القانون الجنائي الجزء 5: البراءة

القانون الجنائي الجزء 5: البراءة

إلا أن هذا الإجراء خاص بالاستجواب الأول، أي عند حضور المـتهم لأول مـرة فـي التحقيـق، ومـن
ثـم لا يلتـزم بـه المحقـق فـي الاسـتجواب التـالي. وهـو مهـم مـن ناحيـة تنظـيم المـتهم لدفاعـه، وتنظـيم
ً، إنمـا يتعـين

المحقق لاستجوابه، وعليه لا يكفي أن يخطر المحقق المتهم بالتهمة المسندة إليه إجمـالا

ً، بالشـبهات القائمـة ضـده، كـي يتـاح لـه تفنيـدها. فالاسـتجواب يفتـرض

عليـه كـذلك أن يخطـره تفصـيلا

ً – الأسـاس التفصـيلي للمناقشـة التـي

مناقشة تفصيلية، ومن ثم يتعين على المحقق أن يحدد – مقدما
P2T .لـذلك إذا تـم تعـديل وصـف التهمـة أثنـاء التحقيـق فانـه يتعـين أن يخطـر المـتهم بهـذا (1 (يجريهـا معـهTP462F2
TP463Fالتعديل 2
(2) .P2T
2 ولقد كفل هذا الحق في معظم قوانين الإجراءات الجنائية العربيةTP46F

P2T ،ومنها القـانون العرقـي، بقولـه (3(
ً
( علــى قاضــي التحقيــق أو المحقــق أن يســتجوب المــتهم، بعــد التثبــت مــن شخصــيته وأحاطتــه علمــا
2 بالجريمة المنسوبة إليه )TP465F
(4) .P2T

ولأهمية ضمان هـذا الإجـراء بالنسـبة للمـتهم رتبـت بعـض التشـريعات جـزاء الـبطلان فيمـا إذا اغفـل
المحقــق القيــام بــه، ومنهــا التشــريع الفرنســي، إذ نصــت المــادة (170 (إجــراءات علــى وجــوب الحكــم
بالبطلان عند عدم مراعاة القواعـد التـي نصـت عليهـا المـادة (114 (إجـراءات المتضـمنة إلـزام المحقـق
P2T ،كمـا يؤكـد مثـل ذلـك إلـى أن (5 (بإعلام المتهم بالاتهامات القائمـة ضـدهTP46F2
ً
بعـض الفقـه المصـري، اسـتنادا
ً بالتهمـة هـو مـن القواعـد المتعلقـة بمصـلحة جوهريـة للمـتهم، فينـتج عنهـا بطـلان

إحاطة المـتهم علمـا
2 الإجراء عند مخالفتهاTP467F
(6) .P2T

الف���رع الثال���ث / أث���ر الب���راءة ف���ي ح���ق الم���تهم بالاس���تعانة بمح���ام عن���د
الاستجواب
إذا كانت استعانة المتهم بمحام في مرحلة المحاكمة – وهـي مرحلـة الأصـل فيهـا العلنيـة – أمـر لا
ً بـين القـوانين المقارنـة حـول ضـرورة تـوفير

غنى عنه لضمان حقوق المتهم، حتـى إننـا لا نجـد اختلافـا

688) .1 (محمود نجيب حسني، ” شرح قانون الإجراءات الجنائية”،المرجع السابق، ص
حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص491) .2(
انظـر م (123/1 (مـن قـانون الإجـراءات الجنائيـة المصـري، والمـادة (100 (مـن قـانون أصـول المحاكمـات الجزائيـة (3(
الاردني.
نص المادة (123 (أصول جزائية. (4(
321) .5 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
305) .6 (محمود محمود مصطفى، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص

( 162 )
هذا الضمان في هذه المرحلة الحاسمة، فإن استعانة المتهم بمحام في مرحلـة التحقيـق الابتـدائي، يعـد
من أهم الضمانات التي تكفل تطبيق مبدأ براءة المتهم، لاسيما أن هذه المرحلة تتميز بالسرية.
وتبدو أهمية هذا الضمان في أن حضور المحامي إلى جانب المتهم أثنـاء اسـتجوابه يبعـث الهـدوء
والاطمئنان إلى نفسه، فيجعلـه يحسـن الـرد والمناقشـة والإجابـة بهـدوء واتـزان، بالإضـافة إلـى ذلـك فـان
ً للتحقيـق
المحامي قد يقتـرح علـى المحقـق توجيـه أسـئلة معينـة إلـى المـتهم، وقـد يكـون اقتراحـه مفيـدا
ً للعدالـة علـى

ً لسـلامة الإجـراءات وعونـا

فيأخـذ بـه المحقـق، وفـي الأمـرين مصـلحة للتحقيـق، وضـمانا
TP468Fقة2 الحقي إظهار) 1) .P2T
كما أن حضور محامي المتهم أثناء الاستجواب يحقق نتائج عديدة تقتضيها ضـرورة إعمـال قرينـة
براءة المتهم في هذا الإجراء، أبرزها فرض رقابة على التصـرفات التـي يقـوم بهـا القـائم بـالتحقيق أثنـاء
الاستجواب، مما يجنب المتهم الوسائل غير المشروعة التي قد يلجأ إليها، والتـي تصـل أحيانـا إلـى حـد
الاعتداء عليه وضربه لحمله على الاعتر اف بالتهمة المنسوبة إليه، كما يقوم المحـامي بـدور مهـم فـي
حماية المتهم من تعسف القائمين بـالتحقيق باسـتخدام سـلطاتهم مـن خـلال مـا يطرحونـه مـن وعـود أو
ً مـا تجعـل المـتهم ينحـرف عـن طريـق الـدفاع الصـحيح، كمـا أن

تهديـدات أو أسـئلة خادعـة، التـي كثيـرا

ً مـا
وجود المحامي داخل غرفة التحقيق لاشك بأنه عامـل مهـم يقـوي مـن معنويـات المـتهم، الـذي كثيـرا
يكـون فـي موقـف نفسـي مضـطرب قـد يدفعـه إلـى تعـريض حريتـه للخطـر وبراءتـه للإدانـة، نتيجـة لتلـك
TP469F2الظروف) 2) .P2T
رغــم ذلــك اختلفــت التشــريعات فــي موقفهــا مــن حــق المــتهم فــي الاســتعانة بمحــام عنــد إجــراء
الاستجواب، باختلاف النظام الإجرائي الذي تتبعه تلك التشـريعات، حيـث تبـرز فاعليتـه فـي الـدول التـي
2 تأخــذ بالنظــام ألاتهــامي فــي إجــراءات التحقيــق الابتــدائيTP470F

(3) فــي P2T
ً
ً فــاعلا
، بينمــا لا نجــد للمحــامي دورا
ً فـي الـدول التـي أخـذت بالنظـام ألتنقيبـي. حيـث لا

الاسـتجواب خاصـة، وفـي التحقيـق الابتـدائي عمومـا

ً لمـا عليـه الحـال فـي دول

يكون للمحامي أي دور ايجابي في إجراء الاستجواب في هذه الدول – خلافا
انظر في هذا المعنى:- رؤوف عبيد،”دور المحامي في التحقيق والمحاكمة”، مجلة مصـر المعاصـرة، س51 ،ع301) ،1 (

يوليو1960 ،القاهرة، ص5.

– محمود نجيب حسني، ” شرح قانون الإجراءات الجنائية”،المرجع السابق، ص685.
انظر في هذا المعنى: عبدالمجيد السعدون، “استجواب المتهم”، رسالة دكتوراه، كليـة القـانون، جامعـة بغـداد، 1992) ،2(
ص146.
من الدول التي تتبع النظام الاتهامي في التحقيق الابتدائي ( انجلترا، والولايات المتحدة الأمريكية ). (3(
حيـث يفسـح المجـال فـي هـذه الـدول امـام اطـراف الـدعوى كلهـا للقيـام بـدور ايجـابي فاعـل فـي تسـيير الإجـراءات فـي
التحقيق، فيقوم الخصوم ومحاموهم بدور توجيه الأسئلة والبحث عن الأدلة وتحقيقها.
انظر في ذلك: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص322-325.

( 163 )
P2T ،إذ لا يتعـدى دور المحـامي فـي هـذه الـنظم (4 (النظـام ألاتهـامي – مثـل فرنسـا، ومعظـم الـدول العربيـةTP471F2
سوى مراقبة إجراءات التحقيق، وهو على أي حال دور سلبي، فـالمحقق هـو الـذي يطـرح الأسـئلة وهـو
الـذي يملـي بنفسـه علـى كاتـب التحقيـق إجابـات المـتهم أو الشـهود بعـد صـياغتها بأسـلوبه، ولا يجـوز
للمحامي أن يترافع أمام سلطة التحقيق قبل وصول الدعوى إلى المحكمـة المختصـة. ولـيس لـه حقـوق
أكثـر ممـا لموكلـه فـي مرحلـة التحقيـق الابتـدائي، أكثـر مـن إبـداء ملاحظاتـه بشـأن إجـراءات التحقيـق
ً والاستجواب بشكل خاص، بيد أن هذا رهن أيضا بموافقة القائم على التحقيقTP472F2
عموما) 1) .P2T
ورغم أهمية هذا الضمان فإن كثيرا عاتها للمـتهم مهمـة الحفـاظ ً من الدول لم تأخذ بـه، وتتـرك تشـري
علـى براءتـه والـدفاع عـن نفسـه، بـل إن بعـض التشـريعات تـذهب إلـى الـرفض التـام لحـق المـتهم فـي
الاستعانة بمحام في مرحلة التحقيق الابتدائي إلى حين إقفال باب التحقيق – من بينها تشريع الاتحـاد
ً السوفيتي السابق – ويستند هذا الاتجاه إلى إن إباحـة هـذا علـى
الحـق للمـتهم مـن شـأنه التـأثير سـلبا
فاعلية التحقيق، بحجة أن حضور المحامي مع المتهم يؤدي إلى عدم تلقائية الرد الذي يصـدر منـه –
TP473F-2 المتهم أي) 2) .P2T
أما بالنسبة للتشريع العراقي، فإنه لم يرد نص صريح في قانون أصول المحاكمات الجزائية، يوجب
علـى القـائم بـالتحقيق دعـوة محـامي المـتهم لحضـور اسـتجواب موكلـه فـي مرحلـة التحقيـق الابتـدائي،
P2T- إنمـا يمكـن (3 (مهمـا كانـت جسـامة الجريمـة المسـندة إليـه – خـلاف مـا نـص عليـه المشـرع المصـريTP47F2
استنادا 57/أ ) أصول جزائية – إن المشرع العراقي لا يمانع حضور المحامي ً القول- إلى نص المادة (
P2T) .4 (مع المتهم في إجراءات التحقيق الابتدائي جميعها، لكنه لا ينص على دعوته للحضورTP475F2
تتبع اغلب التشريعات العربية النظام المختلط، إذ يكون للادعاء العام وخاصة في مرحلـة التحقيـق الابتـدائي دور هـام (4 (
واساسـي فـي تحريـك الـدعوى العموميـة ومباشـرتها. وهمـا مـن أهـم سـمات النظـام التنقيبـي، إذ لا توجـد مسـاواة بـين
الاتهام والدفاع.
ينظر في ذلك: م(2 (من قانون الإجراءات الجنائية المصري لعام 1950 .
م(2 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية الاردني لعام 1961.
249) .1 (انظر في هذا المعنى: سامي الحسيني، “ضمانات الدفاع”، المرجع السابق، ص
انظر في ذلـك: حسـن محمـد علـوب، “اسـتعانة المـتهم بمحـام فـي القـانون المقـارن”، دار النشـر للجماعـات المصـرية، (2(
القاهرة، 1970 ،ص288.
حيث نصت المادة (124 (من قانون الإجراءات الجنائية المصـري، علـى انـه ( فـي غيـر حالـة التلـبس وحالـة السـرعة (3(
بسبب الخوف من ضياع الأدلة، لا يجوز للمحقق في الجنايات ان يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمـين أو
الشهود، إلا بعد دعوة محاميه للحضور ان وجد ).
إلا ان حضور محام مـع المـتهم فـي مرحلـة المحاكمـة، هـو أمـر لازم فـإذا لـم يكـن للمـتهم محـامي، علـى المحكمـة ان (4(
ً للترافع عنه في جرائم الجنايات فقط. انظر نص المادة (144 (من قانون أصـول المحاكمـات الجزائيـة

تندب له محاميا
العراقي.

