القانون الجنائي الجزء 6: البراءة

القانون الجنائي الجزء 6: البراءة

أضـربهم فـإن خـرج متـاعكم، فـذاك، وألا أخـذت مـن ظهـوركم مثـل مـا أخـذت مـن ظهـورهم، فقـالوا هـذا
P2T) .6 (حكمك؟ فقال: هذا حكم االله وحكم رسول االله (  2( ( TP58F
بعــد قراءتنــا لتلــك الآيــات القرآنيــة والأحاديــث النبويــة الشــريفة ومــن نهــج نهجهــم مــن الصــحابة
والتــابعين، لا يمكــن قبــول القــول بــأن الشــريعة الإســلامية قــد أباحــت تعــذيب المــتهم أو ضــربه ليقــر
بالجريمة، فهو قول غير دقيق، ولا يقر به جمهور الفقهاء، بل هو رأي ذهبت إليه المالكيـة، وهـو فـي
ً على جرائم الحدود والقصاص والتي يجب أن يتوافر في ثبوتهـا نصـاب

الأحوال جميعها لا ينطبق مطلقا
2 الشهادة الشرعي أو الإقرار السليم الخالي من أي تعذيب أو إكراهTP589F
(1) .P2T

ومـن ثـم لابـد مـن الاعتـراف بـأن الشـريعة الإسـلامية لـم تجـوز قـط تعـذيب المـتهم أو حتـى ضـربه
ً للبـراءة الأصـلية. وبمـا أن هـذه القاعـدة
احتراما لحرية الإنسان وتقـديرا – منـع ً لحقـوق المـتهم وتطبيقـا
الضرب أو التعذيب – هي من ابرز النتائج المفروضة لتطبيق الأصل فـي المـتهم البـراءة، والتـي دفعـت
وحفزت المفكرين في القرن الثامن عشر – أساسا للاعتراف بهذا الأصل، عليه يمكن الجـزم بـأن الفكـر
الإسلامي قد عرف قرينة البراءة، بل وطبقها في القضاء الجنائي الإسلامي.

المطلب الثالث
كفالة حق المتهم في حرية الكلام

يتوارد إلى الذهن في شأن حرية المـتهم وحقـه فـي المعاملـة الحسـنة التـي تـتلاءم مـع مبـدأ البـراءة
الأصـلية، التسـاؤل حـول إمكانيـة السـماح للمـتهم بسـماع أقوالـه مـن قبـل السـلطات المعنيـة بالـدعوى
الجنائيـة فـي النظـام الإجرائـي الإسـلامي، ممـا يسـمح لـه بـدفع التهمـة عـن نفسـه، أو مـا يعـرف بحـق
المتهم في حرية الكلام.
حيث ينشأ الحق في حرية الكلام، في سياق حق المتهم في الدفاع، منـذ اللحظـة التـي يواجـه فيهـا
الشخص بالاتهام، وذلك بقصد دفع الاتهام الموجه إليه، مع بداية الدعوى الجنائية حتـى نهايتهـا وفـي
مشـار إليـه: التهـامي نقـرة، “وسـائل تحقيـق العدالـة للمـتهم فـي الشـريعة الإسـلامية”، بحـث مقـدم إلـى النـدوة العلميـة (6 (
الأولى عن المتهم وحقوقه في الشريعة الإسلامية، ج1 ،المركز العربي للدراسات الامنيـة والتـدريب بالريـاض، 1986 ،
ص91.
جعفر جواد الفضلي، “الأصل براءة المتهم في الشريعة الإسلامية”، بحث مقـدم إلـى النـدوة العلميـة الأولـى عـن المـتهم (1(
وحقوقه في الشريعة الإسلامية، ج1 ،المر كز العربي للدراسات الامنية والتدريب بالرياض، 1986 ،ص197.

( 192 )
P2T .لـذلك كـان مبـدأ حـق المـتهم فـي (2 (الجرائم جميعها، فهو حق أصـيل يجـب ألا يصـادر تحـت أي مسـوغTP590F2
سماع أقوالـه أمـام القضـاء هـو مـن أهـم المبـادئ المقـررة فـي الشـريعة الإسـلامية لتحقيـق العدالـة بـين
الخصوم. ولعل الأصل في ضرورة تمكين المتهم من سماع أقواله قبل الحكم عليه، حديث رسـول االله (
ً، حيـث قـال ( يـا علـي إذا جلـس إليـك

 ( لعلي بن أبي طالب –  – عندما بعثه إلى اليمن قاضـيا
الخصمان، فلا تقضين حتى تس 2TP مع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضـاء)
591F
(3) .P2T
يدل هذا الحديث على انه لا يجوز للقاضي أن يحكم قبل سماع حجة كـل واحـد مـن الخصـمين، أي
ً بالخطـأ يترتـب عليـه الـبطلان، لأن

يجب على القاضـي أن يسـمع دفـاع المـتهم، وألا كـان حكمـه مشـوبا
الرسول (  ( قد نهى عن الحكم قبل سماع أقوال المتهم، والنهي يفيد فساد المنهي عليه، لذلك فـإن
،ً
حضور المتهم لإبداء دفاعه شرط لصحة القضاء، فإذا قضى قبل السماع من المتهم كان حكمه باطلا
P2T) .1 ٍ (فلا يلزم قبوله، بل يتوجب عليه نقضه ويعيده على وجه الصحة أو يعيده قاض آخرTP592F2
ومثــل قــول النبــي عليــه الســلام قــال عمــر بــن الخطــاب –  ) – إذا ســمعت حجــة الآخــر بــان
P2T ،كما روى عن عمر بن عبد العزيز قـال: ( قـال لقمـان إذا جـاءك الرجـل وقـد سـقطت عينـاه (2 (القضاء)TP593F2
2 في يده فلا تحكم له حتى يأتي خصمه )TP594F
(3) .P2T

ً وأقـوى منـه

كما عرف القضاء الإسـلامي نظـام اسـتعانة المـتهم بـالغير ممـن هـو أفصـح منـه لسـانا
حجة، لكي يساعده في الدفاع عن حقوقه، يظهر ذلك مـن قـول المـولى عـز وجـل علـى لسـان كلـيم االله
ً فأخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح

موسى عليه السلام قال: (( قال ربي إني قتلت منهم نفسا

84) .2 (البشرى محمد الشوربجي، “حقوق الإنسان أمام القضاء في الإسلام”، المرجع السابق، ص
سنن أبي داود، ج3 ،المرجع السابق، ص299-300) .3(
وكذلك مشار إليه لدى: محمد بن الحسن الحر العاملي، المرجع السابق، ص158.
انظر في هذا المعنى: (1(
– عبدالفتاح محمد ابو العينين، “القضـاء والإثبـات فـي الفقـه الإسـلامي”، موسـوعة القضـاء والفقـه، ج211 ،القـاهرة،
.1985
– رشيد التليلي، “المساواة والحرية في الإسلام”، المرجع السابق، ص150.
حيث روى عن عمر بن الخطاب –  – أنه قد جاءه رجل قد فقئت عينه، فقال له عمر: تحضر خصـمك، فقـال لـه: (2(
ً، فحضـر خصـمه

يا أمير المؤمنين، أما بك من الغضب إلا ما أرى، فقال له عمر: لعلك قد فقأت عيني خصـمك معـا

ً، فقـال عمـر: إذا سـمعت حجـة الآخـر بـان القضـاء، قـالوا: ولا يعلـم لعمـر مـن ذلـك مخـالف مـن

قـد فقـأت عينـاه معـا
الصحابة.
انظر: سعد حماد القبائلي، “ضمانات حق المتهم في الدفاع”، المرجع السابق، ص63.
مشار إليه لدى: سعد حماد القبائلي، المرجع السابق، ص64) .3(

( 193 )

ً
2 فأرسله معي ردءاTP59F
ً
P2T يصدقني إني أخاف أن يكذبون، قال سنشد عضدك بأخيك..)TP596F2) 4 (مني لسانا
(5) وقوله، P2T
ً أو لا يستطيع أن يملل هـو فليملـل وليـه بالعـدل
ً أو ضعيفا
عز وجل ( فإن كان الذي عليه الحق سفيها
TP597F(2
P2T ظهاره عند عجز صاحبه. (6(

ٕ
فدل ذلك على جواز الاستعانة بالشخص القادر لتبيان الحق وا

ً
ويجد حق الاستعانة بمدافع أساسه الشرعي، في نظـام الوكالـة بالخصـومة، إذ يوكـل الخصـم وكـيلا
لتمثيله بالخصومة. وقد قام الإمام علي بن أبي طالب – كرم االله وجهه – بالتوكيل في الخصـومة عنـه
ً فيها للدفاع عنه، فقـد روي عـن عبـداالله ابـن جعفـر انـه قـال: ( كـان علـي

في القضايا التي يكون طرفا
يكره الخصومة، وكان إذا كانت له خصومة، وكل فيها عقيل ابن أبي طالب فلما كبر، وكلني ).
ومن ثم فإن جمهور فقهاء المسـلمين يتجـه إلـى إجـازة التوكيـل فـي إثبـات الحـدود، لأن الوكالـة مـا
هي إلا نيابة فيما لا تتعين فيه المباشرة، وليس فـي قواعـد الشـرع، مـا يوجـب علـى مـن اتهـم بجـرم أن
ٕ يتولى مهمة الدفاع بنفسه، إنمـا هـو حـق لـه، إن ن شـاء يوكـل فيـه غيـره، لأن

شـاء يباشـره بنفسـه، وا

المخاصمة حق خالص للموكل، لذلك أجمع المسلمون على جوازها، بل على استحبابها، لأنها نوع مـن
التعاون على البر والتقوى الذي دعا إليه القرآن الكريم وحببت فيه السنة، وقد شـرعها الإسـلام للحاجـة
إليها، فليس كـل إنسـان قـادر علـى مباشـرة أمـوره بنفسـه، فيحتـاج إلـى توكيـل غيـره ليقـوم بهـا بالنيابـة
TP598F2عنه) 1) .P2T
ومن ثم يمكن القول إن الشريعة الإسلامية الغراء كفلـت حـق الـدفاع بالنسـبة للمـتهم، سـواء باشـره
بنفسـه أو اسـتعان بغيـره، بـل إن الـرأي لـدى جمهـور الفقهـاء يكـاد ينعقـد علـى إن تمكـين المـتهم مـن
ً علـى إن الإخـلال بحـق الـدفاع يعـد إضـلالا

الدفاع عن نفسـه هـو مـن الشـرع لا مـن السياسـة، تأسيسـا

ً للظلـم
بالعدالة ذاتها، وهي غاية القضاء ومحور رسالته، فالدفاع عن المتهم فيه مصلحة للعدالة، رفعا
ً يتمتع بحقه من البراءة

ً للحق، ذلك كله ينطوي على الأساس الجوهري في المتهم، بعده إنساسا
ٕحقاقا
وا
2 الأصلية الراسخة فيه منذ ميلادهTP59F
(2) .P2T

ً. أنظر: تفسير الامامين الجلالين، المرجع السابق، ص326) .4 (
ردءا : معينا
سورة القصص، الآية رقم ( 33 – 34 – 35) .( 5(
سورة البقرة، من الآية (282) .(6(
انظر في تفصيل الوكالة بالخصومة: (1(
– السيد سابق، فقه السنة، م3 ،المرجع السابق، ص226 وما بعدها.
252) .2 (انظر بهذا المعنى: حاتم بكار، “حماية حق المتهم في محاكمة عادلة”، المرجع السابق، ص

( 194 )

المطلب الرابع
كفالة حرمة المتهم ومسكنه

كفلـت الشـريعة الإسـلامية حرمـة المسـكن وحـق الإنسـان فـي حياتـه الخاصـة، فمنعـت تفتيشـه أو
ً معينة على حقوق الغير في مساكنهم ومكنونات أسرارهم، ومـن ذلـك

مسكنه إلا بإذنه، ووضعت أحكاما

ً غيــر بيــوتكم حتــى تستأنســوا

وجــوب الاســتئذان لقولــه تعــالى ( يــا أيهــا الــذين آمنــوا لا تــدخلوا بيوتــا
وتسلمون على أهلها، ذالكم خير لكم لعلكم تـذكرون، فـإن لـم تجـدوا فيهـا أحـد فـلا تـدخلوها حتـى يـؤذن
P2T .وقولـه عـز وجـل (ولـيس (1 (لكم، وا TP60F2ٕ ن قيل لكم أرجعوا، فـارجعوا هـو أزكـى لكـم واالله بمـا تعملـون علـيم )
2 البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر مـن اتقـى، وأتـوا البيـوت مـن أبوابهـا )TP601F

P2T ،وقـول سـبحانه (2(

P2T) .3 (وتعالى ( و لا تجسسوا )TP602F2
ً – ولـو كـان ذلـك لتحقيـق فالإسلام حرم التجسس أو التلصص على منازل الآخرين – ً عامـة

قاعدة

مصـلحة ظـاهره، لأن مـن يفعـل ذلـك ينتهـك عـدة حقـوق أساسـية ثابتـة للإنسـان، منهـا حقـه فـي حفـظ
حرمته ومسكنه، وحقه في حرية شخصـه، بإطلاعـه علـى سـره، ومـن جهـة أخـرى يكـون المتجسـس قـد
P2T) .4 (وا – كمن سرق ليتصدقTP603F2 ٕ استباح وسيلة محرمة للوصول إلى غايته – ن كانت غاية مشروعة
ً للقاعـدة
إذ لا يجوز الاستناد إلى دليل اسـتقي مـن إجـراء باطـل وألا بطـل معـه الحكـم، وذلـك تطبيقـا
P2T .ومـن أمثلـة ذلـك مـا روي أن عمـر بـن الخطـاب() ،(5 (الأصولية أن ما بنـي علـى الباطـل فهـو باطـلTP604F2
ً، فتسـلق
ً فـي بيـت فأرتـاب فـي أن صـاحب الـدار يرتكـب محرمـا

كان يمر ليلـة فـي المدينـة فسـمع صـوتا

ً معينـة لا يجـوز فيهـا الإطـلاع علـى أهـل الـدار حتـى (1(
سورة النور، الاية (27 (و (28 ،(بل وحدد الشارع الحكيم اوقاتـا
على بعض من في الدار، لأنها من الاوقات التي يختل فيها ستر الإنسان نفسه لذلك سميت بـالعورة. وذلـك فـي قولـه
تعالى ( يا ايها الذين آمنوا، ليسـتأذنكم الـذين ملكـت ايمـانكم والـذين لـم يبلغـوا الحلـم مـنكم ثـلاث مـرات مـن قبـل صـلاة
الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم ) سورة النور الآية رقم (58.(
سورة البقرة، من الاية رقم (189) .( 2(
سورة الحجرات، من الآية رقم (12) .( 3(
439) .4 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: رأفت عبـدالفتاح حـلاوة، “الإثبـات الجنـائي قواعـده وأدلتـه”، دراسـة مقارنـة بالشـريعة الإسـلامية، (5(
دار النهضة العربية، القاهرة، 2003 ،ص109.

