مـا يؤخـذ علـى المشـرع العراقـي – كمـا سـبق انتقادنـا لتلـك المـادة – فـإن جـاز قبـول
التحقيق من المسؤول في مركـز الشـرطة فـي بعـض الإجـراءات، فإنـه مـن الخطـورة علـى حريـة المـتهم
وكرامته قبول ذلك في الاستجواب، لذلك نقترح وضع نص خاص يستثني تطبيق هذه المادة على بعض
الإجراءات المهمة في التحقيق ومن بينها الاستجواب.

الف���رع الث���اني / اث���ر الب���راءة ف���ي ح���ق الم���تهم بالاحاط���ة بالتهم���ة عن���د
الاستجواب
من أهم عناصر حـق الـدفاع التـي يجـب كفالتهـا للمـتهم، بموجـب افتـراض براءتـه، ضـرورة إعلامـه
بالتهمـة الموجهـة إليـه، وأدلـة الاتهـام المتـوافرة ضـده، بطريقـة واضـحة عنـد حضـوره لأول مـرة أمـام
المحقـق، لأن هـذا الإعـلام وتوقيتـه لهمـا اكبـر الأثـر فـي تمكـين المـتهم مـن الـدفاع عـن نفسـه واثبـات
2 براءته إن استطاع ويتم بذلك التوازن المطلوب بين الاتهام والدفاعTP461F
(2) .P2T

انظر م ( 123 ( أصول جزائية، إذ تقرر بأنه ( على قاضي التحقيق أو المحقق ان يستجوب المتهم ). (2 (
عوض محمد عوض، “قانون الإجراءات الجنائية”، ج1 ،مؤسسة الثقافة العامة”، 1989 ،ص514) .1(
انظر في هذا المعنى: عبدالقادر احمد ناصر، “ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق”، مختصر الدراسات الامنية للمركز (2(
العربي للدراسات الامنية والتدريب، ج4 ،المركز العربي للدراسات الامنية بالرياض، الرياض، 1990 ،ص251.
– سامي الحسيني، “ضمانات الدفاع”، المرجع السابق، ص216.

( 161 )
إلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous post القانون الجنائي الجزء الثاني : البراءة
Next post القانون الجنائي الجزء 10 : البراءة