( 164 )
2 ومن جانبنا نؤيد الاتجاه القائل بحق المتهم في الاستعانة بمحام فـي مرحلـة التحقيـق الابتـدائيTP476F
(5) ،P2T
اسـتنادا إلـى إن المحـامي الضـمان القـانوني الوحيـد فـي زمـن تلـك المرحلـة – سـواء دامـت سـاعات أو
أسابيع أو أكثر –والذي يكفل تطبيق مبدأ البراءة، فـي حالـة تجـاوز القـائمين بـالتحقيق لسـلطاتهم، وان
ً لمراعـاة سـلطة التحقيـق لضـمانات بـراءة

ً لـه، وضـمانا
ً هامـا
ً معنويـا
مجرد وجوده مـع المـتهم يعـد دعمـا

ً لتوجيه الـدعوى الجنائيـة نحـو هـدفها المنشـود فـي الوصـول إلـى الحقيقـة، ومـن بعـدها

المتهم، وصونا
الحكم ببراءة المتهم أو بإدانته، في ضوء الموازنة بين مصلحتي المجتمع والمتهم في آن واحد.
بناء على ذلك، وفي مواكبة لتطور الإجراءات في التشـريعات الجنائيـة الحديثـة، نقتـرح وضـع نـص
تشـريعي فـي قـانون أصـول المحاكمـات الجزائيـة العراقـي، يوجـب علـى سـلطات الـدعوى الجنائيـة فـي
مختلف مراحلها – سواء بالتحري أو التحقيق الابتدائي أو المحاكمـة – دعـوة محـامي المـتهم للحضـور
معه إن وجـد، وألا انتـداب مـن يـدافع عنـه أو بـالاحرى يحـافظ علـى براءتـه فـي جـرائم الجنايـات والجـنح
P2T) .1 (المهمة، طيلة تلك المراحل وحتى صدور حكم بات في الدعوىTP47F2

المطلب الثالث
الأثر المباشر للبراءة في ” الاستجواب “

يتركز هذا الأثر من خلال كفالة حرية المتهم عنـد إجـراء الاسـتجواب، إذ مـن مقتضـى تطبيـق مبـدأ
البراءة، بعده إحدى الدعامات الأساسية في نظرية الإثبات الجنـائي، أن المـتهم غيـر مكلـف أو مطالـب
بالمساهمة في جمع أدلة الإدانة، ولا يطلب منه الدليل على نفي التهمة الموجة إليه، فيكون لـه الحـق
في عدم الإجابة على أسئلة المحقق، ولا يعد صمته قرينة ضده وهو ما يعـرف بحـق المـتهم بالصـمت،

2 يقع على عاتق سلطة الاتهامTP478F
ً

P2T) .2 (ذلك لأن عبء الإثبات أساسا
(5 (بل اؤيد وبدون تردد الرأي القائل بضرورة حضور المحامي مع المتهم فـي مرحلـة التحـري وجمـع الأدلـة، ليحميـه مـن
تعسف أعضاء الضبط القضائي وافراد الشرطة، واستخدامهم في كثير من الاحيان لوسائل غيـر مشـروعة بـل ومعاملـة
غير كريمة لا تتفق ابدا محي الدين عوض، ” حقوق ً مع كرامة الإنسان وبراءته المفترضة.انظر في هذا الرأي: محمد
الإنسان والإجراءات المنيعة وا 114 – 115ٕ .جراءات التحري”، المرجع السابق، ص
(1 (يجب التنويه في هذا الصدد، إلى التعديل الأخير الذي تم على نص م(123/ب) اصولية – أثناء المراحل الأخيرة مـن
كتابة الاطروحة- إذ أضاف فقرة إلى هذه المادة توجب علـى قاضـي التحقيـق اعـلام المـتهم بـأن لـه الحـق فـي ان يـتم
تمثيلـه مـن قبـل محـام، فـإن لـم يكـن لـه القـدرة علـى توكيلـه، تقـوم المحكمـة بتعـين محـام منتـدب لـه، كمـا أوجـب هـذا
التعديل بألا يباشر التحقيق قبل توكيل محام أو تعيينه.
انظـر المـذكرة رقـم (3 (القسـم الرابـع، الصـادرة عـن مـدير السـلطة الائتلافيـة المؤقتـة المؤرخـة فـي 18/حزيـران/2003
المنشورة في الوقائع العراقية بالعدد 3978 في 17/آب/2003.
(2 (انظر في ذلك: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص327.

( 165 )
ً به في العصـور القديمـة، فكـان إجبـار المـتهم علـى الكـلام

وحق المتهم في الصمت، لم يكن معترفا

ً ولـو
ً، فـالمتهم الـذي لا يجيـب عـن الأسـئلة الموجهـة إليـه، تنـزع منـه الإجابـة جبـرا
ً قانونـا
ً مشـروعا
أمرا
باسـتخدام أبشـع أسـاليب العنـف والتعـذيب، إذ كـان هـدف القاضـي فـي ذلـك الوقـت هـو الحصـول علـى
اعتراف المتهم بغض النظر عن طريقة الوصول إليه، بل يعد صـمت المـتهم فـي تلـك المـدة أمـام الـتهم

2TP منه بارتكابها. 479F
ً

(3 (الموجهة إليه اعترافا
ومدلول الحق في الصمت هو الامتنـاع عـن الكـلام، وحـق المـتهم فـي عـدم الإجابـة علـى مـا يوجـه
إليه من أسئلة من مختلف سلطات الدعوى الجنائية – سواء التحـري أو التحقيـق أو المحاكمـة – وهـو
P2T .فهـو بمفهومـه (1 (ما دفع البعض إلى اعتبار الحق في الصمت مظهرا TP480F2 ً مـن مظـاهر عـدم تجـريم الـنفس
الحـديث يعنـي عـدم جـواز إكـراه المـتهم علـى تقـديم أي دليـل يـؤ دي إلـى تجريمـه، وهـو ضـمان قـانوني
لحماية حرية المتهم الشخصية، وان معظم حقوق المتهم التي تحمي حريتـه تنبثـق مـن حقـه فـي عـدم
تجريم نفسه، وهذا الحق بدوره ينبثق مباشرة من مبدأ افتراض البراءة، حيث يجد هذا الحـق تبريـره فـي
إن الإنسان الحر والعاقل يتضمن حرصه في المحافظة على نفسه؛ أن يمتنـع عـن الكـلام الـذي يعرضـه
2 للخطر في تجريم نفسهTP481F
(2) .P2T

ومـع ذلـك، يـرفض بعـض الفقـه الجنـائي، الاعتـداد بهـذا الحـق، بـالقول إن المـتهم يلتـزم بـأن يتخـذ
ً إزاء الأدلة والشبهات التي ثـارت ضـده، فإمـا أن يدحضـها بوسـائل الـدفاع التـي يحوزهـا، وأمـا أن
موقفا
يسـلم بهـا ويعتـرف بجريمتـه، ثـم يقتصـر علـى الاحتجـاج بأسـباب الإعفـاء مـن المسـؤولية أو التخفيـف
ٕنمـا تنحصـر حقوقـه فـي أن يطالـب

منها. والنتيجة الحتمية لذلك انه ليس للمتهم الحق فـي الصـمت. وا
بالضــمانات التــي أحــاط المشــرع بهــا الاســتجواب، فــإن وفرهــا لــه المحقــق التــزم بــأن يجيــب ويــذكر
TP482Fالحقيقة 2
(3) .P2T
انعكس هذا الاختلاف حول حق المتهم بالتزام الصـمت علـى التشـريعات الإجرائيـة، فمنهـا مـا أقرتـه

2 ، ومنهـا مـا رفضـتهTP483F
ً

P2T .والتشـريع العراقـي مـن التشـريعات التـي (4 (بصـراحة، ومنهـا مـا أعترفـت بـه ضـمنا
ً اعترفـت بهـذا الحـق صـراحة وذلـك بـنص المـادة (126 (مـن قـانون أصـول المحاكمـات الجزائيـة بقولهـا
P2T) .5) (لايجبر المتهم على الإجا 2 بة عن الأسئلة التي توجه إليه )TP48F

(3 (انظر: سعد حماد القبائلي، المرجع السابق، ص386.
(1 (انظر في هذا المعنى: احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص560.
(2 (المرجع السابق، ص562 – 564.
(3 (انظر: محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص681.
(4 (من التشريعات التـي اقـرت هـذا الحـق التشـريع الفرنسـي الصـادر عـام 1958 فـي المـادة (114 ،(والتشـريع الايطـالي
الصـادر عـام 1988 فـي المـادة (64/3 ،(ومـن التشـريعات العربيـة التشـريع الكـويتي الصـادر عـام 1960 فـي المـادة
(158 ،(والتشـريع الجزائـري الصـادر عـام 1966 فـي المـادة (100 ،(ورفضـت هـذا الحـق غالبيـة تشـريعات الولايـات
السويسرية. انظر في تفصيل ذلك: سعد حماد القبائلي، المرجع السابق، ص387-393.
(5 (يقابلها المادة (274 (من قانون الإجراءات الجنائية المصري، ويقابلها أيضا فـي مرحلـة المحاكمـة، بالنسـبة للقـانون
ً العراقي المادة (179 ضده ).
) بقولها ( لا يعد إمتناع المتهم عن الإجابة دليلا

جدير بالذكر في هـذا الصـدد ان التشـريع الإجرائـي الأمريكـي يفـرض علـى المحقـق وبمجـرد القـبض علـى المـتهم وقبـل
اسـتجوابه ان يـذكره بأنـه لـه “الحـق فـي الصـمت” ضـمن أربعـة قواعـد تعـد مـن ابـرز ضـمانات المـتهم تعـرف ” بحقـوق

( 166 )
ويترتب على حق المتهم بالتزام الصمت، التزام السلطات التحقيقية بعدم إرغام المـتهم علـى الإجابـة
أثنـاء اسـتجوابه، وعـدم التـأثير عليـه لإجبـاره علـى الكـلام، بأيـة صـورة مـن صـور التـأثير علـى الإرادة
الحرة. ويقصد بالإرادة الحـرة، قـدرة الإنسـان علـى توجيـه نفسـه إلـى عمـل معـين أو إلـى الامتنـاع عنـه،
وهذه القدرة لا تتوافر لدى الشخص إلا إذا انعدمت المؤثرات التي تعمل في إرادتـه وتفـرض عليـه وجهـة
P2T .ولـذلك يجـب اسـتبعاد وسـائل التـأثير المختلفـة كلهـا لحمـل المـتهم علـى الكـلام سـواء أكانـت (1 (خاصـةTP485F2
معنوية أو مادية وسواء أكانت وسائل تقليدية أم وسائل علمية حديثة.
فالإكراه نوعان مادي ومعنوي، أما الإكراه المـادي فهـو الـذي يـؤدي إلـى انعـدام الإرادة كليـة – لمـن
بوشـر عليـه – ويترتـب عليـه صـدور تعبيـر لا تقابلـه إرادة، حيـث يريـد فيـه المكـره مجـرد التعبيـر دون
المضمون. أما الإكراه المعنوي فيقصد به ذلك الضغط الذي يـؤدي إلـى انعـدام جزئـي يـؤثر فـي التكـوين
P2T) .2 (الطبيعي للإرادة، على وفق بواعث الشخص الخاصةTP486F2
2 ومن الصور التقليدية للإكراه المادي العنفTP487F

P2T طالة الاستجواب لمدة متصلة دون انقطاع، مما (3(
ٕ
، وا

يرهق المتهم، بقصد تحطيم أعصابه وتضييق الخناق عليه، فيقر بما هو منسـوب إليـه، بصـرف النظـر
P2T) .4 (عن مدى حقيقتهTP48F2

ً لمـدة
ومن قبيل الإكـراه المـادي أيضـا، تسـليط الضـوء الشـديد علـى الوجـه أو إبقـاء الشـخص واقفـا
P2T) .5 (طويلة، أو إزعاجه بالأصوات المدوية، أو حرمانه من الطعام أو الشرابTP489F2
ميراندا – Rights Miranda “وقد ظهرت هـذه الحقـوق فـي التعـديل الخـامس علـى التشـريع الجنـائي الأمريكـي فـي
عام 1966 على اثر دعوى عرفت باسم دعوى ( ميراندا ضد ولاية اريزونا).
إذ يترتب على عدم إعلام المتهم بهذه الحقوق قبل استجوابه، أن أية إفـادة ( إعتـراف) يفتـرض بأنهـا قـد صـدرت منـه
تحت وطأة الإكراه، لا يمكن قبولها أو أي دليل نتج عنها امام المحاكمة إذا كانت ضد المتهم.
انظر في تفصيل ذلك الموقع القانوني: Rights Miranda / com.findlaw.www// http
– غيـر ان التعـديل الأخيـر للمـادة (123 (جزائيـة، أوجبـت علـى قاضـي التحقيـق اعـلام المـتهم بـأن لـه حـق السـكوت.
أنظر المذكرة رقم (3 (القسم الرابع الصادرة عن مـدير السـلطة الائتلافيـة المؤقتـة المؤرخـة فـي 18/حزيـران/2003 ،
والمنشورة في الوقائع العراقية بالعدد 3978 في 17/آب/2003.
(1 (انظر في هذا المعنى:مصطفى العوجي،”المسئولية الجنائية فـي القـانون اللبنـاني”، بـدون دار نشـر، بيـروت، 1979 ،
.19-18ص

ً لإرادة من باشر الإكراه.

(2 (والإكراه هو ذلك الضغط الذي يمارس على إرادة الغير فيجعلها تتشكل وفقا
انظر: مأمون سلامة، “شرح قانون العقوبات”، القسم العام، دار الفكر العربي، القاهرة،1979،ص337 وما بعدها.
(3 (العنف هو عبارة عن فعل مباشر يقع على الشخص، فيه مساس بجسده ويمثل اعتداء عليه، يكون من نتيجتـه، أن
ً، فيتـرك لهـا فرصـة للتعبيـر ولكـن علـى غيـر رغبتهـا.

ً، بحيث يشل حرية اختياره، أو يؤثر فيها نسـبيا

يسلب الإرادة كليا


وفي كلتا الحالتين يصبح الإجراء باطلا
انظر: محمد سامي النبراوي، “استجواب المتهم”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1968 ،ص45.
(4 (نقض مصري في 15/10/1980 ،مجموعة أحكام النقض، س50 ،رقم 172 ،ص890.