( 195 )
ٕ مـرأة ومعهمـا خمـر، فقـال لـه يـا عـدو االله أظننـت إن االله يسـترك،
ً وا
ً الحـائط، ورأى رجـلا

المنزل متسـورا
وأنـت علـى معصـية، وأراد أن يقـيم عليـه الحـد، فقـال لـه الرجـل: لا تتعجـل يـا أميـر المـؤمنين، إن كنـت
عصــيت االله فــي واحــدة، فقــد عصــيته أنــت فــي ثــلاث، قــال االله تعــالى: (( ولا تجسســوا )) وأنــت قــد
تجسست، وقال االله تعالى: (( وآتوا البيـوت مـن أبوابهـا )) وأنـت تسـورت وصـعدت الجـدار ونزلـت منـه،
ً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا علـى أهلهـا )) وأنـت لـم تسـلم،

وقال االله تعالى: (( ولا تدخلوا بيوتا
P2T .ويفهم من ذلك عدم جواز تفتيش بيت المتهم بصورة غير مشروعة، وأنه لا (1 (فخجل عمر وعفى عنهTP605F2
يؤخذ بالدليل ولو كان المتهم في حالة التلبس إذا تبين أن هذا الدليل قد أتى عن طريق غيـر مشـروع،
فإذا كانت الغاية مشروعة وجب أن تكون الوسيلة إليها مشروعة، فالوسيلة تأخذ حكم الغايـة، بـل إنهـا
تهدر القصاص والدية، فعن أبي هريرة عـن النبـي (  ( قـال: (( مـن أطلـع فـي بيـت قـوم بغيـر إذنهـم
P2T) .3 (في النار ))2TP 607F P2T .كما قال عليه السلام: (( من أطلع في كتاب أخيه دون أمره، فإنما أطلع (2 (ففقأوا عينه فلا دية له ))2TP 60F
ومن ثم يمكن القول، أن الشريعة الإسلامية، لـم تسـمح بـإجراء التفتـيش إلا بقيـود وشـروط معينـة،
بما يتفق ومع آدمية وحرية الإنسـان المكفولـة بـالبراءة الأصـلية، أي إن قواعـد القضـاء الإسـلامي، قـد
طبقت نتائج قرينة البراءة المتعلقة بإجراءات التفتيش، قبل تطبيقها في القوانين الوضعية.

المطلب الخامس
كفالة حق المتهم في عدم توقيفه

مشـار إليـه لـدى: منيـب محمـد ربيـع، “ضـمانات الحريـة بـين واقعيـة الإسـلام وفلسـفة الديمقراطيـة”، مكتبـة المعـارف، (1 (
الرياض، 1988 ،ص112.
وكذلك لدى: سمير ناجي، “تاريخ التحقيق ومستحدثات العلم”، من بحوث المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقـانون
الجنـائي حـول حمايـة حقـوق الإنسـان فـي الإجـراءات الجنائيـة فـي مصـر وفرنسـا والولايـات المتحـدة، الإسـكندرية،
.172ص، 1989
البخاري، طبعة الشعب، م3 ،كتاب الديات، ج9 ،ص3) .2 (
مشار إليه لدى: هلالي عبداللاه احمد، النظرية العامة للإثبات الجنائية”، م1 ،المرجع السابق، ص657.
209) .3 (مشار إليه لدى: عبدالمجيد محمد مطلوب، “الأصل براءة المتهم”، المرجع السابق، ص

( 196 )
اختلـف الفقهـاء فـي حـبس المـتهم مـن عدمـه قبـل ثبـوت التهمـة، فـذهب الـبعض إلـى إن الحـبس
2 بالتهمة مشروعTP608F
P2T .فقـد ورد عـن رسـول االله ( ( أنـه حـ فـي تهمـة ثـم (5 (يعرف بالسجن التحفظي ( التوقيـف)2TP 609F P2T ،ومثل ذلك قال ابن قيم الجوزية بجواز الحبس على أن يكون بقصد التحري وهو ما (4(

ً
بس رجـلا

P2T .ألا أن البعض الآخر من الفقه الإسلامي يؤكد بعدم جواز الحبس قبل ثبوت التهمة وهو (1 (خلى سبيلهTP610F2
P2T) 2 (ما ذهب إليه الماوردي والإمام ابن حزمTP61F2

ً
ً أكـره رجـلا
. ومثل ذلك أكد “السرخسي” بقولـه ( لـو أن قاضـيا

ً، لأنه متـردد

بتهديد أو ضرب أو حبس أو قيد حتى يقر على نفسه، بحد أو قصاص، كان الإقرار باطلا
بين الصدق والكذب، وا ن حجة إذا ترجح جانب الصدق على جانب الكذب، والتهديد بالضـرب أو ٕنما يكو
P2T) .3 (الحبس يمنع رجحان جانب الصدق )2TP 612F
إلا أن بعـض الفقــه الإسـلامي يؤكــد إن القضـاء فــي الإســلام، لا يعطـي المــتهم بـراءة مطلقــة مــن
ً ممـا يسـنده، فالاتهـام نفسـه طـرف والبـراءة مـن الاتهـام طـرف آخـر،

الادعاء، ما لم يكـن الاتهـام خاليـا
وكلا الطرفين متساويان في النظر والاعتبـار، وكـل طـرف مـن الطـرفين متـردد فـي اعتبـاره، إذ لـيس فـي
العقل أو في الحس ما يحول دون إمكان ارتكاب الجريمة من المتهم، ولو لـم يكـن فـي الوجـود الـذهني
– في الوقـت ذاتـه – مـا يؤيـد وقوعهـا منـه، كمـا إن البـراءة الأصـلية لا تحـول دون الانتقـال منهـا إلـى
2 الإجرام إلا إذا فقدنا ما يقوي أحد الطرفينTP613F
(4) .P2T
وعلى هذا الأساس لا يخلو المتهم من ثلاثة أحوال:
ً الأول / أما أن يكون معروف بالصلاح والاستقامة والتقوى، وأنه ليس من أهل التهم.

ا

ً الثاني/ بالفجور والإجرام، وأن مثله يقع في الاتهام.
أن يكون معروفا
(5 (الثالث/ أن يكون مجهول الحال لا يعرف باستقامة ولا فجور. P614F
(4 (انظر في ذلك: الإمام علاء الدين الكاساني، “بـدائع الصـنائع فـي ترتيـب الشـرائع”، ج7 ،دار الكتـاب العربـي، بيـروت،
.53ص، 1982
(5 (رشيد التليلي، “المساواة والحرية في الإسلام ودورهما في تحقيق العدالة للمتهمين”، من بحوث الندوة العلميـة الأولـى
حـول المـتهم وحقوقـه فـي الشـريعة الإسـلامية، ج1 ،المركـز العربـي للدراسـات الامنيـة والتـدريب، الريـاض، 1986 ،
ص156.
(1 (سنن النسائي، بشرح الحـافظ جـلال الـدين السـيوطي وحاشـيه الإمـام السـندي، ج8 ،المكتبـة العلميـة، بيـروت، بـدون
تاريخ، ص76.
(2 (رشيد التليلي، “المساواة والحرية في الإسلام”، المرجع السابق، ص156.
(3 (مشار إليه لدى: عبدالستار الكبيسي، “ضمانات المتهم قبل واثناء المحاكمة”، المرجع السابق، ص24.
كما نقل عن القاضي “شريح” انه قال: ( القيد كره والسجن كره والوعيد كره والضرب كره ).
انظر: هلالي عبداللاه احمد، “النظرية العامة للإثبات الجنائي”، م1 ،المرجع السابق، ص658.
(4 (انظر في ذلك: عبداالله سليمان المنيع، “نظرية براءة المتهم حتى تثبت ادانته”، المرجع السابق، ص268 .
(5 (انظر في تفصيل ذلك:

( 197 )
وباختلاف المتهمين تختلف القواعد والإجراءات الجنائية نحوهم، فالأول ترجح فيـه البـراءة الأصـلية
على جانب الاتهام ويؤيد ذلك ما عليه من استقامة وصلاح. ومن ثم لا يجـوز القـبض عليـه أو حبسـه
ولا تناوله بشيء مما يمس كرامته أو حريته. والثـاني يـرجح فيـه جانـب الاتهـام علـى البـراءة الأصـلية،
ٕ جرام، ومن ثم يجوز القـبض عليـه أو حبسـه والتعامـل معـه بشـدة. أمـا

ويؤيد ذلك ما عليه من فجور وا
الثالث يستوي عنده الجانبان، جانب البراءة الأصلية وجانب الا تهام، إلا أن واجب الحيطة والحذر يحـتم
علـى القاضـي تـرجيح جانـب الاتهـام فيمـا يتعلـق بإمكانيـة التحقيـق والقـبض والحـبس، حتـى ينكشـف
TP615Fأمره 2
(1) .P2T
ويبدو مـن هـذا التقسـيم للمتهمـين إن الفقـه الإسـلامي لا يجيـز حـبس المـتهم لمجـرد الاتهـام إليـه،
ً أو
ً أو فاسقا
ٕنما يتعين أن تتوافر ضده إمارات ودلائل قوية تفيد جدية هذا الاتهام، كأن يكون مجهولا
وا
P2T) .2 (بعيدا حاكمة، وبشرط الزمن بحيث لا يتجاوز مدة معلومةTP61F2 ً عن موطن الم
وعليه يمكن القول إن التحقيق الجنـائي فـي الشـريعة الإسـلامية، يعـد التوقيـف إجـراء اسـتثنائي، لا
يجوز اتخاذه إلا على وفق ضمانات وقيود أقرتها الشريعة السمحاء، وبمـا يتوافـق مـع البـراءة الأصـلية
للمتهم.
نخلص من العرض السابق لمبحث البراءة في التحقيق الجنائي في الشريعة الإسـلامية إلـى الإقـرار
بأنــه إذا كــان العصــر الحاضــر قــد عــرف بأنــه عصــر الحريــة والديمقراطيــة، والمحافظــة علــى حقــوق
ً الإنسان، فإن الإسلام قد عرف ذلك كله م مـن الزمـان، فقـد بـدأت الشـريعة

نذ أكثر من أربعة عشر قرنا

ً، فحـوت مـن القواعـد والمبـادئ والأسـس

الإسـلامية الغـراء، بمـا انتهـت إليـه القـوانين الوضـعية حـديثا
القانونية، ما لم يتوصـل إليـه الفقـه الجنـائي الوضـعي إلا فـي العصـر الحـديث. ومـن ذلـك مبـدأ “البـراءة
الأصلية” أو ” الأصل في المتهم البراءة”.

– شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، “الطـرق الحكميـة فـي السياسـة الشـرعية”، تحقيـق محمـد حامـد
الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1953 ،ص101.
(1 (انظر في تفصيل ذلك:
احمـد بـن تيميـة، “مجمـع الفتـاوي”، ج34 ،مكتبـة ابـن تيميـة، ص236 ،مشـار إليـه لـدى: عبـداالله سـليمان المنيـع،
“نظرية براءة المتهم حتى تثبت ادانته”، المرجع السابق، ص277.
(2 (رشيد التليلي، المساواة والحرية في الإسلام، المرجع السابق، ص157.