( 167 )
أما الإكراه المعنوي، فهو لا يختلف في طبيعته عن الإكراه المادي، فـالاختلاف بينهمـا ينحصـر فـي
الوسيلة المؤثرة فـي الإرادة، إذ هـي فـي الثانيـة مباشـرة، وفـي الأولـى غيـر مباشـرة. ومـن ابـرز صـورها
التهديد سواء بإيذاء المهدد في شخصه أو ماله أو بإيذاء إنسان عزيز لديه.
ومــن الصــور التقليديــة الأخــرى التــي تنســب إلــى الإكــراه المعنــوي، “الوعــد” لحمــل المــتهم علــى
الاعتـراف، وهـو إيجـاد الأمـل لـدى المـتهم بتحسـين ظروفـه إذا اعتـرف بجريمتـه، إذ يكـون ذا اثـر علـى
ً فـي المنفعـة، وعليـه فـإن الاعتـراف

حرية المتهم، قد يؤدي إلى احتمال إدلائه بأقوال غيـر حقيقيـة أمـلا

TP490F
ً
2 الصادر نتيجة الوعد يقع باطلا
(1) .P2T

وكـذلك يعـد الخـداع فـي الاسـتجواب مـن الصـور التـي تتنـافى مـع قرينـة بـراءة المـتهم، وهـو تلـك
الأعمال الخارجية التي يقـوم بهـا المحقـق لتأييـد مـا يدعيـه مـن أقـوال كاذبـة للإيهـام بصـحة الواقعـة أو
2 الأمـر المـدعي بـهTP491F

P2T ،وذلـك بغيـة تضـليل المـتهم والحصـول منـه علـى اعتـراف. مـن أمثلـة ذلـك، إيهـام (2(
ً بأن شريكه قد اعترف، أو الحصول على أدلة ضده مثل العثور علـى بصـمات أصـابعه فـي
المتهم كذبا
مكان الحادث أو ضبط السكين التي استخدمت في جريمـة القتـل أو إندسـاس رجـل الشـرطة السـري مـع
P2T) .3 (المتهم وا TP492F2ٕ يهامه بأنه مسجون مثله
والقاعدة انه لا يجوز استعمال وسائل الخـداع والحيلـة للحصـول علـى اعترافـات المـتهم، حتـى ولـو
ً بدون استعمالها، لذلك يجب اسـتبعاد الاعترافـات الناجمـة عـن الخـداع

كان الوصول إلى الحقيقة متعذرا
أو الحيلة. وعلة ذلك إن الخـداع ينطـوي علـى نـوع مـن التـدليس الـذي يوقـع المـتهم فـي الغلـط فيصـيب

TP493F
ً
P2T) .4 (إرادته، ومادامت إرادته معيبة وقت الإدلاء بالاعتراف فانه لا يكون صحيحا2

ً غيـر مشـروع، فـإذا صـدر الاعتـراف تحـت تـأثير الخـوف مـن إجـراء مشـروع

(5 (ولكن يتعين ان يكون مصدر الإكـراه امـرا
ً
ً معيبا
كالقبض أو التوقيف فلا يكون اعترافا
انظـر فـي ذلـك: محمـود نجيـب حسـني، “الاختصـاص والإثبـات فـي قـانون الإجـراءات الجنائيـة”، دار النهضـة العربيـة،
القاهرة، 1992 ،ص113.

ً
ً أو بعدم محاكمته أو بالافراج عنـه أو بعـدم تقـديم الاعتـراف دلـيلا

(1 (مثال ذلك وعد المتهم بالعفو عنه أو باعتباره شاهدا
ضده في المحاكمة.
انظر في ذلك: سامي صادق الملا، “اعتراف المتهم”، دار النهضة العربية، القاهرة،1969،ص101-102.
– عبدالحكم فودة، “البراءة وعدم العقاب في الدعوى الجنائية”، المرجع السابق، ص297.
(2 (انظر في هذا المعنى:
ادوارد غالي الدهبي، “شرح قانون العقوبات-القسم الخاص”، مكتبة غريب، القاهرة، 1976 ،ص416-417.
(3 (انظر في تفصيل ذلك: سامي صادق الملا، المرجع السابق، ص134.
(4 (انظـر فـي هـذا المعنـى: محمـد عيـد غريـب، “حريـة القاضـي الجنـائي فـي الاقتنـاع اليقينـي وأثـره فـي تسـبيب الاحكـام
الجنائية”، النسر الذهبي للطباعة، القاهرة، 1996-1997 ،ص108.

( 168 )
كما يعد البعض تحليف المتهم اليمين من صور الإكراه المعنوي التي تمثل اعتداء على حريته فـي
الدفاع، والعلة في ذلك انه يؤدي إلى وضع المتهم بين اختيارين، كليهما مر، همـا مصـلحته فـي حلـف
ً فيخالف ضميره الديني والأخلاقي، ومصلحته في إرضاء ضميره فيكشف عن الحقيقة ويتهم
اليمين كذبا
2 نفسه فيعرضها للعقابTP49F
(5) .P2T

لذلك فقد منعـت بعـض التشـريعات الإجرائيـة القيـام بمثـل هـذا الإجـراء، ومـن بينهـا القـانون العراقـي
P2T .كمـا إن تحليـف المـتهم قـد اجمـع (1 (بقولـه ( لا يحلـف المـتهم اليمـين إلا إذا كـان فـي مقـام الشـهادة )TP495F2
ّه مـن صـور التـأثير الأدبـي فـي إرادة

الفقه والقضاء على تحريمه وبطـلان الاعتـراف المترتـب عليـه بعـد
2 المتهم عند استجوابهTP496F
(2) .P2T

ومن ناحية أخرى وبما أن التطور قد أصاب أيضا طرائق الإثبات، فإن نظـام الأدلـة العلميـة يـنهض
ً على ضرورة الاسـتعانة بالأسـاليب الفنيـة التـي يكشـف عنهـا العلـم الحـديث فـي إثبـات الجريمـة،
أساسا
سواء في مرحلة الكشف عنهـا أم فـي مرحلـة تقييمهـا، ومـن بـين الوسـائل العلميـة الحديثـة التـي يمكـن
استخدامها كأدلة للإثبات في المواد الجنائية – والتي تهمنا في مجال الاستجواب – جهاز كشف الكذب
P2T) .3 (والتنويم المغناطيسي والعقاقير الم 2 خدرةTP497F
وقـد تباينـت الآراء التـي قيلـت بشـأن قبـول تلـك الوسـائل مـن عـدمها فـي مجـال التحقيـق والإثبـات
الجنائي، ودون الغور في تفاصيل تلـك الآراء يمكننـا القـول إن تلـك الوسـائل وفـي أقـل تقـدير تـؤثر فـي
ً لحريـة
تمييز أو إدراك المتهم، مما يؤثر في إرادته الحرة – إن لـم يعـدم هـذه الإرادة – كمـا تمثـل إهـدارا
وكرامة الإنسان وتعطيل لبراءته المفترضة وما يستتبعها من ضرورة معاملته علـى هـذا الأسـاس، ومـن
P2T للمتهم، المفترض تواجدها لصحة الاعتـراف. ومـع (4 (جهة أخرى، تعطل تلك الوسائل “الأهلية الإجرائية”TP498F2

(5 (انظر في هذا المعنى:
– مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية في التشريع المصر ي”، ج1 ،المرجع السابق، ص640.
– فوزية عبدالستار، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص357.
– حسين المؤمن، “استجواب المتهم”، مجلة القضاء، س34 ،ع2،1 ،حزيران 1979 ،بغداد، ص78.
(1 (المادة (126/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية
(2 (انظر في هذا المعنى: محمود محمود مصطفى، “تطور قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص139.
(3 (انظر في شرعية هذه الوسائل:
Geoff Douglas, Criminal Law, Oxford University Press, New York, 2003, P.191-194.
ً
ً ومنتجـا
(4 (تعني الأهلية الإجرائية القدرة على مباشرة نوع من الإجراءات على نحو يفضي إلـى عـد هـذا الإجـراء صـحيحا
لآثاره القانونية.
وهي لا ترتبط بضوابط الأهلية الجنائية ( أهلية المسئولية الجنائية )، ولكن مناطها هو فهـم ماهيـة الإجـراء وامكـان
تقدير آثاره، أي توافر الإدراك أو التمييز دون اشتراط حرية الاختيار.
انظر في هذا المعنى:

( 169 )
ذلك نؤيد ما ذهب إليه بعض الفقه من وضع معيار لمـدى قبـول مـا يقدمـه التطـور العلمـي مـن وسـائل
حديثة، إذ يستند هذا المعيار إلى عنصرين:
فمن ناحية يجب أن تصل قيمـة الـدليل إلـى درجـة القطـع مـن الناحيـة العلميـة البحتـة، ومـن ناحيـة
ً أخرى ألا ي .
كون في الأخذ بهذا الدليل المسـاس بحريـات وحقـوق الأفـراد إلا بالقـدر المسـموح بـه قانونـا
ً لهذا المعيار فإن اعتراف المتهم الـذي يـنجم عـن التحليـل التخـديري أو التنـويم المغناطيسـي أو
وتطبيقا

ً، لاعتماده على وسائل غير مشروعة، حيث انه لم يثبت لها صفة
ً باطلا
جهاز كشف الكذب يعد اعترافا
P2T) .1 (القطع من الناحية العلمية، ولأن في الأخذ بها إهدار لكرامة الإنسان وا TP49F2ٕ يذاء لكيانه البدني والمعنوي
ً مـن المشـرع العراقـي لخطـورة هـذه الوسـائل علـى حقـوق وحريـات المـتهم فقـد نصـت المـادة
ٕدراكـا
وا
(127 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية على انـه ( لا يجـوز اسـتعمال أيـة وسـيلة غيـر مشـروعة
للتأثير على المتهم للحصول على إقراره، ويعتبر من الوسائل غير المشروعة إسـاءة المعاملـة والتهديـد
بالإيذاء والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير ).
بناء على ما تقدم يمكن القول إن الإقرار بحق المتهم في الصمت، عند استجوابه ينبغي ألا يفضي
إلــى اســتخدام أيــة وســيلة مــن وســائل الضــغط أو التــأثير علــى الإرادة الحــرة للمــتهم، وذلــك مــن اجــل
الحصول على أية إفادة أو اعتراف منه.

ً في وجـوده وتطبيقـه إلـى أعمـال قرينـة البـراءة أثنـاء

على إن حق المتهم في الصمت يستند أساسا
الاستجواب في مرحلة التحقيق باعتبار أن هذا الحق لا يعدو أن يكون إحدى نتائج تطبيق “البراءة” في
الدعوى الجنائية.

– احمد فتحي سرور، “الوسيط في قـانون العقوبـات – القسـم العـام”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة، 1981 ،ص495
وما بعدها.
– سامي صادق الملا، المرجع السابق، ص26 وما بعدها.
(1 (انظر في هذا الاتجاه:
هلالي عبداللاه احمـد، “النظريـة العامـة للإثبـات الجنـائي”، دراسـة مقارنـة بـين الـنظم الإجرائيـة اللاتينيـة والانجلـو
سكسونية والشريعة الإسلامية”، المجلد الثاني، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون تاريخ، ص955-956 .

( 170 )

المبحث الخامس
أثر البراءة في التوقيف

– تمهيد وتقسيم:
إجــراءات التحقيــق، بشــتى صــورها – القــبض أو التفتــيش أو الاســتجواب – لابــد أن تمــس حريــة
المتهم، فتنتهـك مـا يتمتـع بـه مـن بـراءة مفترضـة، بيـد أن التوقيـف، يعـد مـن أخطـر إجـراءات التحقيـق
ً بحرية المتهم. إذ بمقتضـاه تسـلب حريـة المـتهم لمـدة قـد تطـول وقبـل أن تثبـت ادانتـه،

وأكثرها مساسا
إلى الحد الذي يمكن فيه، تشبيه هذا الإجراء بعقوبة الحبس.
فهل أنصفت التشريعات المتهم في مواجهـة التوقيـف، فوضـعت مـن الضـمانات التـي تكفـل التوفيـق
ً علـى وفـق مبـدأ البـراءة، وبـين مصـلحة
ّه بريئـا
بـين مصـلحة المـتهم فـي عـدم المسـاس بحريتـه، بعـد
المجتمع في عدم الاضرار بسلامة التحقيق، وبعبارة أخرى هل “للبراءة” من أثر على اجراء التوقيف؟
للوقـوف علـى ذلـك نبحـث أثـر البـراءة فـي التوقيـف، علـى أن نفـرق ُّ بـين مـا يعـد مـن الآثـار غيـر
المباشرة للبراءة في التوقيف، وبين ما يعد من الآثار المباشرة له، وذلك في مطلب مستقل لكل منهمـا.
ً إلا أنه لابد أن نبدأ بماهية التوقيف – وبصورة موجزة – لازما لهذا المبحـث. وعلـى الوجـه

ّه مدخلا
بعد

الآتي:-
المطلب الأول / ماهية التوقيف
المطلب الثاني / الأثر غير المباشر للبراءة في التوقيف
المطلب الثالث / الأثر المباشر للبراءة في التوقيف

المطلب الأول

( 171 )

ماهية ” التوقيف “

إن الأصل فـي المـتهم البـراءة، يعنـي تمتعـه الكامـل بالحريـة، كمـا أن الأصـل فـي سـلب الحريـة أنـه
جزاء جنائي لا يوقع إلا بمقتضى حكم قضائي بالإدانة. ومع ذلك فإن التشريعات الإجرائية تجيز توقيف
P2T) .1 (المتهم قبل أن تثبت ادانته القضائية، استنادا TP50F2 ً إلى مقتضيات مصلحة التحقيق

ً فـي التهمـة المسـندة اليـه، للمـدة التـي

ويعرف التوقيف بأنه سلب لحرية المتهم قبل الفصـل نهائيـا
تقتضيها مصلحة التحقيق وذلك بـالتحفظ علـى المـتهم بإيداعـه إحـدى دور التوقيـف المنصـوص عليهـا
2 بـأمر مـن السـلطة المختصـةTP501F
ً
P2T .أو هـو سـلب حريـة المـتهم بإيداعـه فـي السـجن خـلال مر احـل (1 (قانونـا
P2T) .2 (الخصومة الجنائية أو لفترة منهاTP502F2
ومن ثم يتميز التوقيف بأنه ليس عقوبة على الرغم مـن اتحـاده فـي طبيعتـه مـع العقوبـات السـالبة
للحريـة، وفـي أن النطـق بهمـا يكـون مـن سـلطة المحكمـة أو القاضـي، إلا أنـه يختلـف عنهـا مـن عـدة
وجوه، ففي التوقيف تقيد حرية الفرد من دون التثبت مـن إدانتـه علـى عكـس العقوبـة السـالبة للحريـة.
فهي لا توقع على الشخص إلا بعد إدانتـه، كمـا يختلفـان مـن حيـث الهـدف، فـالتوقيف يهـدف إلـى منـع
المـتهم مـن الهـرب أو التـأثير علـى سـير التحقيـق، بينمـا غايـة العقوبـة السـالبة للحريـة هـي الاصـلاح
TP503F2والتقويم) 3) .P2T
كمـا أن التوقيـف بهـذا المعنـى، لـيس إجـراء مـن إجـراءات التحقيـق، لأنـه لا يسـتهدف البحـث عـن
ٕ نمـا هـو بـالأدق، مـن أوامـر التحقيـق التـي تسـتهدف “تـأمين الأدلـة”، سـواء مـن العبـث بهـا أو
دليـل، وا

ً لعـدم هروبـه مـن

ً لتـأثيره علـى شـهود الواقعـة، أو ضـمانا

ً، أو سـواء تجنبـا

طمسـها إذا بقـي المـتهم حـرا
تنفيذ الحكم الذي سيصدر عليه بالنظر إلى كفاية الأدلة ضده، إذ يختلف التوقيف عـن الإجـراءات التـي
ٕنمـا هدفـه
تسـتهدف التنقيـب عـن الأدلـة، فـي أنـه لـيس مـن شـأنه أن يزيـد أو يـدعم أدلـة الـدعوى؛ وا
2 فحسب المحافظة على الأدلة التي توافرتTP504F
(4) .P2T

362) .1 (فوزية عبدالستار، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
74) .1 (نايف بن محمد السلطان، المرجع السابق، ص
آمال عثمان، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1975 ،ص5) .2(
انظر في ذلك: (3(
– محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص700.
– سعيد حسب االله عبداالله، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص226.
انظر بهذا المعنى: (4(
– محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص725.