( 198 )

الفصل الثاني

آثار البراءة في الإثبات الجنائي

( 199 )

الفصل الثاني
آثار البراءة في الإثبات الجنائي

– تمهيد وتقسيم:
الإثبــات هــو إقامــة الــدليل لــدى الســلطات المختصــة بــالإجراءات علــى حقيقــة واقعــة ذات اهميــة
قانونية، وذلك بالطرق التي حددها القانون ووفق القواعد التي أخضعها لها، وعليـه فـإن نطـاق الإثبـات
الجنائي لا يقتصـر علـى اقامـة الـدليل امـام قضـاء الحكـم، بـل يتسـع لإقامتـه امـام سـلطات التحقيـق، بـل
2TP وسلطات التحري وجمع الأدلة 617F
(1) .P2T

ويعـرف الإثبـات فـي المـواد الجنائيـة بأنـه كـل مـا يـؤدي إلـى اظهـار الحقيقـة، أو هـو عمليـة انتـاج
الـدليل، أو هـو مجمـوع الأسـباب المنتجـة لليقـين القضـائي، علـى ان يكـون موضـوع الإثبـات هـو وقـوع
P2T) .2 (الجريمة بوجه عام، ونسبتها إلى المتهم بوجه خاصTP618F2
إذ لا تقتصــر آثــار البــراءة علــى مرحلــة التحقيــق الابتــدائي، كمــا لا تقتصــر علــى حمايــة الحريــة

ً، وعملية الإثبات الجنائي خصوصا

الشخصية للمتهم، إنما تمتد تلك الآثار إلى مرحلة المحاكمة عموما
وقد تكون تلك الآثار هي الأبرز، باعتبار ان ما يترتب على عملية الإثبات وما يستتبعها من تقدير
للأدلة التي يبني عليها القاضي اقتناعـه اليقينـي، هـي الأخطـر مـن حيـث النتيجـة. إذ يترتـب علـى مبـدأ
ٕذا حكم بادانـة المـتهم، ينبغـي أن يبنـي الحكـم

البراءة، وقوع عبء الإثبات بكامله على سلطة الاتهام، وا
على الجزم واليقين، ومن ثم أي شك معقول يساور القاضي الجنائي يتعين أن يفسر لمصلحة المتهم.
على هدى ما تقدم نبحث آثار البراءة في الإثبات الجنائي على الوجه الآتي:
المبحث الأول / مفهوم عبء الإثبات.
المبحث الثاني / أثر البراءة في “اثبات الجريمة”
المبحث الثالث / أثر البراءة في “اثبات طرائق الدفاع”
المبحث الرابع / أثر البراءة في ” الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي “
المبحث الخامس / أثر البراءة في عبء الإثبات في الشريعة الإسلامية
المبحث الأول
مفهوم عبء الإثبات

تعبير إقامة الدليل يشمل التنقيب عنه ثم تقديمه ثم تقديره، لذلك قيل بأن الإثبات هو تنقيب عن الدليل وتقديمه وتقديره. (1 (
انظر: محمود نجيب حسني، “الاختصـاص والاثبـات فـي قـانون الإجـراءات الجنائيـة”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة،
.53ص، 1992
ابو العلا على ابو العلا النمر، “الجديد في الإثبات الجنائي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001 ،ص6) .2 (

( 200 )

– تمهيد :

يقصد بعبء الإثبات تكليف احد المتداعين بإقامة الدليل على صحة مـا يدعيـه. ويرجـع الأسـاس
الفلسفي لهذه القاعدة إلى احترام الوضع الظاهر وبراءة الذمة، أي إلى أصل البـراءة فـي الإنسـان. إذ
يثبت هذا الوضع للإنسان بصفة أصلية أو فعلية أو فرضية، وهو يسود المجتمعات والنظم حتى ولـو
ّه مـن المبـادئ الأساسـية للتنظيمـات

لم تنص عليه التشريعات صراحة، لأنهـا تؤيـده وتسـتند اليـه بعـد
ً القانونية، وعلى هذا فإن كل من يدعي امرا ، عليـه ً ع
ً أو فرضـا
ً أو فعلا
لى خلاف الوضع الثابت أصلا

P2T) .1 (إثبات ما يدعيهTP619F2
هذا المبدأ لا يقتصر على الإثبات الجنائي، انما هو مبدأ يسود الإثبات المدني كـذلك، علـى وفـق
ً بالدفع ). ويـذهب رأي فـي الفقـه إلـى

قاعدة ( البينة على من ادعى، وان المدعى عليه يصبح مدعيا
ان هذه القاعدة عامة، تحدد حسب وجهـة نظـرهم النظريـة العامـة للاثبـات فـي المـواد الجنائيـة، فهـل
وجهـة نظـرهم هـذه مقبولـة التطبيـق فـي الـدعوى الجنائيـة ومـا هـو رأي الفقـه الجنـائي والقضـاء فـي
تطبيق هذه القاعدة المدنية في المجال الجنائي؟
للاجابة عن ذلك نبحث مفهوم عبء الإثبات في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول / عبء الإثبات في المواد المدنية
المطلب الثاني / عبء الإثبات في المواد الجنائية
المطلب الثالث / موقف المشرع العراقي من عبء الإثبات في المواد الجنائية.

المطلب الأول
عبء الإثبات في المواد المدنية

ً لأن
ً، لأنه حمل ثقيل ينوء به مـن يلقـى عليـه، وانمـا كـان التكليـف بالاثبـات امـر ثقـيلا

(1 (ويسمى التكليف بالاثبات عبئا

ً للوسائل التي يتمكن بها من اقناع القاضي بصدق ما يدعيه.

من كلف به قد لا يكون مالكا
انظر في ذلك: هلالي عبداللاه احمد، “النظرية العامة للاثبـات الجنـائي- دراسـة مقارنـة بـين الـنظم الإجرائيـة اللاتينيـة
والانجلو سكسونية والشريعة الإسلامية”، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون تاريخ، م1 ،ص726-727.

( 201 )
ان القاعدة التي تحكم الإثبات في الدعوى المدنية تقرر ان عبء الإثبات يقع على المدعي، وقد
نصت على ذلك مختلف قوانين الإثبات المدنية، ومنهـا قـانون الإثبـات المـدني العراقـي بقولـه (البينـة
2TP على من ادعى واليمين علـى مـن انكـر ) 620F

P2T .باعتبـار ان الأصـل بـراءة ذمـة كـل شـخص، وانهـا غيـر (1(
مشـغولة بحـق الآخـر مهمـا كانـت طبيعـة هـذا الحـق، وان المـدعى هـو مـن يتمسـك بخـلاف الظـاهر
والمنكر هـو مـن يتمسـك بابقـاء الأصـل. فكـل مـن يـدعي خـلاف هـذا الأصـل الثابـت يتوجـب عليـه ان
2TP يثبت عكسه 621F
(2) .P2T
فمن يدعي وجود واقعة ما، يقع عليه وحده عبء إثباتها، وليس على من ينكرها فإذا ادعى احـد
ً الأشخ مـن المـال، ورفـع عليـه الـدعوى لمطالبتـه بـرد هـذا المبلـغ،

ً آخـر مبلغـا

اص انه اقرض شخصـا
فانه يلتزم بإثبات واقعة القرض بعده المدعي، ولا يلتزم المدعي عليه بإثبات عدم صحة هذه الواقعة،
فلـه ان يقتصـر علـى مجـرد الإنكـار. واذا لـم يـنجح المـدعى فـي اثبـات صـحة مـا يدعيـه فإنـه يخسـر
TP62F2دعواه) 3) .P2T
نخلص من ذلك ان عبء الإثبـات فـي القـانون المـدني يقـع علـى عـاتق المـدعى، ولكـن هـل هـذا
امر ثابت؟ يقول بعض فقهاء القانون المـدني ان هـذا المبـدأ عـام التطبيـق، ولكـن الفقهـاء المحـدثين
ً مـن
ٕنمـا هـو ظـاهري فقـط، لأن عـبء الإثبـات ينتقـل دائمـا
ً وا
يقرون اليوم بان هذا المبدأ ليس أصـليا
علـى عـاتق المـدعى إلـى المـدعى عليـه باسـتمرار أثنـاء نظـر الـدعوى، كمـا ان مـا يقـع علـى عـاتق
ً بإثبـات مـا لـم ينـازع المـدعى عليـه فيـه مـن

المـدعى اثباتـه، لـيس ادعاءاتـه كلهـا، فهـو لـيس ملزمـا
الادعاءات، وتنحصر مهمتـه فـي اثبـات تلـك التـي ينـازع فيهـا، وذلـك لأن النـزاع المـدني ينحصـر فـي
P2T) .4 (الادعاءات المقدمة من الطرفين وتكون متعارضةTP623F2

ً قـد يسـلم المـدعى عليـه، بحصـول واقعـة القـرض أو الـدين، ومـع ذلـك يـدفع بالوفـاء
بـل واحيانـا
بالالتزام الملقى على عاتقه، في هذه الحالة يتعين على المدعى عليه ان يثبت واقعـة الوفـاء بـالمبلغ
ً بالدفع، ومن ثم يكلف باثبات صحة هذا الدفع، إلى ذلك اشار

محل القرض، لأنه يصبح حينئذ مدعيا
P2T) .1 (نص قانون الإثبات المدني بقوله (على الدائن اثبات الالتزام وعلى المدين اثبات التخلص منه)2TP 624F

انظر المادة السادسة من قانون الإثبات المدني رقم 107 لسنة 1979) .1 (
انظر المادة السابعة من قانون الإثبات المدني رقم 107 لسنة 1979) .2 (
محمد لبيب شنب، “دروس في نظرية الالتزام”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1974 ،ص12) .3 (
27) .4 (محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الازدواج والوحدة في الجنائي والمدني في السودان”، المرجع السابق، ص
نص المادة الأولى من قانون الإثبات المدني رقم 107 لسنة 1979) .1(

( 202 )
وغنى عن البيان ان المقصود بالمدعى ليس هو رافع الدعوى، وانما هو كل من يتمسك بالواقعـة
المراد اثباتها، سواء كـان المـدعى ام المـدعى عليـه فـي الـدعوى، أي ان عـبء الإثبـات يعـاد توزيعـه
P2T) .2 (بين المدعى والمدعى عليه بحسب الواقعة التي يمكن ان يدعيها أي منهماTP625F2
وهكـذا صـح القـول بـأن مـن يحمـل عـبء الإثبـات هـو المـدعي فـي الـدعوى، والمـدعى عليـه فـي
P2T .ويفسر الفقهاء خضوع الإثبات في المواد المدنية لهذين المبدأين، (3 (الدفع، فكلاهما مدع في دعواهTP62F2
انما هـو انعكـاس للشـكل الاتهـامي للإجـراءات المدنيـة، إذ يكـون دور القاضـي – مـن حيـث المبـدأ –
ً على عاتق مـن

ً على المنطق والإحساس السليم، فيقع عبء الإثبات كاملا
ً◌َ ، معتمدا
ً أو حياديا
سلبيا

ٕ لا خسر دعواه، فـاذا أقـام الـدليل علـى
ً، وا
ً أو ظاهرا
ً أو عرضا
يريد هدم أو تعديل “الوضع القائم” أصلا
دعــواه فــلا يكــون أمــام المــدعى عليــه إلا الاختيــار بــين أمــرين، امــا أن ينكــر الوقــائع المقدمــة مــن
المدعي، أو يدعي بدوره واقعة يترتب عليها انقضاء حق المدعي، وهنا يكون عليه اثبات ما يدعيه،

ً في الدفعTP627F2
P2T) .4 (لأن المدعي عليه ينقلب مدعيا
كما يعفى المدعي من الإثبات إذا كانت هناك قرائن إتفاقية، أي أن عبء الإثبات في هذه الحالة
2 ينتقل إلى الطرف الآخرTP628F

P2T .وبمعنى آخر، يجوز للطرفين – ما لم يوجد نص قانوني يقضي بغير ذلك (5(
– أن يتفقا على جعل عبء الإثبات على عاتق أي منهما، على خلاف ما تقضي به القاعدة العامة،
أي ان للمدعى عليـه ان يحمـل عـبء الإثبـات منـذ البدايـة، وأن يقـدم مـن الأدلـة، مـا يـدحض دعـوى
TP629F2المدعي) 6) .P2T
نخلص مما تقدم إلى ان المدعى هو المكلف بالإثبات، وان المدعى عليه في الـدعوى المدنيـة لا
يكلف بشيء إذا اقتصر علـى مجـرد الإنكـار، امـا إذا دفـع ادعـاء المـدعى بواقعـة معينـة، فإنـه يصـير
ً بهذا الدفع، وحينئذ يتعين عليه ان يثبت صحة هذه الواقعة، كما يجوز للمدعى عليه ان ينزل
مدعيا
عن الحماية المقررة له، وان يحمـل هـو عـبء الإثبـات، لأن قواعـد الإثبـات ليسـت مـن النظـام العـام،
ومن ثم يجوز الاتفاق على مخالفتها، واذا كانت هذه هي المبـادئ السـائدة فـي الإثبـات المـدني، فمـا
مدى اتساقها مع الإثبات الجنائي؟.

المطلب الثاني
عبء الإثبات في المواد الجنائية
جميل الشرقاوي، “الإثبات في المواد المدنية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1976 ،ص23) .2 (
26) .3 (يوسف قاسم، “البراءة الأصلية”، المرجع السابق، ص
34) .4 (محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص
(5 (محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الازدواج والوحدة”، المرجع السابق، ص27.
(6(عبدالرزاق السنهوري،”الوسيط في شرح القانون المدني”،ج2،دار النشر للجامعات المصرية،القاهرة،1956 ،ص87

( 203 )
صحيح أن عملية الإثبات فـي صـورتها المطلقـة، لا تختلـف بـاختلاف نـوع النـزاع أو الحـق، إذ لا
ً علـى عـاتق الطـرف

تعـدو أن تكـون مخاصـمة يعكـف فيهـا كـل طـرف إلـى اثبـات حقيقـة دعـواه ملقيـا
الآخر، ضرورة التصدي لأدلته والعمل على دفعها، ومن ثم تقديم ما يؤيد موقفه ويدعم حقيقة مركزه.
وصحيح أيضا وجود تشابه وقدر مـن التماثـل بـين إجـراءات الرعـويين المدنيـة والجنائيـة، وأن الشـكل
الادعـائي الـذي تتسـم بـه الإجـراءات الجنائيـة فـي بـدايتها، والصـيغة الوجاهيـة للمرافعـات وشـفويتها،
متماثلـة فـي الرعـويين، وأن قاعـدة تحميـل الادعـاء – بصـفة عامـة – عـبء الإثبـات، أصـبحت ذات
P2T ،ذلـك كلـه أدى إلـى ظهـور مـن ينـادي بضـرورة (1 (صـفة تقليديـة، لصـيقة بكـل نظـام اجرائـي ادعـائيTP630F2
توحيـد قواعـد الإثبـات، لعـدم وجـود مـا يبـرر الفصـل، خاصـة فـي نطـاق القـانونين الجنـائي والمـدني،
ً بالدفع”. إذ يـرى

ً إلى القاعدة اللاتينية “البينة على من ادعى، وأن المدعى عليه يصير مدعيا
استنادا
كثير من فقهاء القانون المـدني أن هـذه القاعـدة عامـة، وا – مـن وجهـة نظـرهم – النظريـة ٕنمـا تحـدد
P2T) .2 (العامة للاثبات، التي ينبغي تطبيقها في كل فروع القانونTP631F2

ً الـدعوى المدنيـة، ومـن ثـم يمكـن أن تنطبـق عليهـا تلـك

ولكـن هـل الـدعوى الجنائيـة، تشـبه فعـلا
القواعـد المقـررة لعـبء الإثبـات فـي المـواد المدنيـة، أم أن اصـل البـراءة يعطـي ذاتيـة خاصـة للاثبـات
الجنائي؟
إذا كان الفقه الجنائي، يسلم بوجود عناصر مشتركة بـين الرعـويين المدنيـة والجنائيـة، إلا أنـه لا
ً لوجـود اختلافـات جوهريـة، نظريـة وعمليـة علـى حـد سـواء،

يقر توحيد قواعد المحاكمة بينهمـا، نظـرا
تحـول دون إقـرار القواعـد والإجـراءات ذاتهـا بـين الـدعوى المدنيـة والـدعوى الجنائيـة. لعـل أبـرز تلـك
الاختلافات تتصل بسبب الدعوى، وموضوعها، ومركـز الخصـوم، فالـدعوى الجنائيـة يباشـرها الادعـاء
العام باسم المجتمـع ضـد المـتهم، وسـببها الاخـلال الـذي لحـق بكيـان المجتمـع نتيجـة للفعـل الـذي لا
يتسق مع نظمه وأوضاعه المقررة – أي انتهاك لمصلحة عامة – وموضوعها هو رد الفعل على ذلك
الاخلال ويتمثل في توقيع العقوبة علـى الجـاني. أمـا الـدعوى المدنيـة فيقيمهـا مـن أصـابه ضـرر مـن
الجريمـة قبـل المتسـبب فيـه، لمـا لحقـه ضـرر فـي شخصـه أو مالـه أو شـرفه – أي انتهـاك لمصـلحة
P2T) .1 (خاصة – وتهدف إلى اصلاح الضرر أو التعويضTP632F2
بيد أن التباين الأبرز، والذي يتصل بقواعـد الإثبـات، يبـدو عنـد توضـيح مـا يسـتند اليـه الخصـوم
في كلا الرعويين. فالقاعدة السائدة في المسائل المدنية هي المساواة المطلقة بين طرفي الخصـومة،

235-236) .1 (انظر في هذا المعنى: احمد ضياء الدين محمد خليل، “قواعد الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
729 – 730) .2 (هلالي عبداللاه احمد، “النظرية العامة للاثبات الجنائي”، المرجع السابق، ص
21) .1 (حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص

( 204 )
بمعنـى انهمـا يتقاسـمان عـبء الإثبـات، فيمـا بينهمـا بـذات الوسـائل المرسـومة فـي القـانون، بينمـا

– ً

لأسـباب تكـاد لا تقبـل حصـرا– أن ً التـوازن القـانوني بـين اطـراف الـدعوى الجنائيـة، لا يمكـن قانونـا
P2T) .2 (يكون هو ذات التوازن المسلم به في الدعاوى الاخرىTP63F2
ويمكن تفسير ذلك، بأن المدعى – في الدعوى المدنية – يمارس ادعائه على وفق مبدأين همـا:
ً بالدفع”؛ بينما الادعاء – في الدعوى الجنائية –

“البينة على من ادعى” “والمدعى عليه يصير مدعيا
يمارس اتهامه على وفق مبدأين هما: الأول “قرينة البراءة “، والثاني ” السعي إلـى اظهـار الحقيقـة “

ً لا يضيره تبرئة مدان، بقدر ما يضيره ويؤذي العدالة إدانة بريءTP634F2
ً عادلا
P2T) .3 (ِّ بعده خصما
ومن ثم فـإن تصـور الـبعض، خضـوع الإثبـات فـي المـواد الجنائيـة، لمبـدأي الإثبـات المـدني، هـو
تصور غير صحيح في سنده بالنسبة للمبدأ الأول، وفي مضمونه بالنسبة للمبدأ الثاني.

ً باثبات وقوع الجريمة ومسؤولية

فإذا كان الادعاء العام، في الدعوى الجنائية، هو المكلف قانونا
المتهم عنها، فإن هذا التكليف – وان بدا من حيـث نتيجتـه – وكأنـه تطبيـق بسـيط وخـالص للقاعـدة
المدنية التي تضع عبء الإثبات على عاتق المدعى، إلا أن مرجعه في خصوص المواد الجنائية إلى
2 مبدأ “الأصل في الإنسان البراءة”TP635F

P2T .ومن جهـة أخـرى، لا يبـدو للشـق الثـاني مـن القاعـدة المدنيـة – (4(
ً عند الدفع – أي أثر يذكر في الإثبـات الجنـائي، وذلـك فـي حالـة مـا

والتي تجعل المدعى عليه مدعيا
إذا دفـع المـتهم، بتـوافر سـبب مـن أسـباب الإباحـة كالـدفاع الشـرعي، أو مـانع مـن موانـع المسـؤولية
P2T) .5 (كالإكرا 2 ه، إذ تفرض قرينة براءة المتهم على الادعاء تحمل اثبات ذلك الدفعTP63F
ومـن ثـم ننتهـي إلـى أن مبـدأ “الأصـل فـي الإنسـان البـراءة” هـو وحـده الـذي يحكـم توزيـع عـبء
ً الإثبات في المواد الجنائية، وأن مب من نتائجه.

دأ “البينة على من ادعى” ليس إلا واحدا
المطلب الثالث

موقف المشرع العراقي من عبء الإثبات في “المواد الجنائية”
ً – أن قاعــدة البينــة علــى المــدعي والتــي تحكــم الإثبــات فــي الــدعوى

ً وقضــاء
مــن الســائد فقهــا
المدنية، هي تنطبق من باب أولـى فـي الـدعوى الجزائيـة، بعـِّدها مـن آثـار البـراءة الأصـلية للإنسـان،
ٕسـنادها إليـه وتحملـه مسـؤولية ارتكابهـا. فمـن

فالمتهم بـرئ حتـى يقـدم الـدليل علـى وقـوع الجريمـة وا
انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، “الاثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص36) .2 (
238) .3 (انظر في ذلك: احمد ضياء الدين خليل، المرجع السابق، ص
(4 (انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، “الاثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص38.
(5 (سيأتي تفصيل ذلك في المبحث الثالث ” أثر البراءة في إثبات طرائق الدفاع”.

( 205 )
ً علـى عـاتق

مـؤدى أعمـال قرينـة البـراءة – فيمـا يتعلـق بعـبء الإثبـات – إلقـاء عـبء الإثبـات كـاملا
سلطة الاتهام، فاذا أسند الادعاء العام – أو المدعى المـدني فـي حالـة الادعـاء المباشـر – إلـى أحـد
الأشخاص إرتكاب جريمة معينة، فإنه يتعين عليـه إثبـات وقـوع الجريمـة ونسـبتها إلـى هـذا الشـخص
ً َّ ، امـا هـذا الأخيـر فـلا يكلـف بشـيء، إذ يكفيـه الاقتصـار علـى موقـف سـلبي، بعـد أن
ً ومعنويـا
ماديـا
P2T) .1 (البراءة مفترضة فيه، وهي “أصلا” لا يحتاج إلى إثباتTP637F2
ولمــا فــي الجــزاء الجنــائي مــن خطــورة خاصــة، تجعلــه أشــد جــزاءات القــانون جســامة إذ يهــبط
بالمحكوم عليه عن منزلـة سـواه مـن المـواطنين، ويمـس أثمـن مـا يملـك – سـواء كـان ذلـك حياتـه أو
ً، باعتبـار ان إدانـة بـرئ

حريته أو كرامته وسمعته – ومـن ثـم فـلا يصـح ان يصـيب هـذا الجـزاء بريئـا
P2T) .2 (أنكى على المجتمع وأشد من تبرئة مجرمTP638F2
ومـا دام الامـر كـذلك، فإنـه مـن المتعـين وضـع نظريـة عامـة لإثبـات الجريمـة فـي حـق مقترفهـا،
ً، ومـن يتحمـل عـبء الإثبـات والـى أي مـدى يكـون ذلـك بصـورة

وبيـان أصـول هـذا الإثبـات عمومـا
خاصة، حتى لا يتمخض الاتهام عن ادانة برئ، وكي لا يصيب الجزاء الجنائي المتهم إلا حين يتبين
بصورة يقينية ان الجريمة راجعة بالفعل إلى سلوكه.
– وعلى الرغم من أهميـة وخطـورة مـا تقـدم، فـإن المشـرع العراقـي فـي قـانون أصـول المحاكمـات
ً يـذكر حـول عـبء الإثبـات فـي الـدعوى الجنائيـة، إذ جـاءت نصـوص القـانون

الجزائية، لم يورد شيئا
المـذكور، بـل والمـذكرة الإيضـاحية لـه خاليـة مـن أيـة إشـارة تفيـد تحديـد الطـرف الـذي يتحمـل عـبء
الإثبات في الخصومة الجنائية.

ً علام يعتمد القضاء العراقي في تحميله عـبء الإثبـات علـى عـاتق سـلطة الاتهـام،

ولا ندري فعلا
إذ لا وجود لأي نص يستند اليه القضاء في ذلك. كما لا يفهم من أية مادة في أصول المحاكمـات –
ً – تلك النتيجة. فهل يفهم من ذلك ان المشرع أراد ان يحيل في شأن عبء الإثبات

صراحة أو ضمنا
إلى قانون الإثبات في المواد المدنية والذي نص على انه ( على الدائن إثبات الالتزام، وعلى المـدين
إثبات التخلص منه )، أو ما نص عليه من أن ( البينة على من ادعى واليمين على من أنكر )؟.
الواقع ان نهج المشر ع في هذا الشأن منتقد، لأنه إذا كان تطبيق الفقرة الأولى من كلتا المـادتين
صحيح في المجـال الجنـائي – والتـي تفيـد وقـوع عـبء الإثبـات علـى عـاتق المـدعي، فهـي قاعـدة لا
خلاف عليها بغض النظر عن محل الإثبات – اما تطبيق الفقرة الثانية من المادة الأولى والتي تنص
بأنـه علـى المـدين إثبـات الـتخلص منـه، فـلا يمكـن التسـليم بهـا علـى اطلاقهـا فـي الـدعوى الجنائيـة،
انظر في هذا المعنى: سامي النصراوي، “دراسة في أصول المحاكمات الجزائية”، الجزء الثاني، المرجع السابق، (1 (
ص115.
ً 670) .2 ،” (المرجع السابق، ص

ً وتحليلا
رمسيس بهنام، “الإجراءات الجنائية تأصيلا

( 206 )
والتي تعني بأنه إذا دفع المدعى عليه بأحد الدفوع فعليه يقـع عـبء اثبـات هـذا الـدفع، وتطبيـق هـذه
ً القاعـدة علـى الـدعوى الجنائيـة يقـود إلـى إلـزام المـتهم بإثبـات الـدفوع جميعهـا، التـي قـد يثيرهـا اثب
اتـا
ً، وهو أمر غير صحيح في القضاء الجنائي ويتنافى مع مصلحة المتهم، بل ويتناقض مع حقـه
كاملا
فـي قرينـة البـراءة حتـى صـدور الحكـم البـات بالإدانـة. كمـا ان الفقـرة الثانيـة مـن المـادة السـابعة مـن
2 قانون الإثبات المدني، تطبيقها غير وارد في مجال الإثبات الجنائيTP639F
(1) .P2T

وان كان المشرع قد التزم الصمت في مجال الإثبات، فإنه قد أحـال صـراحة إلـى قـانون المرافعـات
المدنية في مجالات أخرى، من ذلك ما نص عليه من انه ( يجري تبليغ الأشخاص الموجـودين خـارج
ً للإجـراءات المبينـة فـي قـانون المرافعـات

العراق والأشخاص المعنوية بورقة التكليف بالحضور، طبقـا
P2T ،وكــذلك مــا نــص عليــه فــي المــادة 186) 2 (المدنيــة )2TP 640F

ً
/أ ( مــن اعتبــار حجــز امــوال المــتهم، حجــزا
ً، تســـري علـــى وضـــعه والاعتـــراض عليـــه، وادارة الأمـــوال المحجـــوزة بموجبـــه، وللادعـــاء
إحتياطيـــا
باستحقاقها، أحكام قانون المرافعات المدنية، فيمـا لا يتعـارض مـع الاحكـام الخاصـة الـواردة فـي مـواد
الحجز )، وهذا يعني بمفهوم المخالفـة ان المشـرع يعتـرف بأنـه ثمـة خصوصـية للإجـراءات الجنائيـة،
وانه حين تتبع غير تلك الإجراءات في المجال الجنائي لابد من النص عليها. ومادام المشرع لم يشر
إلـى اتبـاع مـا ورد فـي قـانون الإثبـات المـدني فيمـا يتعلـق بعـبء الإثبـات، فـإن ذلـك يعنـي ان قاعـدة
عبء الإثبات في القانون المدني لا تسري بالضرورة في القانون الجنائي.
وقــد يشــير الــبعض إلــى ان تسلســل الإجــراءات الــوارد فــي المــادة (167 (مــن قــانون أصــول
ً إلــى قاعــدة تحميــل عــبء الإثبــات علــى عــاتق الاتهــام حــين قالــت ( تبــدأ

المحاكمــات تفيــد ضــمنا
المحاكمـة بالمنـاداة علـى المـتهم…، وتسـمع المحكمـة شـهادة المشـتكي وأقـوال المـدعى المـدني ثـم
ً إلـى
شـهود الإثبـات….، ثـم تسـمع إفـادة المـتهم… )، ولكننـا نعتقـد بـأن تلـك المـادة لا تشـير مطلقـا
قاعدة عبء الإثبات، بل إلى مجرد تسلسل الإجراءات.
وقد يكون اتجاه المشرع في القانون العراقي – على وفق مـا ورد فـي م (213 ( أصـولية هـو ان