( 172 )

المطلب الثاني
الأثر غير المباشر للبراءة في ” التوقيف “

لا يجوز اتخاذ أمر التوقيف ضد المتهم، إلا بتـوافر أسـباب تسـوغ ذلـك التوقيـف، كمـا لا يكـون هـذا
الأمر إلا لسلطة مختصة بإصداره، فهل لاحترام قرينة البراءة مـن أثـر فـي مبـررات التوقيـف، وهـل خولـه
ّ المشرع لجهة تراعي حرية المتهم وحقوقه؟ للإجابة على ذلك نبحث أثر البراءة في التوقيف – ه أثر
بعد

غير مباشر – في فرعين وعلى الوجه الآتي:-

الفرع الأول / أثر البراءة في مبررات التوقيف
ً

تؤكـد معظـم التشــريعات الجنائيـة، أن التوقيـف بعــد يتنــاقض مـع قرينـة البــراءة، هـو إجــراء ّه أمـرا
احتياطي لا يجب اتخاذه إلا بصورة استثنائية، وعلى وفق أسباب تبـرره، تتمثـل – هـذه المبـررات – فـي

ً لتنفيذ الحكم.
ً، أو ضمانا
ً أمنا
ً، أو إجراء
كونه إجراء تحقيقا
ّ فمـن جهـة يبـدو أن الهـدف التقليـدي مـن التوقيـف هـو لضـمان مصـلحة التحقيـق سـواء ه مـن
بعـد
الوسائل المساعدة لقيام سلطة التحقيق بمهام عملها بالشـكل المطلـوب وبالسـرعة اللازمـة، إذ بواسـطته
يتحقق وضع المتهم تحت يد السلطة القائمة بالتحقيق، تستدعيه وقتمـا تشـاء، لاسـتجوابه أو مواجهتـه
ّ بالشهود والأدلة كلما رأت ضرورة لذلك، الأمر الـذي يسـاعد علـى سـرعة إن ه
جـاز التحقيـق. أم سـواء بعـد
من الوسائل التي تمنع المتهم من الإضرار بسلامة التحقيق، وذلك حين يعمد إلى تشـويه أدلـة الجريمـة
P2T) .1 (أو التأثير على الشهودTP50F2

انظر بهذا المعنى: حسن بشيت خوين، “ضمانات المتهم في الدعوى الجزائية”، ج1 ،المرجع السابق، ص132) .1 (

( 173 )
على إن هذا الهدف، قـد أتسـع نطاقـه تحـت تـأثير أفكـار الـدفاع الاجتمـاعي، فلـم يعـد يقتصـر علـى
احتياجـات التحقيـق لهـذا الإجـراء، بوصـفه المسـاعد الضـروري لإظهـار الحقيقـة التـي تتوخاهـا إجـراءات
ً لا صـلة لهـا باحتياجـات التحقيـق. فأصـبح يشـمل الوقايـة أو

التحقيـق، بـل أمتـد نطاقـه ليحقـق أغراضـا
الاحتــر از للحيلولــة دون عــودة المــتهم إلــى مقارفــة الجريمــة، ذلــك أن وجــود المــتهم فــي محــل ارتكابــه
جريمته، قد يغريه بارتكاب مثلها، خاصة إذا كانت العوامل الإجرامية التي قادته إلـى جريمتـه الأولـى مـا
ً لمشـاعر
تزال قائمة منتجة تأثيرها عليه. كما يعد التوقيف وسيلة لتهدئة الخواطر الثائرة وارضاء عـاجلا
ً فـي
ً عن ذلك، فإن وجود المـتهم طليقـا

ً للارضاء الذي تأتي به العقوبة فيما بعد. فضلا

الجماعة، انتظارا
مكان جريمته قد يغـري أهـل المجنـي عليـه بالانتقـام منـه – لاسـيما فـي المنـاطق التـي تسـود فيهـا فكـرة
ً الثأر – وقد يثير ذلك مشاعر استنكار جماعي من بقاء ا على الرغم من جريمته، وبذلك يمثل

لمتهم حرا

ٕ جـراء لحمايـة المجتمـع مـن جهـة أخـرى، ومـن ثـم فهـو إجـراء

التوقيف إجراء لحماية المتهم من جهة، وا
ً
ً عن كونه إجراءا TP506F2 ً تحقيقا
P2T) .1 (أمن فضلا

ً لتنفيذ الحكم، إذا ما صدر على المتهم بالإدانة، وبذلك فهو
ً هاما
ً يعد البعض التوقيف ضمانا
وأخيرا
وسيلة لضـمان تنفيـذ العقوبـة لأنهـا تحـول دون فـرار المـتهم، وفـي ذلـك تغليـب لمصـلحة المجتمـع علـى
2 مصلحة الفردTP507F
(2) .P2T

ً بـين مصـلحتين: مصـلحة

ً – بـأن التوقيـف يثيـر نزاعـا

رغـم تلـك المبـررات لابـد مـن الإقـرار – سـلفا
المتهم في ألا تسلب حريته، إلا إذا صدر حكم بادانتـه، ومصـلحة المجتمـع فـي سـلب حريـة المـتهم قبـل
ادانته من أجل مصلحة التحقيق.
نتيجة لذلك ظهر رأيان في شـأن “إجـراء التوقيـف”: رأي يسـاند المـتهم، ويعتـرض علـى هـذا التوسـع
ً فـي ذلـك إلـى حجـج عـدة،

في مبررات التوقيف كون حرية الإنسان هي الأصل والأجدر بالحماية مستندا

ً على مبررات التوقيـف – لا يمكـن

تدور في محورها حول تمتع المتهم بقرينة البراءة. فمن جهة – وردا

ً فـي وقـت لـم تثبـت فيـه

قبـول القـول أن التوقيـف تـدبير احتـرازي أو وقـائي، بينمـا ينـزل بـالمتهم إيلامـا

ً، لأنهـا تتخـذ بنـاء علـى شـبهات قـد تكـون

ادانته، مما يضعه فـي مصـاف العقوبـات غيـر المبـررة قانونـا
P2T َّ . كما لا يمكن عد التوقيف إجراء لحماية المتهم أو الأمـن العـام، إذ أن ذلـك (3 (خادعة في بعض الأحيانTP508F2

انظـر فـي هـذا المعنـى: نـايف بـن محمـد السـلطان، “حقـوق المـتهم فـي نظـام الإجـراءات الجزائيـة السـعو دي”، المرجـع (1 (
السابق، ص75.
انظر في ذلك: حسن صادق المرصفاوي، “اصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص501) .2(
انظر في هذا المعنى: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص344) .3(

( 174 )
مــن صــلب مســؤوليات ســلطات الدولــة، فكفالــة أمــن المجتمــع لا يمكــن قبولــه مــن خــلال ســلب حريــة
TP509F2الأبرياء) 4) .P2T
ّ كذلك ه
لا يصح الاعتداد بالخطورة الإجرامية أو الخوف من فرار المتهم، لتبرير إجراء التوقيف، بعـد
ً مـع مبـدأ افتـراض البـراءة،

الوسيلة لضمان تنفيذ الحكم في حالة ادانة المـتهم، لأن ذلـك يتعـارض تمامـا
كمـا أن الخطـورة فكـرة لا صـلة لهـا بالكشـف عـن الحقيقـة التـي تتغياهـا إجـراءات التحقيـق، فـالخطورة
P2T) .5 (الوحيدة التي ينبغي ان يعتد بها – عند إصدار امر التوقيف – هي التي تهدد أدلة الدعوىTP510F2
ً اجتماعيـة أو اقتصـادية، لا يقـل تأثيرهـا عمـا سـبق، إذ

ومن جهة أخرى، يثير توقيف المتهم عيوبا
يفصم هذا الإجراء صـلات المـتهم بعائلتـه ويوقـف نشـاطه المهنـي، ويعرضـه مـن الـوجهتين، لأضـرار قـد
2 يستحيل أو يصعب فيها بعد اصلاحها، وتزداد هذه العيوب خطـورة، إذا ثبتـت فيمـا بعـد بـراءة المـتهمTP51F
(1) .P2T
ً متفاوتـة قـد قضـي

ً ممن أوقفوا إبـان التحقيـق الابتـدائي، مـددا

وتدل الإحصائيات القضائية على أن كثيرا
ببـرائتهم. بـل أن التوقيـف – رغـم القضـاء بـالبراءة – يثيـر فـي أذهـان العامـة فكـرة سـيئة عـن المـتهم،
P2T) .2 (ويبعث الشك حوله، مما قد يؤدي إلى الحط من قدره بين الناسTP512F2

ّ مـن إجـراءات التحقيـق الاحتياطيـة الخطيـرة، بـل هـو

ومن ثم يمكن أن نخلص إلى ان التوقيـف يعـد
أخطرها وأشـدها وطـأة علـى المـتهم، لأنـه يسـلبه أثمـن حقوقـه – بعـد حقـه فـي الحيـاة – وهـو حقـه فـي
ً ما تكون في ظـروف أسـوأ مـن تلـك التـي يحتجـز فيهـا السـجناء المـدانين،

الحرية. ولفترات طويلة غالبا
ً عن ذلك فإن التوقيف ربما يعيـق – علـى نحـو خطيـر – جهـود المـتهم فـي تحضـير دفاعـه وربمـا
فضلا

ّه الفقه الجنائي من أبرز الإجراءات التي تتعارض مـع قرينـة بـراءة

يؤثر على نتيجة المحاكمة. لذلك يعد
ً المــتهم، وا فــي ســبيل مصــلحة التحقيــق ٕنــه تضــحية كبــرى لل

حريــة الشخصــية قــرره القــانون مرغمــا

TP513F2والعدالة) 3) .P2T

ً إلى ما تقدم، ينتهي أصحاب الرأي المساند لحرية المتهم، إلى وجـوب حصـر التوقيـف فـي
واستنادا
أضـيق نطـاق، مـن خـلال تحديـد السـلطات المختصـة بإصـداره وتـوفير الضـمانات الكافيـة التـي تحـد مـن

ً ولا تقبلـه العدالـة. بـل

ً للحريـة يطبـق سـلفا

كونه اجـراء تغـالى الـبعض وذهـب إلـى القـول بوجـوب ً سـالبا
إلغاء “التوقيف” على اطلاقه، لأن هـذا النظـام شـرع – فـي نظـرهم – لمنـع المـتهم مـن الهـرب، وأنـه مـع
740) .4 (انظر بهذا المعنى: احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص
262) .5 (احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
701 في الهامش. (1 (محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
345) .2 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
السيد الذهبي العباسي، “الايقاف التحفظي وانعكاساته على الحريات العامة”، مجلة القضـاء والتشـريع التونسـية، ع6) ،3(
.9ص، 1977 ،19س
– جندي عبدالملك، “الموسوعة الجنائية”، ج2 ،دار احياء التراث العربي، بيروت، 1976 ،ص286.