من يحدد عبء الإثبات هو أمر موكول إلى تقدير محكمة الموضوع حصرا
الا انه يمكن القـول ان المشـرع العراقـي قـد اسـتند فـي هـذا الخصـوص إلـى مبـدأ البـراءة الأصـلية
P2T) .1 (الذي تجسد في نص الدستور العراقي بقوله ( المتهم برئ حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونيـة)TP641F2
انظر في هذا المعنى: احمد سعيد صوان، “قرينة البراءة وأهم نتائجها في المجال الجنائي”، المرجع السابق، ص456) .1 (
إذ ان اليمين لا يعد من الأدلة المقبولة في المجال الجنائي، وان كان له قبول في المجال المدني.
انظر: محمد مجيب حسني، “شرح قانون الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص410.
م ( 9 ( من قانون أصول المحاكمات الجزائية. (2 (
المادة ( 20 / أ ) من الدستور العراقي المؤقت لعام 1970) .1 (

( 207 )
ومن ثم العمل بنتائج هذا المبـدأ فـي المجـال الجنـائي، وعلـى وجـه الخصـوص اثـر قرينـة البـراءة فـي
عبء الإثبات، والمسندة إلى سلطة الاتهام متمثلة في الادعاء العام.
ومع ذلك فإننـا نـرى وجـوب ان يتـدخل المشـرع صـراحة بـالنص علـى تحمـل سـلطة الاتهـام لعـبء
اثبات المسؤولية الجنائية للمتهم، بما في ذلـك الـدفوع التـي قـد يـدفع بهـا هـذا الأخيـر، لأن ذلـك ممـا
يتفـق مـع التـوازن العـادل بـين حـق الدولـة فـي العقـاب، وحـق المـتهم بالتمسـك ببراءتـه الأصـلية، ولا
يجب الاحتجاج على ذلك بأن لصمت المشرع هنا ما يبرره، من حيث ان النص المقترح لا يخرج عـن

ً لمبدأ عامTP642F2

P2T .فاذا كان المشرع قـد نـص علـى مبـدأ البـراءة فـي الدسـتور، فيجـب الـنص (2 (كونه تسجيلا
على نتائج اعمال هذا المبدأ، باعتبارها الضمان الوحيد فـي التطبيقـات الجنائيـة، فـي مواجهـة سـلطة
،ً
ً لسلطات التحقيق والمحاكمة. والى ان يتدخل المشرع على النحو المبين سـلفا
ً مهما
الاتهام، وتذكيرا

ً لالتزام سلطة الاتهام بعبء الإثبات في الدعوى الجنائية.
ً راسخا
تبقى قرينة البراءة، سندا
ولكن ما هو مضمون هذا الالتزام؟ وما هي حدوده؟ وهل يقتصر التزام الادعـاء العـام علـى إثبـات
العناصر المكونة للجريمة فقط؟ ام يمتد ليشمل دفوع المتهم أيضا؟ ام يتعين على المتهم إثبات ما قد

ً بالدفع؟.
ً لقاعدة ان المدعى عليه يصير مدعيا

يثيره من دفوع، تطبيقا
للإجابة عن ذلك نبحث أثر البراءة في إثبات الجريمة وأثرها في طرق الدفاع.

المبحث الثاني
أثر البراءة في إثبات الجريمة

– تمهيد وتقسيم

ً
لـم يـورد قـانون العقوبـات العراقـي – شـأنه فـي ذلـك شـأن معظـم التشـريعات الجنائيـة – تعريفـا
للجريمة، فاختلف الفقه في تعريفها، كما اختلـف فـي اركانهـا. إلا أنـه يمكـن تعريـف الجريمـة بانهـا “

” ً

P2T .ومـن ثـم تقـوم الجريمـة (1 (فعل غير مشروع، صادر عن إرادة آثمة، يقرر لـه القـانون جـزاء TP643F2 ً جنائيـا

35) .2 (انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص
3) .1 (جندي عبدالملك، “الموسوعة الجنائية”، الجزء الثالث، المرجع السابق، ص

( 208 )

2 على ثلاثة أركانTP64F

P2T .ركن مادي يتمثل بثلاثة عناصر، فعل أو امتنـاع عنـه، والنتيجـة الإجراميـة التـي (2(
ترتبت على هذا الفعل، وعلاقـة السـببية بـين الفعـل والنتيجـة، وركـن معنـوي قوامـه الإدراك والاختيـار،
وركن شرعي يتحقق بخضوع الفعل لنص يجرمه وعدم خضوعه لسبب يبيحه.
ومن ثم يتركز إثبات الجريمة، على إثبات الاركان الثلاثة لها من ناحية، ومسؤولية المتهم عنها
من ناحية أخرى، استنادا ث “أثر البراءة في إثبات الجريمة” في ثلاثة مطالب: ً إلى ذلك نبح

المطلب الأول / أثر البراءة في إثبات الركن المادي
المطلب الثاني / أثر البراءة في إثبات الركن المعنوي
المطلب الثالث / أثر البراءة في إثبات الركن الشرعي
المطلب الأول
” أثر البراءة في إثبات الركن المادي “

استنادا إلى قرينة براءة المتهم، يتعين على الادعاء العام إثبات الركن المـادي المكـون للجريمـة،
وان يثبت جميع عناصره، سواء كانت هذه العناصر عامة أو خاصة.
عليه نتناول “اثر البراءة في إثبات الركن المادي في فرعين:
الأول / إثبات الركن المادي في عناصره العامة
الثاني / إثبات الركن المادي في عناصره الخاصة.
الفرع الأول / إثبات الركن المادي في عناصره العامة
الركن المـادي للجريمـة هـو مظهرهـا الخـارجي المعبـر عـن الإرادة الآثمـة، وهـو يقـوم فـي صـورته
الغالبـة علـى الفعـل الـذي تنفـذ بـه الجريمـة، والنتيجـة التـي تمثـل إعتـداء علـى الحـق الـذي يحميـه
P2T) .1 (القانون، وعلاقة السببية بينهماTP645F2
وللركن المادي أهمية كبيرة، إذ لا وجود للجريمة دون وجـوده، لأنـه لـن يكـون ثمـة اعتـداء علـى
الحقوق أو المصالح التي يحميها القانون، وهو ضـروري لحمايـة أمـن الافـراد وحريـاتهم، إذ يكفـل ألا
تحاكمهم السـلطات العامـة إلا علـى مـا يصـدر عـنهم مـن سـلوك مـادي محـدد. أي ألا يحـاكم الإنسـان
ذهب الفقه التقليدي إلى أن الجريمة الجنائيـة، تقـوم علـى ركنـين فقـط، همـا الـركن المـادي، والـركن المعنـوي، غيـر أن (2 (
ً لـدى الفقـه الجنـائي الحـديث، إذ يـرى أن الجريمـة، لا تـنهض فحسـب علـى الـركن المـادي

هـذا التحليـل لـم يلـق قبـولا

ً هو الركن الشرعي أو ركن عدم المشروعية.
ً ثالثا
والركن المعنوي، ٕوانما تتطلب أيضا ركنا
انظر في ذلك: يسر أنور علي، “شرح قانون العقوبات”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1983 ،ص225.
فوزية عبدالستار، “شرح قانون العقوبات – القسم العام “، دار النهضة العربية، القاهرة، 1987 ،ص242) .1(

( 209 )
ٕنما يلزم ان تتجسد هذه الأفكار في سلوك مادي له مظهـر

على ما يختلج صدره من أفكار أو نوايا، وا
خارجي يعبر عنها، إذ لا يتصور معاقبة الإنسان على مجرد النوايا الكامنة في نفسه، ولم تخرج إلـى

ً أو تسبب ضررا TP64F2 ً للمصالح التي يحميها القانون
P2T) .2 (حيز الوجود فتؤذي حقا

ً؟ إذ مـن
ولكن هل يجب القيام بهذا الإثبات، حتى ولو كان النشـاط الإجرامـي محـل الإثبـات سـلبيا

ً أيضا.
ً فإنه قد يكون سلبيا

المعروف ان السلوك الإجرامي كما قد يكون ايجابيا

ً مـا كانـت طبيعـة الجريمـة، إذ يتعـين

فعلى سلطة الاتهـام والمـدعى المـدني، إثبـات هـذا الـركن أيـا
علــى الادعــاء العــام إثبــات الــركن المــادي للجريمــة بعناصــره جميعهــا، فعليــه ان يثبــت الفعــل – أو
الامتناع – والنتيجة الجرمية التي حـدثت، كمـا عليـه ان يثبـت الارتبـاط السـببي بـين الفعـل والنتيجـة.
والمـدعى المـدني عليـه فـوق ذلـك اثبـات وجـود الضـرر. ويبـدو ان القـانون الجنـائي يختلـف فـي هـذا
الصدد عن القانون المدني، حيث ان عبء الإثبات في المواد الجنائية يكون اكثر دقة، لأنه لا يكفي
مجرد اثبات ارتكاب فعل ضار، بل يجب اثبات كل العناصر التي تدخل في التعريف القانوني للجريمـة
647F 2TPارتكبت التي) 3) .P2T
فالنشاط الايجابي هو حركة عضوية ارادية، تصـدر عـن الفاعـل، لـذلك علـى الادعـاء العـام اثبـات
ً اثبـات بـأن المـتهم هـو مـن قـام بالضـغط علـى زنـاد المسـدس لاطـلاق

قيامه بهذه الحركة، فعليه مثلا
الرصاصة على المجني عليه، أو هو من قام بدس السـم فـي طعـام المجنـى عليـه فـي جريمـة القتـل،
،ً
وفـي جريمـة السـرقة يجـب اثبـات ان المـتهم قـام بالاسـتيلاء علـى الشـيء المسـروق اسـتيلاء تامـا
P2T) .4 (يخرجه من حيازة صاحبه، ويجعله في قبضة السارق وتحت تصرفهTP648F2
وفـي ذلـك قـررت محكمـة التمييـز العراقيـة انـه يكفـي للاثبـات ان تتأيـد إفـادة المشـتكي بشـاهدين،
أحدهما شاهد المتهم يهرب من محل الحادث وبيده مسدس، والآخر سمع من المجني عليه وهو فـي
P2T .وفـي قـرار آخـر أكـدت ان مجـرد طبعـة (1 (محـل الحـادث ان المـتهم المـذكور اطلـق الرصـاص عليـهTP649F2
أصابع المتهم على زجاج الشـباك المكسـور لا يكفـي لاثبـات السـرقة، مـادام شـهود الـدفاع أيـدوا بأنـه

ً عن كيفية إمكان الدخول منهTP650F2
ً ومتسائلا

P2T) .2 (لمس الزجاج مندهشا

ً على
ً. فمثلا
كذلك الإثبات واجب على الادعاء العام وان كان النشاط الإجرامي محل الإثبات سلبيا
P2T .أو اثبات الامتناع بغير عـذر (3 (الاتهام اثبات إهمال المتهم في جريمة قتل خطأ أو أذى غير عمديTP651F2
(2 (انظر في هذا المعنى: محمود نجيب حسـني، “شـرح قـانون العقوبـات – القسـم العـام”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة،
.271ص، 1989
(3 (هلالي عبداللاه احمد، “النظرية العامة للاثبات الجنائي”، م2 ،المرجع السابق، ص749.
(4 (انظر في ذلك: اكرم نشأت ابراهيم، “القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن”، المرجع السابق، ص169.
(1 (قرار محكمة التمييز رقم 3030 /جنايات/ 72 في 29/5/73 ،النشرة القضائية، ع2 ،س4 ،ص363.
(2 (قرار محكمة التمييز رقم 3088 /جنايات/ 73 في 23/3/74 ،النشرة القضائية، ع1 ،س5 ،ص362.
(3 (انظر:

( 210 )
ً برعايـة
ً أو اتفاقـا
عن إغاثة ملهوف في كارثة أو مجنـي عليـه فـي جريمـة، أو امتنـاع المكلـف قانونـا
P2T .إلا أن بعض الفقهاء يرى ان الادعاء لا يمكنـه اثبـات الوقـائع السـلبية (4 (شخص عاجز 2 ، عن رعايتهTP652F
البحتة، بسبب صعوبة هذا الإثبات، بل يعـده الـبعض مـن الفقـه الجنـائي بانـه ضـرب مـن المسـتحيل،
ومن ثم – يجب على المتهم – في رأيهم – أن يثبت وجود وقـائع ايجابيـة تنفـي هـذا النشـاط السـلبي
ً يمـة التسـول – لنفـي الجريمـة عنـه – اثبـات عـدم P2T يجـب علـى المـتهم فـي جر (5 (محـل الاتهـامTP653F2

. فمـثلا

P2T .بيـد ان هـذا (6 (وجود مورد مشروع يتعيش منه، وبأنه لا يسـتطيع العمـل للحصـول علـى هـذا المـوردTP654F2
الرأي لا يمكن إقراره ومنتقد من غالبية الفقهاء، لأنه مناف لقرينة البراءة، إذ على الاتهـام إثبـات أي
ً، لأنـه
عنصر يتوقف علـى تخلفـه عـدم قيـام الجريمـة، كمـا ان اثبـات الواقعـة السـلبية لـيس مسـتحيلا
يتوقف على اثبات الواقعة الايجابية المضادة، كإثبـات حالـة البطالـة مـع القـدرة علـى العمـل فـي مثـال
TP65F2التسول) 7) .P2T
ويؤيد ذلك الفقيه ( جـارو ) بقولـه ان مسـألة الإيجـاب والسـلب فـي النشـاط الإجرامـي هـي مسـألة
تتعلـق بالشـكل، أكثـر مـن تعلقهـا بالموضـوع، وانـه يكفـي فـي حالـة الجـرائم السـلبية اثبـات الوقـائع
الايجابيـة المضـادة للوقـائع السـلبية، وان تكليـف الاتهـام بعـبء الإثبـات لا يحـد مـن تطبيقـه سـلبية
2 النشاط الإجرامي، بل هو ينطبق على الجرائم الايجابية والسلبية على السواءTP65F
(8) .P P2T

ومـن جهـة أخـرى وممـا يتنـافى مـع اعتبـارات العدالـة ان تكـون صـعوبة اثبـات الواقعـة السـلبية،
مدعاة لنقل عبء الإثبات من على عاتق الاتهام إلى كاهل المتهم، في حين ان الأولى تملـك وسـائل
ً فـإذا كـان الاتهـام يعجـز عـن

بحـث فعالـة ومتنوعـة، والطـرف الآخـر لا يملـك مـن تلـك الوسـائل شـيئا
الإثبات في مثل تلك الوقائع، فهل يكون ذلك للمـتهم؟ ومـن ثـم تكـون النتيجـة المترتبـة علـى ذلـك ان
الحقيقة لم تعد هي هدف الدعوى الجنائيـة، وانمـا تسـهيل مهمـة الاتهـام والقضـاء بغـض النظـر عمـا

ٕجحاف لحق المتهم في قرينة البراءة.