( 175 )
ٕ جراءات تسليم المجرمين، لم يعـد هنـاك أي خـوف

تقدم النظم الشرطية والاستخبارية المحلية والدولية، وا
P2T) .4 (يذكر من هذا الخطر، وعليه لا فائدة ترجى ً من التوقيف مقارنة بتمتع الإنسان البرئ بحريته وكرامتهTP514F2
بينما يذهب رأي آخر – وباتجاه معاكس للـرأي الأول – إلـى توسـيع نطـاق هـذا الإجـراء مـا دام فـي
ذلك مصلحة المجتمع، ويعيب على أصحاب الـرأي المسـاند للمـتهم، مغـالتهم فـي تـوفير الضـمانات، لأن
ً من الاختلال الأمني الذي قد يصيب المجتمـع، جـراء عـدم تطبيـق

المساس بالحرية الفردية، أخف ضررا
TP51F2التوقيف إجراء) 5) .P2T
الفرع الثاني / أثر البراءة في الجهة المخولة بالتوقيف
إن الغاية المتوخاة من تطبيق قرينة البراءة في الدعوى الجنائية، هي حماية حرية المتهم وحقوقه
من المساس بها دون وجه لازم، لذلك عمدت التشريعات الإجرائية إلى وضع ضمانات تكفل تحقيق تلـك
الغاية. واول هذه الضمانات، يتمثل في أن يعهد بالتوقيف إلى سلطة لها من كفايتها واستقلالها وحسن
تقديرها مـا يطمـأن معـه إلـى اتخـاذ هـذا الإجـراء فـي نطـاق الحكمـة التـي شـرع مـن أجلهـا، وعـدم اسـاءة
اســتعماله مــن غيــر ضــرورة. لــذا فــإن معظــم التشــريعات الجنائيــة حصــرت إجــراء التوقيــف بالســلطة
المختصة بالتحقيق، وهذه السلطة هي قاضي التحقيق لدى بعـض الـدول، والادعـاء العـام لـدول الـبعض
2 الآخر، كما أن للمحكمة سلطة الامر بالتوقيف بعد إحالة الدعوى اليهاTP516F
(1) .P2T

ً ً عامة – للمحقق أو لعضـو الضـبط القضـائي الأمـر بـالتوقيف، ولا يجـوز

ومن ثم لا يجوز – قاعدة
ندبه لذلك، كما لا يجوز للمجني عليه أو المدعى المدني طلب توقيـف المـتهم، لأنـه لا خصـومة لأيهمـا
P2T) .2 (بالنسبة للدعوى الجنائية، ومن ثم فلا صفة لهما في طلب اتخاذ إجراء من إجراءات هذه الدعوىTP517F2
إذ بالرغم من أن قانون أصول المحاكمات الجزائيـة العراقـي، أنـاط مهمـة التحقيـق الابتـدائي بقضـاة
2 التحقيق والمحققين الذين يعملون تحت إشرافهمTP518F

P2T ،إلا أنه حصـر سـلطة إصـدار اوامـر التوقيـف بقضـاة (3(

TP519F
ً
2أصلا التحقيق) 4) .P2T
ومع ذلك ألزم القانون المحقق إصدار أمر التوقيف في حالة ارتكاب جناية في الأماكن النائيـة عـن
2 مركـز دائـرة قاضـي التحقيـقTP520F

P2T إلـى صـعوبة الاتصـال بقاضـي التحقيـق (5(
P2T .ويبـدو لنـا أن هـذه (6 ، (اسـتنادا TP521F2ً

345) .4 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
27) .5 (حسن صادق المرصفاوي، “الحبس الاحتياطي”، المرجع السابق، ص
350) .1 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
704) .2 (محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر المادة (51/1 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (3(
انظر المادة (92 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (4(

( 176 )
ً عن الأصـل العـام لأنهـا تسـمح بانتهـاك قرينـة بـراءة المـتهم، بتخويلهـا لمـن لا يتمتـع

المادة تعد خروجا
بالأهلية القانونية اللازمة لتقييد حريات الافراد. كما أن توفر مختلف وسائل الاتصال الحديثة في الوقت
ً الحاضر تدحض الحجة التي استندت إليها تلك المادة، لـذا نـدعو المشـرع لحـذف المـادة (112
) احترامـا
ً لـه – وفـي هـذا الصـدد – يثـور التسـاؤل فـي صـحة إنابـة قاضـي التحقيـق لأحـد

لمبـدأ البـراءة وتطبيقـا
أعضاء الضبط القضائي للقيام بإجراء التوقيف، على وفق المادة (52/1 (من قانون أصول المحاكمـات
الجزائية العراقي؟.

ً علــى ذلــك. أن قــرار الإنابــة أباحــه المشــرع لقاضــي التحقيــق لضــرورات عمليــة

يمكــن القــول ردا

ً مـا يكـون ذلـك عنـد انشـغال قاضـي

وبصـورة اسـتثنائية، بغيـة الحفـاظ علـى مصـلحة التحقيـق، وغالبـا
التحقيق. ومن ثم لا تجوز الإنابة إلا في الإجراءات التي يتعذر عليه القيام بها بنفسه، كسماع الشـهود
أو المعاينة، اما الإجراء الذي يسـتطيع القيـام بـه، بـدون أي عقبـة تحـول دون اتخـاذه، فـلا يجـوز إنابـة
الغير للقيام به، بل يجـب أن يتـولى ذلـك الامـر بنفسـه، وهـذا هـو حـال الأمـر بـالتوقيف. ويعـزز ذلـك مـا

ُّد

خلصنا اليه من أن التوقيف لا يع من إجراءات التحقيق بقدر ما هـو مـن اوامـر التحقيـق، والأوامـر فـي ُ
P2T) .1 (الأصل لا تتخذ إلا من جهة قضائية مختصةTP52F2
أضف إلى ذلك، أن قاضي التحقيق هو الجهـة المختصـة بمباشـرة التحقيـق فـي الـدعوى وأنـه علـى
اطلاع كامل بظروفها وملابستها ومدى قوة الأدلة ضد المتهم، مما يسمح لـه باتخـاذ قـرار التوقيـف عـن
تبصر وبصيرة، أما الشخص المناب، فهو يناب في اجراء معين فقط، ولهذا السبب، يـذهب الـبعض إلـى
P2T) .2 (منع الإنابة في هذه الحالةTP523F2
ٕذا كنا قد خلصنا إلى أن “التوقيف” من أخطر الإجراءات التي تمس حرية المـتهم، وبأنـه لا يجـوز
وا
اتخاذه إلا من سلطة قضائية مختصة، ومن ثم فلا يجوز للمحقق الأمر بـه، لأن ذلـك يخـالف مـا يتمتـع
بــه المــتهم مــن البــراءة، فإنــه مــن بــاب أولــى، لا يســمح لعضــو الضــبط القضــائي، باتخــاذ مثــل ذلــك
TP524Fالإجراء 2
(3) .P2T

انظر المادة (112 (من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (5 (
(6 (سعيد حسب االله عبداالله، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص228.
351) .1 (انظر بهذا المعنى: آمال عثمان، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر: حسن صادق المرصفاوي، “الحبس الاحتياطي”، المرجع السابق، ص59) .2(
726) .3 (انظر بهذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص

( 177 )

المطلب الثالث
الأثر المباشر للبراءة في ” التوقيف “

يتركـز أثـر البـراءة فـي التوقيـف علـى الشـروط التـي تسـمح بـالتوقيف، وعلـى الحـد الاقصـى لبقـاء
المتهم في التوقيف، كما يبرز هذا الأثر أثناء تنفيذ التوقيف. للوقـوف علـى ذلـك، نبحـث الأثـر المباشـر
للبراءة في التوقيف في فروع ثلاثة، وعلى الوجه الآتي:-

الفرع الأول / أثر البراءة في شروط التوقيف
التوقيف لا يجوز في كل جريمة، بل لابد أن تكون الجريمة على قدر معين مـن الجسـامة، ومعيـار
جسامة الجريمة التـي يجـوز فيهـا التوقيـف هـو العقوبـة المقـررة لهـا، وتختلـف التشـريعات المقارنـة فـي
تحديد الحد الأدنى للعقوبة المقرر للجريمة التي يجوز فيها التوقيف.
ً مـع قري
ً ومتناقضـا
ً اسـتثنائيا

ِّ كما أن التوقيف بعـده نـة بـراءة المـتهم، فـإن العدالـة تقتضـي أن ِ اجـراء
2 مهما كان نوع الجريمة ومهما بلغت عقوبتهاTP52F
ً
ً، ولا يجوز أن يكون وجوبيا
ً دائما

P2T) .1 (يكون اختياريا
ويبدو أن المشـرع العراقـي قـد وضـع قواعـد عامـة فـي شـأن الجـرائم التـي تسـمح للسـلطة القضـائية
ً مـا كانـت طبيعتهـا أو
ً أيـا
باتخاذ اجراء التوقيف مفادها، أن التوقيف يجوز في الجنايـات والجـنح عمومـا

ً إلا في حالة واحدة، عندما لا يكون للمتهم محل إقامة معينTP526F2
P2T) .2 (نوعها، ولا يجوز في المخالفات أصلا
ً عليهـا بالإعـدامTP527F2
P2T) ،3 (بينمـا أوجـب القـانون التوقيـف فـي حـالتين: الأولـى إذا كانـت الجريمـة معاقبـا
والثانيــة توجــب علــى المحقــق فــي الأمــاكن النائيــة عــن مركــز دائــرة القاضــي أن يوقــف المــتهم فــي
TP528Fالجنايات 2
(4) .P2T
ويمكـن القـول أن المشـرع العراقـي قـد تجـاوز علـى مبـدأ البـراءة، عنـدما أجـاز التوقيـف، فـي جـرائم
ً – إذ أن بعضـها عقوبتهـا بسـيطة لا تسـتوجب التوقيـف – ،
ً الجـنح عمومـا
وعنـدما جعـل التوقيـف واجبـا

لاسيما عندما أوجبه على المحقق في الأماكن النائية.

755) .1 (احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص
انظر المواد ( 109/أ ، 110 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (2(
انظر المادة ( 109/ب) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (3(
(4 (انظر المادة ( 112 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية

( 178 )
لا تكتفـي بعـض التشـريعات لاتخـاذ اجـراء التوقيـف تقييـده بنـوع مـن الجـرائم الجسـيمة، بـل تفـرض
ً – أن تقوم ضد المتهم دلائل كافية على ارتكابه هذا النوع من الجرائم. فلا أيضا – لقرينة البراءة
تطبيقا

ً للجريمة، ً بالتوقيف لمجرد شعوره بأن ال
يجوز لقاضي التحقيق أن يصدر أمرا متهم الماثل أمامه، مرتكبا
ً مـن العقـاب، يوقـع بغيـر سـند مـن القـانون.

ٕ لا أصبح اجراء التوقيف نوعا

مع غياب ما يدل على ذلك، وا

ً لتخلـف الـدلائل الكافيـة، فلهـا أن تحكـم بـبطلان مـا

فإذا تبين لمحكمة الموضـوع أن التوقيـف وقـع بـاطلا
P2T) .5 (ترتب عليه من إجراءات وتستبعد الدليل 2 المستمد منهTP529F
من ذلك ما نصت عليه المادة (62 (من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي – والمضـافة بمقتضـى
قانون تدعيم قرينـة البـراءة – مـن أنـه ” لا يمكـن احتجـاز الأشـخاص الـذين لا تتـوافر فـي شـأنهم دلائـل
2 تفترض أنهم ارتكبوا أو شرعوا في ارتكاب جريمة، إلا للوقت اللازم لسماع أقوالهمTP530F
(6) .P2T
ٕن كـان لـم يفصـح

وايضا نص القانون المصري علـى شـرط الـدلائل الكافيـة لاتخـاذ أمـر التوقيـف، وا

ً
عن المعنى المقصود بكلمة الدلائل، بمعنى هل تكفـي مجـرد الشـبهات أو القـرائن للأمـر بـالتوقيف؟ فـردا
ً لقرينة البراءة التي يتمتع بهـا المـتهم،

على ذلك يمكن القول أن حماية الحرية الفردية للإنسان ومراعاة
فإنه ينبغي أن تكون الأدلة القائمة قبل المتهم من القـوة التـي تجعـل ادانتـه كبيـرة الاحتمـال، علـى الأقـل
2 في نظـر السـلطة القائمـة بـالتحقيقTP531F

P2T مـن الشـك حـول قرينـة بـراءة (1(

ً
. فهـذه الأدلـة هـي التـي تلقـي ظـلالا

P2T) .2 (المتهم وتبرر المساس بهاTP532F2

ً
ّه قيدا
مما دعى بعض التشريعات إلى النص على وجوب تسبيب الأمر الصادر بتوقيف المتهم، بعد
ً لعـدم المسـاس بقرينـة البـراءة التـي يتمتـع بهـا المـتهم، إلا إذا كانـت

ً على سلطة التحقيق، وضمانا
هاما
هناك أسباب جدية تبرر اتخاذ هذا الإجراء، وقد أثبتت التجـارب العمليـة أن الـنص علـى ضـرورة تسـبيب
2 التوقيـف، قـد اسـفر عـن خفـض عـدد الموقـوفين بنسـبة ملحوظـةTP53F

P2T .لمـا فـي ذلـك التسـبيب مـن أهميـة (3(
انظر في ذلك: مأمون سلامة، “الإجراءات الجنائية في التشريع المصري”، ج1 ،المرجع السابق، ص653) .5 (
(6 (مدحت رمضان، “تدعيم قرينة البراءة”،، المرجع السابق، ص35.
81) .1 (انظر في ذلك: حسن صادق المرصفاوي، “الحبس الاحتياطي”، المرجع السابق، ص

ً إلى الأصل في الإنسان البراءة، نقترح على المشرع العراقي أن يحـذو المشـرع المصـري فـي

في هذا الصدد واستنادا
ً اضافة قيد الدلا لاتخاذ أمر التوقيـف. لاسـيما أن الكثيـر مـن المـؤتمرات القانونيـة تؤكـد علـى ضـرورة

ئل الكافية، شرطا

التـزام التشـريعات الإجرائيـة بهـذا الشـرط، منهـا المـؤتمر الأول للجمعيـة المصـرية للقـانون الجنـائي الـذي أوصـى بعـدم
جواز توقيـف المـتهم، إلا بـأمر تسـتلزمه ضـرورة التحقيـق إذا وجـدت دلائـل قويـة علـى اتهـام هـذا الشـخص بجنايـة أو
جنحة تستوجب عقوبة الحبس.
انظر: حسن صادق المرصفاوي، “حقوق الإنسان في الإجراءات، المرجع السابق، ص48.
احمد فتحي سرور، “الشرعية و الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، 267) .2(
767) .3 (احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص

( 179 )
ً لسـلطة التحقيـق المختصـة، فـي أن تتريـث فـي اتخـاذ مثـل هـذا الاجـراء

بالغـة، تتجلـى فـي كونـه دافعـا
2 الخطير، وألا تلجأ اليه إلا بعد تبصر واحاطة تامة لمجمل ظروف التحقيقTP534F
(4) .P2T

والمقصـود مـن تسـبيب أمـر التوقيـف، هـو بيـان الأسـباب التـي إسـتند اليهـا الأمـر الصـادر بتوقيـف
المتهم، ولا يعني ذلك سرد أسباب مطولـة تنـاقش فيهـا الأدلـة، فـذلك أمـر مـن اختصـاص قضـاء الحكـم؛
إنما المقصود بيان القرائن والوقـائع التـي تـدل علـى وقـوع الجريمـة ونسـبتها إلـى المـتهم، بالإضـافة إلـى
مبررات اتخاذ هذا الإجـراء، والهـدف مـن ذلـك تحقيـق الرقابـة القضـائية علـى ملائمـة اتخـاذ هـذا الإجـراء
P2T) .5 (بناء على أسبابه التي استند اليهاTP53F2
رغم ذلك فإن المشرع العراقي، سـكت عـن تسـبيب قـرار التوقيـف الصـادر عـن قاضـي التحقيـق، فـي
P2T) .1 (حين عملت به بعض التشريعات كما ورد التأكيد عليه من قبل بع 2 ض المؤتمرات الدوليةTP536F
ً َّ عن شرطي جسـامة الجريمـة، وكفايـة الأدلـة، تقيـد بعـض التشـريعات التوقيـف، بسـن معـين،
فضلا
فالتشريع المصـري أشـترط أن يكـون المـتهم الحـدث قـد جـاوز خمـس عشـرة سـنة لامكـان توقيفـه، بينمـا
ً، إلا إذا كـان بإحـدى جـرائم المخالفـات، إذ لا يجـوز

ً أجـاز المشـرع العراقـي توقيـف الحـدث عمومـا
متهمـا

ً مع النص العام، كما أوجب القانون توقيف الحـدث إذا كـان

توقيفه في هذه الحالة، وهو ما يتفق أساسا
ً بجناية عقوبتها الاعدام، إذا كان عمره قد تجاوز الرابعة عشرةTP537F2
متهما) 2) .P2T

ً ينبغـي أن يتمتـع

ويبـدو لنـا أن المشـرع العراقـي لـم يوفـق فـي ذلـك، إذ إنـه إذا كـان المـتهم عمومـا
ً ِّ إلى قرينة البراءة، فإنه من باب أولى تطبيق ذلك على المـتهم الحـدث، بعـد أن البـراءة

بالحرية، استنادا
هي صفة لازمة للإنسان لاسيما إن كان بسن الحدث. كما يمكن تعليل حظـر التوقيـف بالنسـبة للحـدث،
ً عـن
ً أن يشوه الحدث أدلة الاتهام، واحتمال هربه في الغالـب قليـل، فضـلا

بانتفاء موجبه: فليس محتملا
P2T) .3 (اتساق ذلك الحظر مع حظر توقيع العقوبات العادية عليهTP538F2

(4 (حسن صادق المرصفاوي، “الحبس الاحتياطي”، المرجع السابق، ص116.
270) .5 (انظر في ذلك: احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
مـن التشـريعات التـي نصـت علـى ذلـك، قـانون الإجـراءات الجنائيـة الجزائـري فـي المـادة (125 ،(وقـانون الإجـراءات (1(
الجنائيـة الفرنسـي فـي المـادة (139/2 .(ومـن بـين المـؤتمرات الدوليـة التـي أكـدت فـي توصـياتها علـى تسـبيب قـرار
التوقيف، المـؤتمر الـدولي السـادس لقـانون العقوبـات المنعقـد فـي رومـا عـام 1953 إذ قـرر ” لا يجـوز حـبس شـخص
بغيــر أمــر مســبب مــن القاضــي المخــتص”، مشــار اليــه لــدى: حســن بشــيت خــوين، “ضــمانات المــتهم فــي الــدعوى
الجنائية”، المرجع السابق، ص142 في الهامش. علما بأن توصيات وقرارات المؤتمرات الدولية لا تكون ملزمـة مـا لـم
يقبلها المشرع العراقي بنص صريح.
انظر المادة (52 (من قانون رعاية الاحداث رقم 76 لسنة 1983) .2(
703) .3 (محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص

( 180 )
ً عمـا تقـدم – مـن

ً لقرينة البراءة، ما تشـترطه بعـض التشـريعات الإجرائيـة – فضـلا

ومما يعد تطبيقا
وجـوب اسـتجواب المـتهم قبـل الامـر بـالتوقيف. وعلـة ذلـك أن الاسـتجواب، يسـمح للمحقـق بتقـدير أدلـة
الاتهام ومدى كفايتها لاصدار الأمر بالتوقيف أو مده، كمـا يسـمح للمـتهم أن يفنـد الأدلـة القائمـة ضـده
P2T ،دون الحاجة لتوقيفه وما يصاحب ذلك مـن نتـائج تنتهـك (4 (ويقنع سلطة التحقيق ببراءته فيخلى سبيلهTP539F2
البراءة التي يتمتع بها، ثم تقرر إخلاء سبيله، وقد عمل بهـذا الشـرط القـانون المصـري، إلا إننـا لا نجـد
ً في القانون العراقي، لذا نأمل من المشرع العراقي بإضافته.
له مثيلا

الفرع الثاني / أثر البراءة في مدة التوقيف
من أبرز قيود التوقيف، والتي تتسق مـع قرينـة بـراءة المـتهم، تقييـده بمـدة معينـة، أي تحديـد مـدة
تـه للمحاكمـة، وامـا بـاطلاق سـراحه. وعلـة هـذا

زمنيـة معينـة ينقضـي بعـدها توقيـف المـتهم، امـا باحال ٕ
التحديد أن التوقيف اجراء اقتضته مصلحة التحقيـق، ومـن ثـم كانـت لـه بطبيعتـه صـفة عارضـة مؤقتـة،
فلا وجه لأن يمتد إلى ما يجاوز ما تقتضيه هذه المصلحة، إذ امتداده إلى مـا يجـاوز ذلـك ينـاقض علـة
P2T على الحرية الشخصية للمتهم، وقد أملته الضرورة، لذا يجـب (1 (تشريعهTP540F2

ً
، إذ لما كان التوقيف يمثل قيدا
أن تقـدر هـذه الضـرورة بقـدرها، بمعنـى آخـر إن زالـت الضـرورة التـي دعـت إلـى التوقيـف فـلا بـد مــن
TP541Fانقضائه 2
P2T .فهو أمر تقتضيه طبيعة هذا الإجراء الاستثنائي الذي يتخذ في مواجهـة مـتهم، يفتـرض أنـه (2(
برئ في نظر القانون، الأمر الذي يقتضي عـدم اللجـوء إلـى هـذا الإجـراء إلا عنـد الضـرورة ولأقصـر مـدة

ً وعقوبة تو
ً تعسفيا

P2T) .3 (ممكنة، وا 2 قع على شخص لم تثبت إدانته بحكم قضائيTP542F ٕ لا كان التوقيف اجراء
بالإضافة إلى ذلك، يهدف تحديـد المـدد القصـوى للتوقيـف إلـى تحفيـز سـلطة التحقيـق للاسـراع فـي
ً عـن كـون التوقيـف اجـراء

انجازه، كي لا تجد نفسها تجريه وقد تجـردت مـن إحـدى وسـائلها فيـه، فضـلا
ً ينطوي على سلب للحرية، لا يستند إلى حكم قضائي، ومن ثـم لابـد مـن حصـره فـي نطـاق زمنـي
بغيضا
TP543F2ضيق) 4) .P2T

(4 (محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص728.
محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص705) .1(
حسن صادق المرصفاوي، “الحبس الاحتياطي”، المرجع السابق، ص212) .2(
775) .3 (احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص
(4 (انظر في ذلك: حسن بشيت خوين، المرجع السابق، ص140.

( 181 )
كما قد يحدث التوقيف صدمة نفسية لدى المتهم، وهو مجال لإساءة الاستعمال، فقد يلجأ المحقـق
اليـه، للضـغط علـى ارادة المـتهم والحصـول علـى اعترافـه، بـل أن لاسـتمرار التوقيـف تـأثير سـيء علـى
استعمال القاضي لسلطته في تقدير العقوبة، إذ يميل إلى جعل العقوبة التي يحكم بها متناسبة مع مـدة
TP54F2التوقيف) 5) .P2T
2 وقـد أكـد هـذا المعنـى المـؤتمر الـدولي السـادس لقـانون العقوبـاتTP54F

P2T ،عنـدما قـرر “إن التوقيـف مـن (6(
،ً
الموضوعات الهامة التي تتسم بالدقة، ويفترض في المتهم عند اتخاذه البراءة، حتى يحكم عليه نهائيا
ً، ولكن يجب النظر اليه على انـه اسـتثناء، مـن مقتضـاه وجـوب عـدم تـأخير

والتوقيف قد يكون ضروريا
2 تقديم المتهم للمحكمةTP546F
(7) .P2T

واسـتنادا د ً إلـى ذلـك، ذهبـت التشـريعات المقارنـة إلـى تأقيـت التوقيـف، إلا إنهـا اختلفـت فـي تحديـ
2 أسلوب هذا التأقيتTP547F

P2T أقصـى لمـدة التوقيـف، (1(

ً
: فمنها من يتبع نظام التجديد الـدوري، حيـث لا تضـع حـدا

ولكنها لا تسمح بانجازه إلا لمدة محدودة قابلة للتجديد. ومنها من يضع حدا لجـنح ً أقصى للتوقيف في ا
ً أقصـى للتوقيـف دون تفرقـة بـين الجنايـات والجـنح، وهـو

دون الجنايات، ومن التشريعات من يضع حدا
الاتجاه الأمثل، لأنه يحدد مركز المتهم ويراعى فيها قرينة البراءة، فلا يبقى في التوقيف مدة طويلة، لا
يعرف متى ستنتهي، بل يكون على علم بأنه بعد مدة معينة، مهما طال أمدها لا محالة سوف يبت فـي

TP548F َ◌2
ً
P2T) .2 (مصيره، فإما أن يخلى سبيله، أو يقدم للمحاكمة فيقضى بإدانته أو ببراءته نهائيا
ٕذا اقتضـى التمديـد

وقـد وضـع القـانون العراقـي حـدا فينبغـي ألا ً أقصـى للتوقيـف هـو سـتة أشـهر، وا
2 يتجاوز ربع الحد الاقصى للعقوبةTP549F

P2T ، لاسيما إن كان الاتهام يتعلـق (3(

ً
. ونعتقد بأن هذه المدة طويلة نسبيا

بإحدى جـرائم الجـنح. ونقتـرح وضـع حـد وز ٍ أقصـى للجـنح لا يتجـاوز الشـهرين، وآخـر للجنايـات لا يتجـا
الستة أشهر، في محاولة لتوازن الاجراء مع ما يتمتع به المتهم من براءة مفترضة.

701 في الهامش. (5 (انظر في ذلك: محمود نجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
(6 (والذي انعقد في روما عام 1953 .
(7 (محمود محمود مصطفى، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص310 في الهامش.
263) .1 (احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
94) .2 (انظر في ذلك: حسن صادق المرصفاوي، “الحبس الاحتياطي”، المرجع السابق، ص
انظر نص المادة (109/ج) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (3(

( 182 )

الفرع الثالث / أثر البراءة في تنفيذ التوقيف

ً لمبـدأ البـراءة – فـي فكـرة أساسـية

تجتمـع الضـمانات التـي تقررهـا التشـريعات للموقـوف – وتطبيقـا

ً ولـيس عقوبـة

مؤداها أن التوقيف اجراء ، ومـن ثـم يجـب أن يحـاط تنفيـذه بالضـمانات التـي تكفـل ً تحقيقا
تفادي أن ينفذ كما تنفذ العقوبة.
إذ يجــب عــزل الموقــوف عــن المــدان، بــأن يقــيم فــي أمــاكن منفصــلة عــن أمــاكن غيــرهم مــن
ً، فيجـوز لـه أن
ً بريئـا
المسجونين، كما يتعين معاملة الموقوف معاملة خاصة تتناسب مـع كونـه شخصـا
يحتفظ بملابسه الخاصة، وأن يستحضر غذاءه من خارج السجن، بـل والتصـريح لـه بالاقامـة فـي غرفـة
2 مؤثثة نظير مبلغ معين يدفعهTP50F
(1) .P2T

ً علـى قرينـة بـراءة المـتهم، تسـمح أغلـب التشـريعات بنظـام الإفـراج المؤقـت عـن المـتهم
وتأسيسـا
ً ال ،
موقـوف، إذ أجـازت للمـتهم أو وكيلـه أن يتقـدم بطلـب إلـى السـلطات المختصـة لاطـلاق سـراحه مؤقتـا
وعلـى وفـق شـروط معينـة ولقـاء تعهـد مقـرون بكفالـة أو بـدونها، قبـل انتهـاء مـدة التوقيـف، أو عنـد
P2T) .2 (انتهائها مع عدم وجود مسوغ لتمديد التوقيفTP51F2
فالتوقيف بطبيعته اجـراء مؤقـت، اقتضـته اعتبـارات تتصـل بمصـلحة التحقيـق، فـإذا زالـت أو تغيـرت
هذه الاعتبارات، وثبت أن مصلحة التحقيق لم تعد تقتضيه، فإنه يتعين انهاءه، إذ قد زالـت علتـه، حيـث
ً ما تقرر السلطات المختصة ذلك، متى رأت أن اطـلاق سـراح المـتهم لا يـؤثر علـى سـير التحقيـق،
غالبا
ولا يؤدي إلى هروب المتهم، أو لم يعد هناك مبرر لاستمرار التوقيف، أو ان الجريمة ليست على درجـة
2 من الخطورة أو ان أدلتها ليست بدرجة من القوة والكفاية ما يحتمل معها الحكم على المتهمTP52F
(3) .P2T
ويستمد نظام الإفراج المؤقت أهميته من كونـه يحقـق التـوازن بـين قرينـة البـراءة واجـراء التوقيـف،
أي بين حق المتهم في الاحتفاظ بحريته وبين حق المجتمـع فـي احتجـازه بحراسـة السـجن، لكـي لا يجـد
الفرصـة لتشـويه الأدلـة أو للهـرب مـن وجـه العدالـة. ولا شـك أن ذلـك يتطلـب الموازنـة بـين اتخـاذ قـرار

انظر في ذلك: محمد محي الدين عوض، “حقوق الإنسان والإجراءات المنيعـة وا – دراسـة مقارنـة فـي ٕجـراءات التحـري (1 (
القانون السوداني”، من بحوث المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي، بعنوان “حماية حقـوق الإنسـان فـي
الإجراءات الجنائية في مصر وفرنسا والولايـات المتحـدة، المعهـد الـدولي العـالي للعلـوم الجنائيـة، الإسـكندرية، 1989 ،
ص120.
انظر في ذلك: رمسيس بهنام، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص211) .2(
انظر في ذلك: سعيد حسب االله عبداالله، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، المرجع السابق، ص230) .3(
– حسن بشيت خوين، المرجع السابق، ص147 .