يترتب على ذلك من تعسف في استعمال الحق، وا
ً عـن ذلـك، فـإن التـزام الادعـاء العـام فـي الإثبـات لا يعـود إلـى اع لا لكـان
ٕ فضـلا
تبـارات الملائمـة وا
ً، وانمـا قـد تبـين الآن أن هـذا الالتـزام يعـود فـي الأسـاس إلـى البـراءة الأصـلية التـي يتمتـع بهـا
مقبـولا

Celia Hampton, Criminal Procedure and Evidence, Sweet and Maxwell, London,
1973, P.433.

وانظر المواد 411 ،416 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
(4 (انظر المواد 370 ،371 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
(5 (انظر رأي الفقيه ( جارسون ): ابراهيم عطوف كبة، “عبء الإثبات في المـواد الجنائيـة”، مجلـة الحقـوق، س1 ،ع1 ،
كلية الحقوق، جامعة بغداد، 1941 ،ص47 ،48.
(6 (انظر المادة (390 (من قانون العقوبات العراقي.
(7 (انظر : محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الازدواج والوحدة”، المرجع السابق، ص39.
(8 (انظر : ابراهيم عطوف كبة، “عبء الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص48.

( 211 )
ً. ومن ثم فهو التزام قانوني يجب الوفاء به في الحالات جميعهـا، دون النظـر إلـى
ّه انسانا
المتهم بعد
P2T) .1 (كون السلوك أو التصرف الإجرامي المراد اثبات 2 ه له طبيعة ايجابية ام سلبيةTP657F
لكل ما سبق نؤيد مـا ذهـب اليـه بعـض الفقـه مـن ضـرورة اثبـات سـلطة الادعـاء للسـلوك الإجرامـي
ً، مـا دام أنـه يـدخل فـي البيـان القـانوني
ً ام ايجابيـا
للمـتهم، بغـض النظـر عـن طبيعتـه سـواء كـان سـلبيا
للجريمة، ما لم يكن ثمة نص قانوني يقضي بخلاف ذلك، فلا يجوز في أي حال مـن الأحـوال، الخـروج
ً لقرينة البراءة – بغير نص قانوني يقرر ذلك صـراحة،

على قاعدة حمل الاتهام عبء الإثبات – تطبيقا
ولا يو جـد مثـل ذلـك الـنص الـذي يعفـي الادعـاء العـام مـن عـبء الإثبـات، كلمـا كانـت الواقعـة المطلـوب
P2T) .2 (اثباتها ذات طبيعة سلبيةTP658F2
– كمـا يلتـزم الادعـاء العـام باثبـات الفعـل أو التصـرف الإجرامـي للمـتهم، فإنـه يتعـين عليـه، اثبـات
النتيجة الجرمية التي تحققت نتيجة لهذا السلوك علـى النحـو الـوارد بـنص التجـريم، “والنتيجـة الجرميـة
ً
ً ينـال مصـلحة أو حقـا

هي كل تغيير يحدث في العـالم الخـارجي كـأثر للسـلوك الإجرامـي، فيحقـق عـدوانا
قدر المشرع جدارته بالحمايـة الجنائيـة. ولهـذه النتيجـة مـدلولين أحـدهما مـادي، يتمثـل بـالتغيير النـاتج
ً
عن السلوك الإجرامي في العالم الخارجي، والآخر قانوني يتمثل في العدوان الذي ينـال مصـلحة أو حقـا
2 يحميه القانون”TP659F
(3) .P2T

ففي جريمـة القتـل تكـون النتيجـة الضـارة ( الإجراميـة ) هـي الوفـاة، واسـاس التجـريم هـو الاعتـداء
علـى حـق الإنسـان فـي الحيـاة، وفـي جر يمـة السـرقة تكـون النتيجـة الإجراميـة انتقـال المـال إلـى حيـازة
الجاني، واساس التجريم هو الاعتداء على حق الإنسان في الحيازة الكاملة ( التملك ).
ومن ثم على الادعاء العام اثبات تلك النتيجة الإجرامية، ففي جريمة القتل، يجب عليه اثبات وفاة
ً المجنـي عليـه، وهـو فـي الغالـب لـيس بالعسـير، إنمـا تـدق المسـألة فـي حالـة مـا إذا أتهـم شـخص

أمـرا

بارتكابـه جريمـة قتـل، ولكـن جثـة القتيـل لـم يعثـر عليهـا – كـأن يكـون الجـاني قـد دفنهـا أو أحرقهـا أو
أغرقها في النهر – ففي هذه الحالة عدم وجود الجثة يشير إلى عدم قيام النتيجة في جريمة القتل، الا
ان ذلك لا يمنع من محاسبة الفاعل إذا كانت الدلائل المتـوفرة تشـير صـراحة إلـى ان المـتهم قـد ارتكـب
انظر في هذا المعنى: (1 (

Essaid, op. cit., No.169, P. 116.

المشار اليه لدى: السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص536-537.
انظر في هذا المعنى: (2(
– ابو العلا علي ابو العلا التمر، “الجديد في الإثبات الجنائي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001 ،ص249.
– محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، الفنية للطباعة والنشر، القاهرة، 1985 ،ص69.
140) .3 (علي حسين الخلف، سلطان الشاوي، “المبادئ العامة في قانون العقوبات”، المرجع السابق، ص

( 212 )
الجريمـة. امـا إذا اسـتندت المحكمـة فـي ذلـك إلـى تهديـد المـتهم للمجنـي عليـه قبـل اختفـاء القتيـل أو
اجتماعه معه آخر مرة أو تشاجره معه، فتكون قد أخطأت إذا حكمت بالإدانة، لأنها قرائن لا ترتفع إلـى
ً بـافتراض براءتـه –

عـدها أدلـة كافيـة لنسـب التهمـة إلـى المـتهم، كمـا ان المـتهم غيـر ملـزم – تمسـكا
بإثبــات ان المجنــي عليــه علــى قيــد الحيــاة، أو ان اختفــاءه لســبب غيــر القتــل، فهــذه مهمــة الادعــاء
TP60F2العام) 1) .P2T
وهكذا الشأن في باقي الجرائم، حيث يجـب علـى سـلطة الاتهـام إثبـات النتيجـة الجرميـة التـي طـرأت
ً للسلوك الإجرامي الذي اقترفه الفاعل، هذا عن الإثبات في الجرائم المادية.

على العالم الخارجي، أثرا
إذ مـن المعلـوم ان الجـرائم تقسـم مـن حيـث نتائجهـا إلـى جـرائم ذات ضـرر مـادي، ويطلـق عليهـا
الجـرائم الماديـة – حيـث يكـون للفعـل الإجرامـي ضـرر مـادي لـه مظهـر خـارجي ملمـوس – وجـرائم ذات
ً، الجرائم الشكلية – حيث يكون للفعل الإجرامي

ضرر معنوي وجرائم ذات خطر ويطلق عليهما اصطلاحا
P2T .ومثـل تلـك الجـرائم يتحقـق (2 (ضرر معنوي، أو احتمال لوقوع ضـرر، لـيس لـه مظهـر مـادي ملمـوس 2-TP61F
ً الركن المادي لهـا بمجـرد وقـوع السـلوك الإجرامـي، إذ ان النتيجـة تعـد متحققـة تل مـع تحقـق الفعـل

قائيـا

الإجرامي، وعلى ذلك لا يقع علـى الادعـاء العـام فـي الجـرائم الشـكلية سـوى اثبـات وقـوع الفعـل الجرمـي
للقول بثبوت الركن المادي لها.
إلا أن اثبات الركن المادي للجريمة لا يتحقق باثبات السلوك الذي أتاه المـتهم، والنتيجـة الإجراميـة
ً التـي حصـلت، بـل علـى الا يـدل علـى قيـام

دعـاء العـام اثبـات ارتبـاط هـذا السـلوك بتلـك النتيجـة ارتباطـا

العلاقة السببية بينهما.
أي علـى الادعـاء العـام اثبـات ان النتيجـة الإجراميـة التـي تحققـت هـي الأثـر المترتـب علـى سـلوك
2 الجاني، ومعيار علاقة السببية ان يثبت انه لولا الفعل ما حدثت النتيجةTP62F
(1) .P2T

انظر : سليم حربة، “القتل العمد وأوصافه المختلفة”، ط1 ،مطبعة بابل، بغداد، 1988 ،ص33-34) .1 (
أنظر في ذلك: (2(
– أكرم نشأت ابراهيم، “القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن”، المرجع السابق، ص171.
– محمــود نجيــب حســني، “جــرائم الامتنــاع والمســئولية الجنائيــة عــن الامتنــاع”، مطبعــة جامعــة القــاهرة، القــاهرة،
.60ص، 1984
مشار اليه لدى:
– محمد معروف عبداالله، ” جريمة الامتناع عن تقديم المساعدة الضرورية”، المجلة العربية للفقه والقضاء، ع12 ،
اكتوبر، 1992 ،تصدرها الامانة العامة لجامعة الدول العربية، القاهرة، ص110.
محمو د نجيب حسني، “شرح قانون العقوبات”، المرجع السابق، ص286) .1 (
علي حسين الخلف، سلطان الشاوي، المرجع السابق، ص141.

( 213 )
ففي الأمثلة السابقة يجب على الادعاء العام ان يثبت ان سلوك الجـاني هـو الـذي أدى إلـى الوفـاة
في جريمة القتـل. أو ان سـلوكه هـو الـذي أدى إلـى إصـابة المجنـي عليـه فـي جريمـة الإيـذاء، فـإذا لـم
يثبت ارتكاب المتهم أي فعل أدى إلى إصابة المشـتكي بالإصـابة التـي حـدثت لـه، يجـب القضـاء ببـراءة
2 المتهم لعدم ثبوت علاقة السببية بين فعله والنتيجة التي حصلتTP63F

P2T .وفـي ذلـك أشـارت محكمـة التمييـز (2(
العراقية، بأنـه إذا كانـت التقـارير الطبيـة قـد أثبتـت حصـول الإصـابة، فإنهـا لا تـدل علـى ان المـتهم هـو
2 الفاعل، مما لا يشير إلى قيام علاقة السببية بين فعله والنتيجةTP64F
(3) .P2T

نخلص مما سبق إلى انه، يتعين على سلطة الاتهام إثبات الركن المادي بعناصره الثلاثـة مـن فعـل
ً أو امت
نـاع، ونتيجـة ضـارة، وعلاقـة السـببية بينهمـا، غيـر ان الـركن المـادي للجريمـة قـد يتخـذ صـورا
خاصة، بأن تتحقق بعض عناصره دون البعض الآخر، أو قد يرتكب السلوك الإجرامي عدة أشخاص لا
شخص واحد.

الفرع الثاني / إثبات الركن المادي في عناصره الخاصة
ان الصورة البسيطة للر كن المادي تتمثل في اكتمال عناصـره الثلاثـة – مـن فعـل ونتيجـة وعلاقـة
السببية – بيد ان الجريمة يمكن ان تقوم على الرغم مـن تخلـف احـد هـذه العناصـر – وهـو مـا يمثـل
الشروع في الجريمة – أو ارتكاب السلوك غير المشروع من قبل عدة اشخاص – وهو ما يمثل حالـة
ً المساهمة الجنائية، كم لقيـام الجريمـة يعـرف “بالشـرط المفتـرض”

ً مفترضا
ا قد يشترط القانون عنصرا
ً يشـدد مـن عقوبتهـا، فمـن يتحمـل إثبـات تلـك العناصـر الماديـة فـي
ً ماديـا
كما قد تلحق الجريمة ظرفـا
الجريمة. ذلك ما نبحثه في الآتي:
أولا / إثبات الشروع في الجريمة

قرار محكمة استئناف بغداد بصفتها التميزية رقم 783 /جزاء/ 2002 في 8/9/2002 ،غير منشور. (2 (
قرار رقم 2022/جنايات/ 73 في 4/2/1974 ،النشرة القضائية، ع1 ،س5 ،ص364) .3(
كما قضى بأنه ( إذا ثبت ان الطلقة التي اصابت المجني عليه، لم ترم من قبل المتهم، فيجب الحكم ببراءته ).
قرار محكمة التمييز/ رقم 2011 /جنايات/ 1971 ،في 7/10/1971 ،النشرة القضائية، ع4 ،س2 ،ص192.
ُ◌ً ، وبين الحريق الذي شب في المدرسة اثناء ذلك.