( 183 )
الإفراج عن المـتهم، وبـين قـرار توقيفـه، وهـذه الموازنـة تعتمـد إلـى حـد كبيـر، علـى تقـدير سـلوك المـتهم
2 ، وعلى خطورة الجريمة المسندة اليهTP53F
ً
مستقبلا) 4) .P2T

ً لسلطة التحقيق باعتبارهـا الأقـدر علـى معرفـة مـا إذا

إذ الأصل في الإفراج المؤقت أن يكون جوازيا
كانت مصلحة التحقيق تستلزم استمرار توقيف المتهم مـن عدمـه، إلا أن القـانون فـي بعـض الحـالات –
واستنادا اءة المفترضـة فـي المـتهم – يقـدر وجـوب إطـلاق سـراح المـتهم بـالإفراج المؤقـت عنـه، ً إلى البر
2 دون توقف على مشيئة سلطة التحقيق وهو ما يعرف بالإفراج الوجوبيTP54F
(5) .P2T

وقد أخذ القانون العراقي بنظام الإفراج المؤقت عن المتهم الموقوف، فجعل الأصل فيه، اتخاذه مـن
ً بصورة عامة، وخص الجريمة المعاقب عليها بالحبس مـدة ثـلاث سـنوات أو

قبل قاضي التحقيق جوازيا
أقـل أو بالغرامـة بـالإفراج الوجـوبي، إلا أنـه يبـدو، قـد منـع الإفـراج المؤقـت عـن المـتهم بجريمـة معاقـب
P2T مـع مبـدأ افتـراض بـراءة المـتهم، ولـذلك فقـد (1 (عليها بالإعدامTP5F2

ً
. ولاشك أن الاتجاه الأخير يتعارض تمامـا

أحسـن المشـرع السـوري عنـدما أجـاز الإفـراج المؤقـت عـن المـتهم فـي الجـرائم كافـة، وكـذلك الشـأن فـي
2 القانون المصريTP56F
(2) .P2T

كما يكون للمتهم الموقوف فـي بعـض التشـريعات حـق الاتصـال بمحاميـه، واشـعاره بـأمر التوقيـف،
ً لعـدم صـدور حكــم

ويفسـر هـذا الحـق، بأنـه أمـر يتفـق ومقتضـيات العدالـة، إذ ان المـتهم لا زال بريئـا
بادانته، فكيف يـتمكن مـن إثبـات براءتـه إذا كـان فـي عزلـة عمـن يسـاعده فـي فهـم حقوقـه ويسـاهم فـي
الدفاع عنه؟ ومن ثم فإنه لا يجوز أيضا ضبط الأوراق والمستندات التي يسـلمها المـتهم إلـى المحـامي،
P2T) .3 (وكذلك المراسلات المتبادلة بينهما، ويؤكد البعض أن ذلك كله من آثار تطب 2 يق قرينة البراءةTP57F
وا ق المـتهم، ٕذا كـان تسـبيب التوقيـف، يمنـع سـلطات التحقيـق مـن اتخـاذه وسـيلة تعسـفية فـي حـ
ٕ تستخدمها وقتما تشاء – مما يعد ضمانة هامة من ضـمانات تطبيـق قرينـة البـراءة – ذا كـان القـانون

وا

قد منع الطعـن علـى انفـراد فـي القـرارات الصـادرة فـي مسـائل الاختصـاص والقـرارات الإعداديـة والإداريـة،
P2T؛ فإن حق المتهم في الطعن بقرار التوقيف أو تمديـده، يعـد مـن (4 (وأي قرار آخر غير فاصل في الدعوىTP58F2

(4 (انظر في ذلك: احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص808.
737) .5 (محمد زكي ابو عامر، “الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
انظر نص المادتين (109/أ،ب ) (110/أ ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (1(
انظــر المادتــان (117/1 (مــن قــانون أصــول المحاكمــات الجزائيــة الســوري، (134 (مــن قــانون الإجــراءات الجنائيــة (2(
المصري.
انظر المادة (84 (من نظام الإجراءات الجزائية السعودي. (3(
والمادة (139/1 (من قانون الإجراءات الجنائية المصري.
للتفصيل أنظر: نايف بن محمد السلطان، المرجع السابق، ص80.
(4 (انظر نص المادة (249/ج) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي.

( 184 )
الضمانات الأخرى الناتجة عن أعمال هذه القرينة، لذلك استثنى المشرع العراقي قرارات التوقيف واطلاق
2 السراح بكفالـة أو بـدونها مـن حظـر الطعـنTP59F

P2T .إذ تجيـز أغلـب التشـريعات حـق المـتهم فـي الطعـن بقـرار (5(
التوقيف أو تمديـده أو طلـب الإفـراج المؤقـت، إذا مـا اعتقـد بعـدم مشـروعية أو صـحة هـذا التوقيـف فـي
حقه، وقد نظم القانون العراقي هذا الحق بالشكل الآتي:-

ً مـن المحقـق، فيكـون الطعـن فيـه أمـام قاضـي التحقيـق الـذي

(أ) إذا كان أمر التوقيف صادرا
يخضع له ذلك المحقق.

ً من قاضي التحقيق، فيكون الطعن فيه أمام محكمة الجنايات

(ب) إذا كان أمر التوقيف صادرا
التـي يجـري التحقيـق ضـمن منطقـة اختصاصـها، وذلـك بصـفتها التمييزيـة ويكـون قرارهـا
ً
TP560Fباتا 2
(1) .P2T
ً عمـا تقـدم فـإن المشـرع العراقـي، مـنح الحـق للمـتهم بـأن يتقـدم لمحكمـة التمييـز

(ج) فضـلا
بالطلــب لتــدقيق القــرارات – بمــا فــي ذلــك قــرار التوقيــف – التــي صــدرت فــي الــدعوى
TP561F2الجزائية) 2) .P2T

انظر: حسن بشيت خوين، المرجع السابق، ص143-144) .5 (
انظر المادة (265/أ،د ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (1(
انظر المادة (264/أ) من قانون أصول المحاكمات الجز ائية. (2(

( 185 )

المبحث السادس

“البراءة” في التحقيق الجنائي في الشريعة الإسلامية

– تمهيد وتقسيم:
كفل الإسلام الحرية لكل فرد، شريطة ألا يمس حقـوق الآخـرين، أو يعتـدي علـى مسـتلزمات النظـام
العـام، وأعلـن للعـالم كلـه مبـدأ احتـرام الإنسـان، وتكـريم البشـرية فـي قولـه تعـالى ( ولقـد كرمنـا بنـي آدم
P2T) .1 (وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلن 2TP 562F ِ ّ اهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )
ً مـن أي تسـلط أو اسـتعباد ومـا كـان الإسـلام إلا لحمايـة

وان االله سبحانه وتعالى خلق النـاس أحـرارا
حرية الإنسان وتحريره من العبودية وتخليصـه مـن الـوهم والخرافـة وتأليـه الأشـخاص، ولـيس عليـه مـن
خضوع إلا الله سبحانه وتعالى، بل إن ما فرضه المولى عز وجل من تكـاليف شـرعية إنمـا هـي لمصـلحة
العباد أنفسهم، فهو – سبحانه- غنى عنهم لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.
ولعـل مبـدأ “البـراءة الأصـلية” الـذي أرسـى قواعـده الفقـه الإسـلامي، هـو الـدليل الأبـرز علـى مـدى
محافظـة الشـريعة الإسـلامية علـى حقـوق الإنسـان، وآدميتـه وكرامتـه وحريتـه. حيـث للإنسـان، مكانـه
عظيمة في الإسلام، لم لا وهو خليفة االله في الأرض، لذا فقد كرمه سبحانه وتعالى مع التأكيـد إن لهـذا
ً الإنسان أخطاءه للنيل من كرامته وحريته، فقد قال عز وجـل (

، ومع ذلك فإن هذه الأخطاء ليست مبررا

سورة الاسراء، الآية (70) .(1 (

( 186 )
ٕ ٌ ذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفـة، قـالوا أتجعـل فيهـا مـن يفسـد فيهـا، ويسـفك الـدماء،
وا
2TP ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون ) 563F
(2) .P2T

ٕن كان ذلـك لا يمنـع الحـد

لذلك فإن اتهام شخص بجريمة ليس مدعاة إلى الاعتداء على كرامته، وا

ً، بهـدف تمحـيص الاتهـام الموجـه ضـده، فـإذا كـان

من بعض الحقوق التي يتمتع بها أو تعطيلهـا مؤقتـا
الإسلام قد اعترف للإنسان بالعديد من الحقوق والحريات، منهـا حقـه فـي الحيـاة وسـلامة جسـده ونقـاء
عرضـه وصـيانة شـرفه وحريتـه الشخصـية، وجعـل لمسـكنه ولحياتـه الخاصـة حرمـة، فـلا يجـوز دخـول
مسكنه، أو النظر فيه إلا بإذنه، ولا يجوز التنصت على أحاديثه إلا بإذنه؛ غير انه – أي الإسلام – لـم
ٕنمـا أبـاح تقييـدها أو الحـد منهـا، إذا كـان ثمـة ضـرورة تـدعو إلـى

ً وحريـات مطلقـة، وا

يجعل منها حقوقـا
ذلك، إنما في إطار المحافظة على آدمية الإنسان وكرامته واحترام براءته مهما حامت حوله الظنون.
ً اتخاذ بعـض الإجـراءات الجبريـة ضـد المـتهم، كسـؤاله واسـتجوابه

ولهذا يجوز لسلطة التحقيق مثلا
وتوقيفه، ولكن هل يجوز لها تعذيب المـتهم أو ضـربه، وبصـيغة أخـرى هـل سـمحت الشـريعة الإسـلامية
باسـتخدام الإكـراه المـادي أو المعنـوي ضـد المـتهم فـي إطـار القضـاء الجنـائي، كمـا سـمحت بـه بعـض
ً التشريعات السابقة أو اللاحق في هذا الزمان؟.

ة على الإسلام، بل وأحيانا

على هدى ما تقـدم نتنـاول “البـراءة فـي التحقيـق الجنـائي فـي الشـريعة الإسـلامية” مـن خـلال أبـرز
المظاهر التي كفلت حقوق وحريات المتهم أثناء التحقيق الجنائي فـي القضـاء الإسـلامي. وعلـى الوجـه
الآتي:-
المطلب الأول / كفالة المساواة بين الاتهام والمتهم.
المطلب الثاني / كفالة حق المتهم في سلامة جسده.
المطلب الثالث / كفالة حق المتهم في حرية الكلام
المطلب الرابع / كفالة حرمة المتهم ومسكنه
المطلب الخامس / حق المتهم في عدم توقيفه

سورة البقرة، الآية رقم (30) .(2 (

ً، مما يعرضه للخطأ والزلل، قال تعالى فـي سـورة الاحـزاب الآيـة رقـم (72 (
ً ثقيلا
ً عن كون الإنسان قد حمل حملا
فضلا
(إنـا عرضـنا الامانـة علـى السـموات والارض والجبـال، فـأبين أن يحملنهـا، وأشـفقن منهـا، وحملهـا الإنسـان إنـه كـان
.(ً
ً جهولا
ظلوما
وفي تفسيرها ان االله سبحانه وتعالى عرض الامانة على الجبـال والسـموات والارض، فرفضـوا حملهـا، وعنـدما عرضـها
ٕن أسأت عوقبت، فحملها آدم على الـرغم مـن ضـعفه وجهلـه

على آدم قال: يارب وما فيها، قال: ان احسنت جزيت، وا
وظلمه، ويقصد بالامانة، التكليف وقبول الاوامر والنواهي بشروطها، فإن قام بها الإنسان أثيب، وان تركها عوقب.
انظر في تفصيل ذلك: الحافظ عماد الدين بن كثير، مختصر تفسير ابن كثير، م3 ،المرجع السابق، ص117.