كما قضت بأنه لا توجد رابطة سببية بين نوم حارس المدر سة ليلا
قرار محكمة التمييز رقم 2114 /جزاء اولى، تمييزية/ 81 فـي 3/12/1981 ،مجموعـة الاحكـام العدليـة، ع4 ،س12 ،
ص118.

( 214 )
الشـروع فـي الجريمـة هـو البـدء بتنفيـذ فعـل بقصـد ارتكـاب جنايـة أو جنحـة، إذا أوقـف أو
P2T .فالشروع جريمة ناقصة وموضع الـنقص فيهـا، (1 (خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيهاTP65F2
2 تخلف النتيجة الجرمية لفعل الجانيTP6F

P2T .ومع ذلك الشروع في الجريمة وان كان أصـله القـانوني (2(
جريمة ناقصة، إلا انه في مآله وفي ذاته جريمة تامة في اركانها وعناصرها وعقوبتهـا، يطلـق
2 عليها “جريمة الشروع”TP67F
(3) .P2T

فإذا كـان الاتهـام بجريمـة مشـروع فيهـا، فإنـه يجـب علـى سـلطة الاتهـام، إثبـات البـدء فـي
التنفيذ، والذي يتميز به الشروع عن المراحل السابقة للاعداد للجريمة، كمـا عليهـا اثبـات بقيـة
أركـــان الشـــروع، وهـــي عـــدم إتمـــام الجريمـــة لأســـباب لا دخـــل لإرادة الفاعـــل فيهـــا، والقصـــد
TP68F2الجنائي) 4) .P2T
الا ان إثبـات البـدء فـي تنفيـذ جريمـة مـا، يختلـف بـاختلاف زاويـة النظـر اليـه، بـين معيـار
موضـوعي، ومعيـار شخصـي، وفـي ذلـك شـرح لا يلـزم البحـث، انمـا يتجـه القضـاء فـي كـل مـن
P2T) .5 (مصر والعراق إلى اتخاذ المعيار الشخصي لإثبات البدء في التنفيذTP69F2

ً، يجـب علـى الادعـاء العـام أن يثبـت ان المـتهم قـد القـي القـبض

ففـي جريمـة السـرقة مـثلا
P2T فـي (1 (عليه داخل الدار وان كان لم يقدم على السرقة، فهذا يعد بدءا TP670F2 ً في تنفيذها
ً
. كما يعد بدء
تنفيــذ جريمــة الســرقة إذا قــبض المشــتكي علــى المــتهم داخــل الــدار، فحــال بينــه وبــين إتمــام

انظر م ( 30 ( من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969) .1 (
محمود نجيب حسني، “شرح قانون العقوبات”، المرجع السابق، ص345) .2(
انظر في تفصيل ذلك: ضاري خليل محمود، “الشروع في الجريمة في ضـوء قـرارات محكمـة التمييـز – دراسـة مقارنـة”، (3(
محاضـرات مطبوعـة غيـر منشـورة، القيـت لطلبـة الـدكتوراه فـي كليـة القـانون/ جامعـة بغـداد، للعـام الدراسـي 1999-
.8ص، 2000
انظـر فـي هـذا المعنـى: محمـد عيـد الغريـب، ” حريـة القاضـي الجنـائي فـي الاقتنـاع اليقينـي واثـره فـي تسـبيب الاحكـام (4(
الجنائية”، النسر الذهبي للطباعة، القاهرة، 1997 ،ص26.
انظر في تفصيل ذلك: (5 (
– ضاري خليل محمود، “الشروع في الجريمة”، المرجع السابق، ص18 وما بعدها.
– فوزية عبدالستار، “شرح قانون العقوبات”، المرجع السابق، ص290 وما بعدها.
(1 (انظـر قـرا محكمـة التمييـز العراقيـة/ رقـم 8238 /جنايـات/ 1971 فـي 16/12/1971 ،النشـرة القضـائية، ع4 ،س2 ،
ص445.

( 215 )

TP671Fالجريمة 2
P2T .كما يتعين على الادعاء العام ان يثبت بـأن المـتهم قـد تخطـى سـور المنـزل للقـول (2(
P2T) .3 (بأن فعله يعتبر بدءا 2 سرقة التي قصدهاTP672F ً في تنفيذ جريمة ال
كما على الادعـاء العـام إثبـات ان عـدم إتمـام الجريمـة، كـان لأسـباب لا دخـل لإرادة المـتهم
ً فـي الجريمـة إذا عـدل عنهـا مـن تلقـاء نفسـه، دون ان يحـول

فيها، لذلك لا يعد المـتهم شـارعا
P2T .كما لو صوب شـخص مسدسـه نحـو آخـر لإطـلاق الرصـاص عليـه بقصـد (4 (بينها وبينه ح 2 ائلTP673F
قتلـه، ثـم يشـفق عليـه فيمتنـع عـن الضـغط علـى الزنـاد. بـل ان قيـام المـتهم بشـهر السـلاح أو
ً إطـلاق بالقتـل، ممـا حـدا بـابن عـم
كلمـات التهديـد علـى مـن كـان فـي حـانوت المشـتكي مهـددا

ً
المشتكي ان يمسك يد المتهم، فانطلقت اطلاقة أصابته بخـدش بسـيط فـي يـده، لا يعـد شـروعا
TP674F2بالقتل) 5) .P2T
ثانيا / إثبات المساهمة في الجريمة
تعني المساهمة في الجريمة أو المساهمة الجنائية، تعـدد الجنـاة فـي جريمـة واحـدة، فهـي
P2T ،والمساهمة صورة من صور ارتكاب (6 (تتكون من عنصرين هما: تعدد الجناة، 2 ووحدة الجريمةTP675F
السـلوك الإجرامـي تحصـل عنـدما يتعـاون اكثـر مـن شـخص فـي ارتكـاب جريمـة واحـدة، بحيـث
ً، دون ان يكــون هــذا التعــدد ممــا يســتلزمه نمــوذج

يمكــن ان تنســب الجريمــة لارادتهــم جميعــا
P2T .ويتحدد نوع المساهمة في ضوء اهمية الدور الذي يقوم به المساهم فـي المشـروع (7 (الجريمةTP67F2

ً فـي نطـاق الأ

ً الإجرامي، فإذا كان العمل الذي قام به داخـلا
َّ عمـال التنفيذيـة للجريمـة عـد “فـاعلا
للجريمة”، ويطلق على حالة تعدد الفاعلين المساهمة الأصلية، اما إذا كان العمل الذي قـام بـه
ً فيهـا إذ يتخـذ فعلـه احـدى

ً َّ عـن نطـاق الاعمـال التنفيذيـة للجريمـة، عـد شـريكا

المسـاهم خارجـا

(2 (انظر قرار محكمة التمييز العراقيـة/ رقـم 3696 /جنايـات/ 73 فـي 14/4/75 ،مجموعـة الاحكـام العدليـة، ع2 ،س2 ،
ص263.
(3 (محكمة النقض المصرية في 4/10/1966 ،س17 ،رقم168 ،ص911.
(4 (قرار محكمة التمييز العراقية/ رقم 527 /تمييزية/ 77 فـي 24/12/1977 ،مجموعـة الاحكـام العدليـة، ع3-4 ،س8 ،
ص254 .
(5 (قرار محكمة التمييز العراقية/ رقم 1885 /جنايات/ 84 في 28/5 /1985 .مشار اليه لدى:
– ابـراهيم المشـاهدي، “المبـادئ القانونيـة فـي قضـاء محكمـة التمييـز – القسـم الجنـائي”، مطبعـة الجـاحظ، بغـداد،
.193ص، 1990
(6 (اكرم نشأت ابراهيم، ” القواعد العامة في قانون العقوبات”، المرجع السابق، ص199.
(7 (رمسيس بهنام، “النظرية العامة في القانون الجنائي”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1965 ،ص640.

( 216 )
صـور ثـلاث حصـر فيهـا المشـرع حـالات الاشـتراك فـي الجر يمـة، وهـي ( التحـريض، الاتفـاق،
P2T ويطلق على حالة الاشتراك في الجريمة المساهمة التبعيةTP678F2) 1 (والمساعدة )TP67F2
(2) .P2T

إذ على سلطة الاتهام ان تثبت الواقعـة الرئيسـة المكونـة للجريمـة، والقصـد الجنـائي، وأحـد
P2T) .3 (أفعال الاشتراك المنصوص عليها بواسطة القانونTP679F2
فإذا كانت المساهمة اصلية، فإنه يجب علـى الادعـاء العـام ان يثبـت ان السـلوك الإجرامـي
قد اقترفه عدة اشخاص فاعلين للجريمة. وفي حالة المساهمة التبعيـة يجـب ان يثبـت الادعـاء
الواقعة الأساسية للركن المادي للجريمة، وصورة أو صور الاشـتراك فيهـا، أي ان ينطبـق علـى
P2T) .4 (سلوك المساهمين مع الفاعل صورة الاتفاق أو المساعدة أو التحريضTP680F2
وبعبـارة أخـرى فـي صـدد المسـاهمة فـي الجريمـة يجـب علـى الادعـاء العـام للقـول بوجـود
ً وحـدة الجريمـة بشـقيها المـادي والمعنـوي،

المساهمة في الجريمة بـين المتهمـين ان تثبـت اولا

ً
ً قيام حالة تعدد الجناة في ارتكاب هذه الجريمة، ولا يكون ذلـك الإثبـات صـحيحا

وان تثبت ثانيا
إلا بإثبات وحدة النتيجة الإجرامية، وارتباطها برابطة السببية بكل فعل من أفعال المسـاهمين –
وهو ما يمثل الوحدة المادية للجريمة – وكذلك باثبات الاتفاق المسبق بين المساهمين – وهو
ما يمثل الوحدة المعنوية – ثم اثبات حالة التعدد.
لذلك قضي بأنه إذا وقع الحادث بصورة آنية فلا يستدل بمـواد الاشـتراك الـواردة فـي قـانون

ً عــن الجريمــة أو الجــرائم التــي ارتكبهــاTP681F2

P2T .أي تنتفــي (5 (العقوبــات، إذ يكــون كــل فاعــل مســؤولا
المساهمة الجنائية بين المتهمين لانتفاء الوحدة المعنوية.

ً، ليســتعمله فــي قتـل المجنــي عليــه، ولكـن الجــاني لــم

كمـا لــو قـدم شــخص لآخــر سـلاحا
يستعمله وانما قتله بالسم، ففـي هـذه الحالـة تنتفـي الرابطـة السـببية بـين فعـل المسـاعدة وبـين
الوفـاة، فـلا يسـأل غيـر مـن وضـع السـم، وتنتفـي المسـاهمة الجنائيـة بينهمـا لانتفـاء الوحـدة
TP682Fالمادية 2
(1) .P2T

انظر مواد المساهمة في الجريمة في قانون العقوبات العراقي، رقم 47 ،48 ،49) .1 (
انظر في هذا المعنى: (2(
– فوزية عبدالستار، “شرح قانون العقوبات – القسم العام”، المرجع السابق، ص328.
هلالي عبداللاه احمد، “النظرية العامة للاثبات الجنائي”، م2 ،المرجع السابق، ص754) .3(
544 – 545) .4 (السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص
قــرار محكمــة التمييــز العراقيــة/ رقــم 1729 /جــزاء اولــى – تمييزيــة/ 1981 فــي 22 /9 /1981 ،مجموعــة الاحكــام (5 (
العدلية، ع3 ،س12 ،ص80.
– وكذلك القرار رقم 120 /هيئة عامة ثانية/ 72 في 23/9/1972 ،النشرة القضائية، ع3 ،س3 ،ص224.
(1 (فوزية عبدالستار، “شرح قانون العقوبات – القسم العام”، المرجع السابق، ص338.

( 217 )
يتضح مما سبق ان مؤدى قاعدة حمل الاتهام عبء الإثبات – نتيجة تمتع المتهم بقرينـة
ً البراءة – ، وكـذلك
هو قيام الادعاء العـام باثبـات تـوافر الـركن المـادي للجريمـة بعناصـره جميعـا
اثبـات صـوره الخاصـة سـواء مـا يتعلـق منهـا باثبـات الشـروع فـي الجريمـة واركانهـا، أو باثبـات
المساهمة في الجريمة بأركانها.
ثالثا / إثبات الشروط المفترضة
تتحمـل سـلطة الاتهـام أيضـا، إثبـات الشـروط المفترضـة، إذ بجانـب إثبـات الاركـان العامـة
والخاصة المكونة للجريمـة والتـي لا تقـوم الجريمـة بـدونها، فـإن القـانون قـد يشـترط فـي بعـض
الجرائم إثبات توافر عنصر إضافي. يعرف “بالشرط المفترض ويعرفه البعض بأنه العنصر الذي

ً عليهTP683F2
P2T) .2 (يفترض قيامه وقت مباشرة الفاعل لنشاطه وبدونه لا يكون الفعل معاقبا
إذ يختلـف الشـرط المفتـرض عـن الـركن كونـه يسـبق وقـوع الجريمـة، وبأنـه أمـر مشـروع،
ً عن إن الركن يثبت بكل طـرق الإثبـات، بينمـا الشـرط يثبـت بوسـائل الإثبـات المقـررة فـي
فضلا
P2T) .3 (القانون الذي ينتمي اليه الشرطTP684F2

ً
ُّ وقد يكون هذا الشرط علاقة قانونية، ففي جريمـة خيانـة الأمانـة، يعـد عقـد الأمانـة “شـرطا
2 ،” ويتم إثبات وجود هذا العقد على وفق قواعد الإثبات المدنيةTP685F
ً
P2T وفي جريمتـي “الزنـى” (4 (مفترضا
2 و “تعـدد الـزواج”TP68F