( 187 )

المطلب الأول
كفالة المساواة بين الاتهام والمتهم

العدالة في الإسلام، عدالة مطلقة، فلا تخصيص لطائفة دون أخـرى، لأن العـدل نظـام االله وشـرعه،
والنـاس عبـاده وخلقـه يسـتوون مسـلمهم وغيـر مسـلمهم، غنـيهم وفقيـرهم، كبيـرهم وصـغيرهم، رجـالهم
P2T .إذ ألغى الإسلام أنواع التفرقة غير الطبيعية بين النـاس جميعهـا وسـوى (1 (ونساؤهم أمام عدله وحكمهTP564F2
ً
بينهم في القيمـة الإنسـانية وفـي الحقـوق والواجبـات وقـد أحـدث هـذا المبـدأ ثـورة اجتماعيـة كبيـرة نظـرا
2 لانبثاقه من مبدأ التوحيد ذاته، وكان من نتائجه المهمة إلغاء نظام الطبقاتTP56F

P2T لقوله سبحانه (1(
ً
. مصداقا

2 وتعالى ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة )TP56F

P2T ،وقوله تعالى (إنما المؤمنون أخـوة (2(

TP567F(2
(3) .P2T
ولقد كفـل الإسـلام الحـق فـي المسـاواة أمـام القـانون، إذ تنطبـق الشـريعة الإسـلامية علـى المكلفـين
كلهم، ولا يعفى أحد من تبعات أعماله مهما كانت مكانته الدينية أو الاجتماعية أو السياسية، فلا فرق
2TP وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند االله اتقاكم ) 569F P2T ،كما قال تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم (4 (بين إنسان وآخر إلا بتقوى االلهTP568F2
ً
شعوبا) 5) .P2T

ً عمـا
والمساواة بين الخصوم من الأصول الهامـة فـي الشـريعة الإسـلامية، ويسـتدل عليهـا – فضـلا
سبق – بالعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.
انظر في ذلك: (1 (
البشرى محمد الشوربجي، “حقـوق الإنسـان أمـام القضـاء فـي الإسـلام”، مـن بحـوث ( حقـوق الإنسـان)، م3 ،إعـداد
محمود شريف بسيوني وآخرين، دار العلم للملايين، بيروت، 1989 ،ص85.
رشيد التليلي، “المسـاواة والحريـة فـي الإسـلام ودورهـا فـي تحقيـق العدالـة للمتهمـين”، مـن بحـوث المـتهم وحقوقـه فـي (1(
الشـريعة الإسـلامية، ج1 ،أبحـاث النـدوة العلميـة الأولـى – الخطـة الامنيـة الوقائيـة العربيـة الأولـى، المركـز العربـي
للدراسات الامنية والتدريب، الرياض، 1986 ،ص143.
سورة النساء، من الآية رقم (1) (2(
سورة الحجرات، من الآية رقم (10) (3(
قال الرسول () (كلكم بنوا آدم وآدم خلق من تراب ) وقولـه عليـه السـلام ( لا فـرق بـين عربـي وأعجمـي إلا بـالتقوى (4(
.(
مشـار اليهمـا لـدى محمـود شـريف بسـيوني، مصـادر الشـريعة الإسـلامية وحمايـة حقـوق الإنسـان فـي إطـار العدالـة
الجنائية في الإسلام، المرجع السابق، ص98.
سورة الحجرات، الآية رقم (13) .(5(

( 188 )
قال عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قـوامين بالقسـط شـهداء الله ولـو علـى أنفسـكم أو الوالـدين
ً أو فقيرا عرضوا، فـإن ً، فاالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وان تلوا أو ت

والأقربين أن يكن غنيا
P2T) .6 (االله كان بما تعملون خبيرا TP570F2(ً
وفي التفسير يقول العلماء بأن هذه الآية تعني أقيموا العدل وأشهدوا بالحق ولا تحـابوا القريـب لكـم
2 أو الغني منكم ولا تعطفوا علـى الفقيـر، عنـد إقامـة الحـقTP571F

P2T .بـل وشـدد سـبحانه وتعـالى علـى المسـاواة (7(
والعدل وان كان الخصم من غير المسلمين في قولـه عـز وجـل ( يـا أيهـا الـذين آمنـوا كونـوا قـوامين الله
شـهداء بالقسـط ولا يجـرمنكم شـنئآن قـوم علـى ألا تعـدلوا، أعـدلوا هـو أقـرب للتقـوى، واتقـوا االله إن االله
572F 2TP( تعملون بما خبير) 1) .P2T

ً في الأحاديـث النبويـة الشـريفة،

وقد انعكست تلك المساواة في القضاء الإسلامي، ويظهر ذلك جليا

ً، فقلـت يـا

فعن علي بن أبي طالب – كرم االله وجهـه – قـال: بعثنـي رسـول االله ( ( إلـى الـيمن قاضـيا
رسـول االله، ترسـلني وأنـا حـديث السـن، و لا علـم لـي بالقضـاء؟ فقـال: “إن االله سـيهدي قلبـك ويثبـت
لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول؛ فإنه

ً، و ما شككت في قضاء بعدTP573F2
P2T) .2 (أحرى أن يتبين لك القضاء”. قال: ما زلت قاضيا
كما روي عن عبداالله بن الزبير –  – قال: “قضى رسـول االله ( (أن الخصـمين يقعـدان بـين
يـدي الحــاكم”، والحـديث دليــل علـى شــرعية وجـوب أن يكــون الخصـمين بــين يـدي الحــاكم علـى وجــه
2 المساواة في مجلس القضاءTP574F
(3) .P2T

ً أهمهـم شـأن المخزوميـة التـي سـرقت، فبعثـوا أسـامة بـن

وروي عن عائشـة –  ) – أن قريشـا
زيد ليكلمه فيها، فقال رسول االله (  🙁 يا أسامة أتشفع في حد من حدود االله، إنما أهلـك الـذين مـن
سورة النساء، الآية رقم (135) .(6 (
انظر في تفصيل هذا المعنى: (7(
مصـحف الحـرمين بتفسـير الامـامين الجلالـين، الإمـام جـلال الـدين المحلـي، الإمـام جـلال الـدين السـيوطي، بتحقيـق
شعبان محمد اسماعيل، مطبقة الشمرلي، القاهرة، 1975 ،ص82.
سورة المائدة، الآية رقم ( 8) .( 1(
أي ان االله سبحانه وتعـالى، أمـر عبـاده المـؤمنين بإقامـة العـدل والشـهادة بـالحق، وألا يحملهـم شـدة بعضـهم للاعـداء
على ترك العـدل فـيهم والاعتـداء علـيهم، لأن إقامـة العـدل والمسـاواة مـع مـن يكرهـونهم أقـرب لتقـوى االله المطلـع علـى
أعمالهم.
انظر: مصحف الحرمين تفسير الجلالين، المرجع السابق، ص88.
ابو داود سليمان بن الاشعث، سنن أبي داود، ج3 ،دار الحديث، القاهرة، 1988 ،ص299-300) .2(
ومشار إليـه لـدى: محمـد بـن الحسـن الحـر العـاملي، “وسـائل الشـيعة إلـى تحصـيل مسـائل الشـريعة”، ج9 ،دار أحيـاء
التراث العربي، بيروت، 1387 هـ، ص158.
سبل السلام شرح بلوغ المرام، محمد بن اسماعيل الصنعاني، ج4 ،مطبعة الحلبي، القاهرة، 1965 ،ص125) .3(

( 189 )
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وا رق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم االله لو ٕذا س
P2T .وقــد ســار علــى هــذا الــنهج مــن المســاواة الخلفــاء (4 (أن فاطمــة بنــت محمــد ســرقت لقطعــت يــدها )2TP 57F
الراشدون جميعهم وغيرهم من الصحابة، وفي ذلك نـذكر قـول عمـر بـن الخطـاب –  – فـي رسـالته
إلى قاضي البصرة أبي موسى الأشعري (وآس بين الناس في مجلسك، وفي وجهـك، وقضـائك، حتـى لا
P2T) .5 (يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك )TP576F2

ً ولـيس بـين

وعليه يمكن القول إن الشريعة الإسلامية كفلـت الحـق فـي المسـاواة بـين البشـر جميعـا
الخصوم أثناء التحقيق الجنائي فحسب، وهي بذلك قد عرفت سبيل الموازنة بين الاتهام والمتهم، وذلك
ما يعد دون أدنى شك إحدى أهم ضمانات الدعوى الجنائيـة التـي تـرتبط وتتفـق مـع الأصـل فـي المـتهم
البراءة.

المطلب الثاني
كفالة حق المتهم في سلامة جسده

ً إخضـاع المـتهم لـبعض الإجـراءات الجبريـة التـي يقتضـيها تحقيـق

إذا كـان مـن المسـموح بـه شـرعا
الدعوى والفصل فيها، فهل يجوز ضربه – أي المتهم – أو تعذيبه، أو تعريضه للإهانة بأية صورة من
الصور؟
2 إن الإسلام هو دين الرحمة، قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعـاملين )TP57F

(1) () الرسـول وقـال، P2T
P2T ،فكيـف يكـون لمثـل تلـك التعـاليم أن تـأمر بالضـرب أو التعـذيب فـي (2 ) (لا تنزع الرحمة إلا من شـقي )TP578F2
إطار التخاصم والقضاء الجنائي. بل يعد البعض إن الاتجاه العـالمي لحظـر التعـذيب جـاء اسـتجابة لمـا
2 ورد من أصول في الشريعة الإسلاميةTP579F

P2T ،وفـي هـذا الصـدد يقـول عـز وجـل ( والـذين يـؤذون المـؤمنين (3(

145) .4 (مشار إليه لدى: رشيد التليلي، “المساواة والحرية في الإسلام”، المرجع السابق، ص
مشار اليها لدى: احمد الغندور، “الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي”، مكتبة الفلاح، الكويت، 1985 ،ص16) .5(
سورة الانبياء، الآية ( 107) .( 1(
رواه ابو داو د وابن حيان في صحيحه والترمذي، “الترغيب والترهيب للمنذري”، ج3 ،ص203) .2(
مشار إليه لدى: احمد سعيد صوان، “افتراض براءة المتهم”، ص80.
401) .3 (انظر بهذا المعنى، المرجع السابق، ص

( 190 )

( ً
ً مبينا
ً وا TP580F2ٕ ثما

P2T .وبالمعنى ذاته يقول الرسـول ( ) ) ( 4 (والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقد احتملوا بهتانا
أن االله تعالى يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا ) وان المقصود بالأذية أو التعذيب هنا،
2 هو ما كان بغير حقTP581F
(5) .P2T

استنادا إلى ذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى استبعاد إقرار المتهم، إذا صدر نتيجة إكـراه بالضـرب أو
2TP ((583F P2T ،مستدلين في مذهبهم إلى قوله تعـالى (( إلا مـن أكـره وقلبـه مطمـئن بالإيمـان (6 (اخذ المال أو بالوعيدTP582F2
P2T .ووجه الدلالة في الآية الكريمة، أن االله لما رفـع الكفـر عمـن لفـظ بـه حـال الإكـراه، وأسـقط عنـه (1(
2 أحكام الكفر، فكذلك يسقط ما دون الكفر مـن بـاب أولـىTP584F
P2T) .3 (أنه قال: (( إن االله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما إستكرهوا عليه ))2TP 58F P2T .كمـا يسـتدلون بمـا روي عـن النبـي ( ) ( 2(
وعلى نهج القرآن والسنة ذهب الخلفاء الراشدين والصحابة في عدم جواز إكراه المـتهم، فقـال عمـر
P2T .لما في (4 (بن الخطاب –  )) : – ليس الرجل أمينا على نفسه، إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته )TP586F2
الضرب والتعذيب مـن إهـدار لحريـة المـتهم وحقوقـه وضـعف ومذلـة لكرامـة الإنسـان لا يمكـن أن تكـون
مقبولة، مما تؤدي إلى نتائج هي الأخرى غير مقبولة ولا صحيحة. وفي هذا الصدد تعوذ الرسول ( 
ً بسـبب
ً بسـبب فقـد المـال، أو ضـعفا

) مـن مظـاهر الضـعف الماديـة والمعنويـة كلهـا، سـواء أكـان ضـعفا
ْ هوان النفس في قوله ( اللهم إني أعوذ ب )
َّم
ْ ْ أو أُظل
ِّم
TP587F2 ْ ك من الفقر والقلة، والذلة، وأعوذ بك أن أَظل
(5) .P2T
ً من “الحاكة”، فأتوا النعمان بـن

ً من “الكلاعين” سرق لهم متاع، فإتهموا أناسا

كما روي: ( أن قوما

ً، ثم أخلى سبيلهم، – بعد أن عجزوا عن تقديم البينة –

بشير – صاحب النبي (  – ( فحبسهم أياما
فــأتوا النعمــان فقــالوا: خليــت ســبيلهم بغيــر ضــرب ولا امتحــان، فقــال النعمــان: مــا شــئتم أن شــئتم أن
سورة الاحزاب، الآية رقم (58) .( 4 (
ورد فـي صـحيح مسـلم علـى شـرح النـووي، الإمـام يحيـى بـن شـرف النـووي، ط2 ،دار احيـاء التـراث العربـي، بيـروت، (5(
1392هـ، ج16 ،ص167.
هلالي عبداللاه أحمد، “النظرية العامة للإثبات الجنائي”، م1 ،المرجع السابق، ص657) .6(
سورة النحل، الآية ( 106) .( 1(
هلالي عبداللاه أحمد، “النظرية العامة للإثبات الجنائي”، م2 ،المرجع السابق، ص986) .2(
مشار إليه لدى المرجع السابق، ذات الصفحة. (3(
مشـار إليـه لـدى: محمـود شـريف بسـيوني، “مصـادر الشـريعة الإسـلامية وحمايـة حقـوق الإنسـان”، المرجـع السـابق، (4(
ص106.
وأيضــا: عثمــان عبــدالملك صــالح، “حــق الامــن فــي الإســلام”، مجلــة الحقــوق، جامعــة الكويــت، س7 ،ع3 ،1983 ،
ص86.
رواه أبي هريرة، مشار إليه لدى، يوسف القرضاوي، دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية، مـن بحـوث (قـراءات (5(
فــي الاقتصــاد الإســلامي)، إعــداد مركــز ابحــاث الاقتصــاد الإســلامي، جامعــة الملــك بــن عبــدالعزيز، جــدة، 1987 ،
ص151.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous post القانون الجنائي الجزء 6: البراءة
Next post القانون الجنائي الجزء 7: البراءة