P2T ، ويـتم إثبـات وجـود هـذا العقـد علـى وفـق (5(

ً
ً مفترضـا
يعـد عقـد الـزواج شـرطا

2 قانون الأحوال الشخصيةTP687F

P2T .كما قد يكون هذا الشـرط صـفة معينـة، ففـي جريمتـي القتـل العمـد (6(
ً، ويتم إثبات ذلـك
ً مفترضا
ً وقت الجريمة شرطا

أو القتل الخطأ تعد صفة كون المجني عليه حيا

(2 (انظر في هذا المعنى: محمـود محمـود مصـطفى، “قـانون العقوبـات – القسـم العـام”، مطبعـة جامعـة القـاهرة، القـاهرة،
.39ص، 1983
(3 (محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، ج1 ،المرجع السابق، ص74.
ينبغـي علـى الادعـاء العـام – لإثبـات الـركن المـادي لجريمـة “خيانـة الأمانـة” م ( 453 (ق. ع- إثبـات الاسـتعمال أو (4(
التصرف في المال المنقول المملوك للغير وبأن تسليم هذا المال للمتهم قد تم بناء علـى عقـد مـن عقـود الأمانـة وهـي
علــى وفــق القــانون المــدني العراقــي: ( عاريــة الاســتعمال م (847 ،(الوكالــة م (927 ،(الــرهن الحيــازي م (1321 ،(
الاجارة م (722 ،(الوديعة م (951.(
(5 (انظر نص م (377 (ق.ع.ع، والمادة 3/6 من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959.
(6 (وقد قضت في ذلك محكمـة الـنقض المصـرية بـأن مسـائل الأحـوال الشخصـية ومـن أخصـها مسـائل الـزواج والطـلاق،
تظل متروكة للهيئـات الدينيـة، فـالحكم الصـادر مـن المحكمـة الدينيـة لطائفـة الـروم الارثـوذكس بـبطلان زواج المتهمـة
ً فيما انتهى اليه من عدم تحقيق الشرط المفتـرض

ً، ويكون الحكم المطعون فيه سليما

بالزنى من زوجها يكون صحيحا
لقبـول دعـوى الزنـى، وعـدم تحقـق أركــان الجريمـة لانعـدام الـزواج وقـت وقـوع الفعـل. طعـن رقـم 1007 سـنة 6 فـي
3/2/1953 ،مشـار اليـه لـدى: محمـد شـتا ابـو سـعد، “البـراءة فـي الاحكـام الجنائيـة”، منشـأة المعـارف، الإسـكندرية،
.111ص، 1997

( 218 )
من خلال الطب الشـرعي، وفـي جريمتـي الرشـوة والاخـتلاس تعـد صـفة الموظـف العـام بالنسـبة

2 ، ويكون إثبات ذلك على وفق القانون الإداريTP68F
ً
ً مفترضا

P2T) .1 (للفاعل شرطا
رابعا / إثبات الظروف المادية المشددة

ً
عـلاوة علـى الاركـان العامـة والخاصـة و الشـرط المفتـرض، قـد تلحـق بعـض الجـرائم أحيانـا
عناصـر يترتـب عليهـا تغييـر الوصـف القـانوني لهـا أو تغييـر فـي العقوبـة المقـررة لهـا سـواء
2 بالتشـديد أو التخفيـف، تعـرف بظـروف الجريمـةTP689F

P2T لمعيـار التمييـز (2(

ً
، وتتنـوع هـذه الظـروف تبعـا

TP690Fبينها 2
P2T ،فمن يتحمل عبء إثباتها؟. (3(
ليس ثمة شك فـي أن سـلطة الاتهـام هـي التـي تتحمـل هـذا العـبء، فيمـا يتعلـق بـالظروف
الماديـة المشـددة – وهـي الظـروف التـي تلحـق بعناصـر الـركن المـادي للجريمـة والتـي تتصـل

2 لما تقضي به قرينة البراءةTP691F
ً

P2T) .4 (بالفعل أو بوسيلة ارتكابه أو بزمانه أو مكانه – تبعا
إذ يقع على الادعاء العام عبء إثبات تـوافر هـذه الظـروف فـي صـورتها التـي نـص عليهـا
القانون في الحالات التي ترتكب فيها الجريمـة مقترنـة بأحـد هـذه الظـروف. ففـي جريمـة القتـل
ً عـن إثبـات فعـل القتـل إثبـات

ً – ينبغـي علـى الادعـاء العـام فضـلا

باستعمال مادة سامة – مـثلا
انظر نصوص المواد ( 405 إلى 411 ) ،( 307 ، 315 ( من ق. ع. ع. (1 (
انظـر فـي هـذا المعنـى: عبـدالحكم فـودة، “البـراءة وعـدم العقـاب فـي الـدعوى الجنائيـة”، منشـأة المعـارف، الإسـكندرية،
.200-199ص، 2000
(2 (فوزية عبدالستار، “شرح قانون العقوبات – القسم العام”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1987 ،ص26.
جـدير بالـذكر أن القـانون العراقـي يعـرف الظـرف القـانوني المخفـف بتعبيـر “عـذر مخفـف”. أنظـر نـص المـادة (128 (

ً مع خطة البحث.

ق.ع، وسوف نتناولها في مبحث إثبات طرق الدفاع، انسجاما
(3 (ظروف الجريمة تنقسم مـن حيـث نطـاق تطبيقهـا إلـى ظـروف عامـة تسـري علـى جميـع الجـرائم أو معظمهـا (كـالعود)
وظروف خاصة، لا تسري إلا على فئة معينة منها ( كأستعمال السم في القتل ). وتنقسم من حيث تأثيرها في العقوبة
إلى ظروف مشددة (كسبق الاصرار) وظروف مخففة أو أعذار (كصغر السن). وتنقسم من حيث طبيعتها إلـى ظـروف
ماديـة أو موضـوعية وظـروف معنويـة أو شخصـية. وتنقسـم مـن حيـث مصـدرها إلـى ظـروف قانونيـة يحـددها المشـرع
وظروف قضائية يستخلصها القاضي. أنظر في تفصيل ذلك:
– سيد البغال، “الظروف المشددة والمخففة في قانون العقوبات”، دار الفكر العربي، القاهرة، 1982 ،ص10-12
– أكرم نشأت ابراهيم، “القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن”، المرجع السابق، ص345-375.
– ضاري خليل محمود، “الوجيز فـي شـرح قـانون العقوبـات – القسـم العـام”، دار القادسـية، بغـداد، 1982 ،ص109-
.113
– فوزية عبدالستار، المرجع السابق، ص26-29.
محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص70) .4(

( 219 )

2 بأنه كان نتيجـة اسـتخدام مـادة سـامةTP692F

P2T ،وفـي جريمـة السـرقة المقترنـة بظـرف الليـل أو بحمـل (1(
الســلاح، علــى الاتهــام إثبــات أن فعــل الاخــتلاس وقــع فــي الفتــر ة مــا بــين غــروب الشــمس

ً بحمل السلاحTP693F2
P2T) .2 (وشروقها، أو كان مقترنا

المطلب الثاني
اثر البراءة في ” إثبات الركن المعنوي “

ً قوامه الفعل وآثاره، إنما هي كذلك كيان نفسـي قوامـه العناصـر
ً خالصا
ً ماديا
الجريمة ليست كيانا
النفسـية المكونـة لهـا، وهـو مـا أصـطلح عليـه بـالركن المعنـوي، ويـراد بـه الأصـول النفسـية لماديـات
الجريمة، إذ لا يسأل الشخص عن جريمة ما لم تقم علاقة بين ماديتها ونفسيته، فالاصل إلا جريمـة
2 بغير ركن معنوي، باعتباره سبيل المشرع لتحديد المسؤولية الجنائية للمتهمTP694F
(3) .P2T

والركن المعنوي في جوهره قوة نفسية من شـأنها السـيطرة علـى ماديـات الجريمـة، تعـرف بـالارادة
الآثمة أو الجرمية، والتي تربط بين ماديات الجريمة وشخصية الجاني، الأمـر الـذي يكشـف عـن دور
الركن المعنوي في توجيه العقوبة إلى أغراضها الاجتماعية، ما دام غرض عرض الجزاء الجنائي هـو
ردع الجاني وتقويمه، أو درء خطره، فإن ذلـك لـن يتحقـق إلا بالنسـبة لمـن تـوافرت لديـه إرادة انتهـاك
TP695F2القانون) 4) .P2T
هذه الإرادة الآثمة نحو ارتكاب الجريمة، قد تتخذ صورة العمد وتعـرف بالقصـد الجنـائي، أو تتخـذ
صورة الخطأ وتعرف بالخطأ غير العمدي.
بناء على ذلك نبحث أثر البراءة في إثبات الركن المعنوي، من خلال فرعين:
الفرع الأول / اثبات الركن المعنوي في صورته العمدية.
الفرع الثاني / إثبات الركن المعنوي في صورته غير العمدية.

(1 (انظر في هذا المعنى: سليم حربة، “القتل العمد وأوصافه المختلفة”، المرجع السابق، ص223.
(2 (انظر نص المادة (440 (من قانون العقوبات العراقي.
انظر في هذا المعنى:
– قرار محكمة التمييز رقم 17/جنايات/ 76 في 28/1/1976 – مجموعة الاحكام العدلية، ع1 ،س7 ،ص296.
– وقرارمحكمة التمييز رقم1084/جنايات ثانية/76 في 18/6/1976 ،مجموعة الاحكام العدلية،ع3 ،س7 ،ص382
(3 (انظر في هذا المعنى: احمد سعيد صوان، “قرينة البراءة”، المرجع السابق، ص476.
(4 (انظر في هذا المعنى: علي حسين الخلف، سلطان الشاوي، “المبادئ العامة فـي قـانون العقوبـات”، المرجـع السـابق،
ص148.

( 220 )

الفرع الأول / إثبات الركن المعنوي في صورته العمدية

ٕحــداث النتيجــة

يتحقــق القصــد الجنــائي باتجــاه ارادة الجــاني إلــى مباشــرة الســلوك الإجرامــي، وا
P2T ،وبعبـارة أخـرى هـو علـم الجـاني بعناصـر الجريمـة واتجـاه (1 (الجرميـة المترتبـة عليـه مـع علمـه بهمـاTP69F2
ارادتـه نحـو تحقيـق هـذه العناصـر أو قبولهـا. وعلـى ذلـك فـإن عنصـري القصـد همـا العلـم بماديـات
P2T) .2 (الجريمة، وارادة هذه الماديات أو قبولهاTP697F2
ً لقرينة البراءة وهي أصل في المتهم، إثبات الركن المعنوي بصورتيه القصد والخطأ، يقـع
وتطبيقا
على عاتق الادعاء العام، وان كان إثبات القصد الجنائي – والركن المعنـوي بصـفة عامـة – ُّ يعـد مـن
أصعب الأمور التي يدور حولها الإثبات الجنائي، وذلـك لكونـه يتعلـق بـأمور نفسـية داخليـة يضـمرها
P2T) .3 (الجاني، ولا سبيل إلى معرفته إلا من خلال مظاهر خارجية تدل عليهTP698F2
إذ يجب على الادعاء العام إقامة الدليل على توافر هذا القصد بعنصريه العلم والإرادة، ويلـزم أولا
لقيــام القصــد الجنــائي اثبــات ارادة النشــاط الجرمــي أي اثبــات ارادة الفعــل أو الامتنــاع المقــرر فــي
ً – يسـتدل علـى ارادة الجريمـة ومـن ثـم ثبـوت القصـد الجرمـي مـن القانون. ففي جريمة القتل –

مـثلا

خـلال الأدلـة و القـرائن التـي تعبـر وتوضـح نيـة القتـل لـدى الفاعـل، ويمكـن اسـتخلاص هـذه النيـة مـن
ظروف القضية، والاداة المستعملة في الجريمة، وتكرار الضربة، ومكان الاصابة، أو مدى خطورتها،
فإذا كانت الاداة المستعملة “مسحاة”، وهي ليسـت مـن الادوات المعـدة للقتـل، والمـتهم ضـرب المجنـي

اكرم نشأت ابراهيم، “القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن”، المرجع السابق، ص269) .1 (
وقد عرفه قانون العقوبات العراقي في المادة (33 (منه بقوله ( القصـد الجرمـي هـو توجيـه الفاعـل ارادتـه إلـى ارتكـاب

ً نتيجة الجريمة التي وقعت أو أية نتيجة جرمية أخرى).

الفعل المكون للجريمة هادفا
40) .2 (محمود نجيب حسني، “النظرية العامة للقصد الجنائي”، المرجع السابق، ص
الواقع ن الفقه الجزائي منقسم في شأن مفهومه للقصد الجرمي إلى نظريتين:
1 (نظريـة الإرادة: وهـذه لا يقـوم القصـد الجرمـي بمقتضـاها الا إذا تـوافرت للفاعـل ارادة الفعـل الجرمـي وارادة النتيجـة

معا
2 (نظريـة العلـم: وهـذه يكفـي لقيـام القصـد الجرمـي بمقتضـاها ان يريـد الفاعـل الفعـل الجرمـي مـع تـوفر علمـه بكافـة
العناصر الأخرى المشكلة للركن المادي للجريمة.
انظـر فـي تفصـيل ذلـك: محمـد زكـي أبـو عـامر، “قـانون العقوبـات اللبنـاني – القسـم العـام”، الـدار الجامعيـة، بيـروت،
1981 ،ص179 وما بعدها.
انظر في هذا المعنى: احمد ادريس احمد، “افتراض براءة المتهم” ، المرجع السابق، ص870) .3(
وفي ذلك قضت محكمة التمييز العراقية بأن القصد الجرمي أمـر بـاطني يـدل عليـه الفعـل الخـارجي. قـرار رقـم 1927 /
جنايات/ 73 في 5/12/1973 ،النشرة القضائية،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous post القانون الجنائي الجزء 10 : البراءة
Next post القانون الجنائي الجزء 5: البراءة